مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

أحمد بن قاسم جسوس

الإمام العَلَم الأديب، الـمُطّلع الـمُشارك المُجيد، أحمد بن قاسم جَسُّوس الرباطي، من الذين هاجروا من فاس إلى مدينة الرباط للاستقرار والعيش بها بعد النّكبة ومقتل الشيخ عبد السلام جسّوس بفاس في سنة (1121هـ)، كانت ولادته في حدود السبعين ومائتين وألف بمدينة الرباط في أسرة نشط أبناؤها في مختلف الميادين العلمية والوطنية وغيرها، وقد سهر والده على تربيته وتكوينه تكوينا أصيلا؛ فحفظ القرآن الكريم، والمتون والمنظومات العلمية في مختلف الفنون الآلية، فما مضت عليه مدّة حتى كان فيها من أهل التبريز، فألحقه والده بحلقات الشيوخ؛ فدرس على الشّيخ الوليّ العربي بن السايح، وشيخ الجماعة أبي إسحاق التادلي، والقاضي أبي العباس مُلين، وغيرهم، ثمّ شدّ الرحال إلى فاس طالبا المزيد، فتسنى له الأخذ عن مشاهير الوقت من أمثال أبي العباس أحمد بن أحمد بناني، والشيخ الإمام أبي عبد الله محمد كنون، والطيب بن أبي بكر ابن كيران، وغيرهم مما يضيق المقام بذكرهم، وبعد هذا وسّع مجال الطّلب فرحل إلى مرّاكش، وطنجة، وتطوان، ثم مصر، وأرض الكنانة، وهنالك أدّى فريضة الحجّ، والتقى بالعلماء من مختلف البلدان، فسمع منهم واستجاز واستفاد.

فبلغ الإمام جَسُّوس بهذه المسيرة العلمية الحافلة شأواً عظيماً لم يبلغه عالم من علماء مَصره، واستفاضت بذلك مكانته، وأثنى عليه بها الجم الغفير، فحلاّه تلميذه محمد بوجندار: «العلاّمة الأديب المجيد، الذي تحلّى به الزمان النَّحْرُ والجيد، فخر الرباط وشاعره، وناظم دُرّه وناثره…»، وقال عنه عبد السلام بن سودة: «العلامة المطّلع المشارك الأديب». وبعد عودة الإمام جسّوس إلى مُقامه بالرباط، اشتغل أوّل الأمر في الإشهاد والتوثيق مع القاضي علي بن أحمد دنية، ثمّ اشتغل عدلا في أمانة المراسي بالدار البيضاء وطنجة، لكنّه سرعان ما طلب الإعفاء من العمل الوظيفي متعلّلاً بضعف بنيته وعدم القدرة بالاستمرار في المهام المسندة إليه. فعاد إلى بلده، وتفرّغ للتدريس والتأليف، فكان يلقي دروسه بالمسجد الأعظم و في الزاوية التجانية، وكان موضوع درسه: شرح ألفية ابن مالك، ومختصر خليل بشرح الدَّرْدير، وشمائل الترمذي، والأربعين النووية، وهمزية البوصيري، ورسالة القيرواني، والموطأ، وغيرها، وكان ـ كما يقول تلميذه بوجندار ـ : عذب الإلقاء، أنيق التّعبير، حسن الإدراك والفهم، وكان كلّما جلس في مجلس كسَتهُ حُلّة الجمال والجلال، وذاكَر وحاضر وخاض في كلّ مجال، بكلام خَلوب يملك القلوب، وألفاظ تكاد تسيل لُطفا، وتحتسيها الأرواح مدامة صِرْفا…إلى آخر الكلام الذي يشوِّقُ قَارئَه لحضور مجلس من مجالسه. ومما يُنسب إليه من مصنّفات وتآليف: فهرس في تراجم شيوخه، وتعليق على الموطأ، وافتتاح البخاري وختمه، وختم الشمائل الموسوم بزهر الخمائل من دوحة الشمائل، وله كذلك أشعار كثيرة لو جمعت لجاءت في ديوان.

وفي ثالث عشر من ذي القعدة 1331هـ، الموافق للرابع عشر أكتوبر 1913م، توفي الإمام جسُّوس ـ رحمه الله تعالى ـ بعد مرض اعتراه في آخر حياته ألزمه الفراش مدّة طويلة، ودفن بالزاوية الناصرية بمدينة ورزازات.

مصادر ترجمته: الاغتباط بتراجم أعلام الرباط لمحمد بوجندار (ص62)، إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع لعبد السلام بن سودة (2/405)، معلمة المغرب (9/3024).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق