مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

أبو العباس الجيراوي

 

أبو العباس الجيراوي
بقلم: محمد الفاسي
وكان الجيراوي مع تخصصه في معرفة الأدب العربي ومعاناته للشعر يميل للأبحاث الفلسفية، وليس لنا عن هذه الناحية من تفكيره معلومات كافية إلا ما ورد استطرادا في كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة في ترجمة الفيلسوف الشهير ابن رشد وهو قوله:«ثم إن المنصور فيما بعد نقم على أبي الوليد ابن رشد وأمر أن يقيم في اليسانة، وهي بلد قريب من قرطبة، وكانت أولا لليهود وأن لا يخرج عنها.
ونقم أيضا على جماعة أخرى من الفضلاء الأعيان وأمر أن يكونوا في مواضع أخرى، وأظهر أنه فعل بهم ذلك بسبب ما يدعي فيهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة هم أبو الوليد ابن رشد، وأبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الحافظ الشاعر الغرابي، (كذا) وبقوا مدة. ثم إن جماعة من الأعيان باشبيلية شهدوا لابن رشد أنه على ما نسب إليه، فَرَضِيَ المنصور عنه وعن سائر الجماعة. وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة»[ ابن أبي اصعيبة ج 2 ص 76].
وهذا النص جلي في أن العباس الجيراوي ألقي عليه القبض كما ألقي على أكبر فلاسفة الإسلام ابن رشد، بسبب اشتغاله بالحكمة وعلوم الأوائل. ولا نعلم هل ألف شاعرنا في الفلسفة شيئا أم اكتفى بمطالعة كتبها وتفهمها والمذاكرة في مسائلها مع المشتغلين بذلك من معاصريه كابن رشد وغيره.
وإن كان لم يؤلف شيئا في نظرياته الفلسفية أو لم يبلغنا شيء من ذلك، فلا شك أن شعره تأثر بثقافته الفلسفية، خصوصا إذا علمنا أن الشاعر الذي كان شعره منتشرا معروفا في وقته من شعراء المغرب هو ابن حبوس الذي شبهناه بالمعري عند دراستنا له ؛ ولكننا لا نجد أثرا بينا لهذا فيما بقي لنا من شعر الجيراوي إلا أن كل شعره الذي أمكن الوقوف عليه الآن كما سنراه خاص بمدح الخلفاء، مع بعض أبيات وفقرات صغيرة غالبها في الهجو، ولو قدر لنا أن نعثر على ديوانه، لكنا بلا شك نرى اشتغاله بالحكمة كما نرى في أسلوب شعره كله إثر ثقافته الأدبية المتينة .
ولم يكتف أبو العباس الجيراوي بحفظ أشعار العرب والاطلاع على أخبارهم والتخصص في هذه الشؤون، بل جمع كتابا في منتخب الشعر العربي اثنى عليه كل من ذكره؛ وهذا الكتاب هو الذي قوى مكانته عند المنصور وزاد في شهرته، ونقل ذكره إلى كل الآفاق العربية بالمشرق والمغرب.
وإني بهذه المناسبة أنبه على بحث مفيد كان نشره الأستاذ عبد الكريم بن الحسني بملحق الثقافة المغربية لجريدة المغرب في العددين التاسع والعاشر حول هذا الكتاب، وذلك أنني كنت نشرت في ذلك الملحق إفادة عن شاعرنا هذا وأتيت بتعريف بسيط له ذكرت فيه كتابه هذا، فكتب بعد ذلك الأستاذ ابن الحسني المقال المذكور. 
وهذا الكتاب الذي نحن بصدده سماه مؤلفه صفوة الأدب ونخبة ديوان العرب، جمع فيه ما انتخبه من محفوظه ومما اطلع عليه من الشعر العربي، وبوبه على أبواب الشعر المعروفة من فخر ونسيب إلى غير ذلك، كما فعل أبو تمام في كتابه الحماسة الذي سمي كذلك؛ لأن أول فصوله باب الحماسة، فصار كل كتاب يجمع منتخبات شعرية يسمى كتاب الحماسة، وهكذا يوجد في الأدب العربي عدة مؤلفات تدعى بهذا الاسم كالحماسة التونسية والحماسة البصرية، وغيرهما.
وقد ضاع كتاب صفوة الأدب كما ضاع ديوان جامعه ،وكما ضاعت كتب أدبية أخرى قبله وبعده كما قلناه وكررناه وملَّه السامعون والقارئون. ولكن ما ذنبي وأنا مضطر عند الكلام على كل واحد من عظماء أدبائنا الماضين أن أكتفي بنقل ما قاله عنهم معاصروهم من دون أن يمكنني الحكم الحق على إنتاجهم مادام مفقودا.
ولكن لا يلزم من كونه مفقودا الآن أنه لم يوجد قط وأنه سيظل مفقودا إلى الأبد، بل إن من حسن حظ الجيراوي أنه اختصر كتابه الصفوة وسمي ذلك المختصر الحماسة المغربية لشبه الكتاب بحماسة أبي تمام، وهذا المختصر يوجد مخطوطا بإحدى خزانات اسطمبول كما ذكر ذلك الشيخ ابن أبي شنب رحمه الله والأستاذ بيل في تعليق لهما من مؤلفات هذا العصر توجد منه نسخة فريدة بخزانة اسطمبول، والأول هو ديوان الشاعر السيد أبي الربيع الموحدي، وكلاهما نسخا في عصر تأليفهما بعد وفاة مؤلفيها بيسير، مما يدل على أن انتاجات أهل المغرب الأدبية كانت تقتنى بالمشرق ويقع عليها الإقبال وتنتسخ وتجعل في الخزانات الخاصة والعامة.
ووجود مثل هذه التآليف إلى الآن محفوظة بخزانات المشرق مع فقدانها في البلاد التي ألفت فيها، يسجل على أهل المغرب عارا لا يمحى ويبرهن برهانا ساطعا على أن سلف أمتنا بنى لنا مجدا أدبيا خالدا أضاعه خلف عاق، لم يكتف بإتلاف تلك المدخرات بل تعدى ذلك إلى إنكارها جهلا منه وادعاء باطلا، وعسى أن توفق هيئة من الهيئات الرسمية أو غيرها إلى استجلاب مثل هذه الكتب المغربية الضائعة بالاستنساخ أو التصوير وهو أولى.
وقد أثنى الكثيرون على كتاب الصفوة أو الحماسة المغربية، فمن ذلك ما قاله صاحب كشف الظنون:«صفوة الأدب وديوان العرب لأبي العباس أحمد بن عبد السلام الكواري(كذا) الأديب وهو كتاب يحتوي على فنون الشعر كالحماسة وهو عند أهل المغرب كالحماسة عند أهل المشرق، ومؤلفه من شعراء ملوك الموحدين توفي في آخر أيام يعقوب الموحدي (وهذا غلط كما قدمنا) ألفه في مختار الشعر وهو من أحسن المجاميع » . 
ويظهر من وصف حاجي خليفة لهذا الكتاب أنه اطلع عليه، وهذا أيضا يؤيد ما ذهبنا إليه من انتشار كتب المغاربة القيمة بالمشرق في عصور الازدهار الأدبي.
وقال ابن خلكان في وفياته في ترجمة يعقوب المنصور «وله ألف أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجيراوي كتابه الذي سماه صفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر، وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان »[الوفيات ج 2 ص 432.].
وقال في ترجمة والده أبي يعقوب يوسف وقد استطرد ذكر الجيراوي: «وجمع كتابا يحتوي على فنون الشعر على وضع الحماسة لأبي تمام الطائي، وسماه صفوة الأدب وديوان العرب وهو كثير الوجود بين أيدي الناس»[الوفيات ج 2 ص 494].
وهذا النص صريح وفيه البرهان القاطع على ما قلناه وهو يدل على أكثر مما تصورناه إذ لم نكن نعتقد أن كتابا يؤلفه مغربي يكون كثير الوجود بين أيدي الناس، ولا شك أن ابن خلكان لا يمكنه أن يعني بقوله هذا إلا أهل مصر أو الشام.
عن صحيفة : رسالة المغرب في العلم والأدب والاجتماع
العدد السابع 10 صفر 1362 / 15 فبراير 1943  السنة الأولى.
إنجاز: ذة. نادية الصغير.

أبو العباس الجيراوي

بقلم: محمد الفاسي

وكان الجيراوي مع تخصصه في معرفة الأدب العربي ومعاناته للشعر يميل للأبحاث الفلسفية، وليس لنا عن هذه الناحية من تفكيره معلومات كافية إلا ما ورد استطرادا في كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة في ترجمة الفيلسوف الشهير ابن رشد وهو قوله:«ثم إن المنصور فيما بعد نقم على أبي الوليد ابن رشد وأمر أن يقيم في اليسانة، وهي بلد قريب من قرطبة، وكانت أولا لليهود وأن لا يخرج عنها.
ونقم أيضا على جماعة أخرى من الفضلاء الأعيان وأمر أن يكونوا في مواضع أخرى، وأظهر أنه فعل بهم ذلك بسبب ما يدعي فيهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة هم أبو الوليد ابن رشد، وأبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الحافظ الشاعر الغرابي، (كذا) وبقوا مدة. ثم إن جماعة من الأعيان باشبيلية شهدوا لابن رشد أنه على ما نسب إليه، فَرَضِيَ المنصور عنه وعن سائر الجماعة. وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة»[ ابن أبي اصعيبة ج 2 ص 76].
وهذا النص جلي في أن العباس الجيراوي ألقي عليه القبض كما ألقي على أكبر فلاسفة الإسلام ابن رشد، بسبب اشتغاله بالحكمة وعلوم الأوائل. ولا نعلم هل ألف شاعرنا في الفلسفة شيئا أم اكتفى بمطالعة كتبها وتفهمها والمذاكرة في مسائلها مع المشتغلين بذلك من معاصريه كابن رشد وغيره.
وإن كان لم يؤلف شيئا في نظرياته الفلسفية أو لم يبلغنا شيء من ذلك، فلا شك أن شعره تأثر بثقافته الفلسفية، خصوصا إذا علمنا أن الشاعر الذي كان شعره منتشرا معروفا في وقته من شعراء المغرب هو ابن حبوس الذي شبهناه بالمعري عند دراستنا له ؛ ولكننا لا نجد أثرا بينا لهذا فيما بقي لنا من شعر الجيراوي إلا أن كل شعره الذي أمكن الوقوف عليه الآن كما سنراه خاص بمدح الخلفاء، مع بعض أبيات وفقرات صغيرة غالبها في الهجو، ولو قدر لنا أن نعثر على ديوانه، لكنا بلا شك نرى اشتغاله بالحكمة كما نرى في أسلوب شعره كله إثر ثقافته الأدبية المتينة .
ولم يكتف أبو العباس الجيراوي بحفظ أشعار العرب والاطلاع على أخبارهم والتخصص في هذه الشؤون، بل جمع كتابا في منتخب الشعر العربي اثنى عليه كل من ذكره؛ وهذا الكتاب هو الذي قوى مكانته عند المنصور وزاد في شهرته، ونقل ذكره إلى كل الآفاق العربية بالمشرق والمغرب.
وإني بهذه المناسبة أنبه على بحث مفيد كان نشره الأستاذ عبد الكريم بن الحسني بملحق الثقافة المغربية لجريدة المغرب في العددين التاسع والعاشر حول هذا الكتاب، وذلك أنني كنت نشرت في ذلك الملحق إفادة عن شاعرنا هذا وأتيت بتعريف بسيط له ذكرت فيه كتابه هذا، فكتب بعد ذلك الأستاذ ابن الحسني المقال المذكور. 
وهذا الكتاب الذي نحن بصدده سماه مؤلفه صفوة الأدب ونخبة ديوان العرب، جمع فيه ما انتخبه من محفوظه ومما اطلع عليه من الشعر العربي، وبوبه على أبواب الشعر المعروفة من فخر ونسيب إلى غير ذلك، كما فعل أبو تمام في كتابه الحماسة الذي سمي كذلك؛ لأن أول فصوله باب الحماسة، فصار كل كتاب يجمع منتخبات شعرية يسمى كتاب الحماسة، وهكذا يوجد في الأدب العربي عدة مؤلفات تدعى بهذا الاسم كالحماسة التونسية والحماسة البصرية، وغيرهما.
وقد ضاع كتاب صفوة الأدب كما ضاع ديوان جامعه ،وكما ضاعت كتب أدبية أخرى قبله وبعده كما قلناه وكررناه وملَّه السامعون والقارئون. ولكن ما ذنبي وأنا مضطر عند الكلام على كل واحد من عظماء أدبائنا الماضين أن أكتفي بنقل ما قاله عنهم معاصروهم من دون أن يمكنني الحكم الحق على إنتاجهم مادام مفقودا.
ولكن لا يلزم من كونه مفقودا الآن أنه لم يوجد قط وأنه سيظل مفقودا إلى الأبد، بل إن من حسن حظ الجيراوي أنه اختصر كتابه الصفوة وسمي ذلك المختصر الحماسة المغربية لشبه الكتاب بحماسة أبي تمام، وهذا المختصر يوجد مخطوطا بإحدى خزانات اسطمبول كما ذكر ذلك الشيخ ابن أبي شنب رحمه الله والأستاذ بيل في تعليق لهما من مؤلفات هذا العصر توجد منه نسخة فريدة بخزانة اسطمبول، والأول هو ديوان الشاعر السيد أبي الربيع الموحدي، وكلاهما نسخا في عصر تأليفهما بعد وفاة مؤلفيها بيسير، مما يدل على أن انتاجات أهل المغرب الأدبية كانت تقتنى بالمشرق ويقع عليها الإقبال وتنتسخ وتجعل في الخزانات الخاصة والعامة.
ووجود مثل هذه التآليف إلى الآن محفوظة بخزانات المشرق مع فقدانها في البلاد التي ألفت فيها، يسجل على أهل المغرب عارا لا يمحى ويبرهن برهانا ساطعا على أن سلف أمتنا بنى لنا مجدا أدبيا خالدا أضاعه خلف عاق، لم يكتف بإتلاف تلك المدخرات بل تعدى ذلك إلى إنكارها جهلا منه وادعاء باطلا، وعسى أن توفق هيئة من الهيئات الرسمية أو غيرها إلى استجلاب مثل هذه الكتب المغربية الضائعة بالاستنساخ أو التصوير وهو أولى.
وقد أثنى الكثيرون على كتاب الصفوة أو الحماسة المغربية، فمن ذلك ما قاله صاحب كشف الظنون:«صفوة الأدب وديوان العرب لأبي العباس أحمد بن عبد السلام الكواري(كذا) الأديب وهو كتاب يحتوي على فنون الشعر كالحماسة وهو عند أهل المغرب كالحماسة عند أهل المشرق، ومؤلفه من شعراء ملوك الموحدين توفي في آخر أيام يعقوب الموحدي (وهذا غلط كما قدمنا) ألفه في مختار الشعر وهو من أحسن المجاميع » . 
ويظهر من وصف حاجي خليفة لهذا الكتاب أنه اطلع عليه، وهذا أيضا يؤيد ما ذهبنا إليه من انتشار كتب المغاربة القيمة بالمشرق في عصور الازدهار الأدبي.
وقال ابن خلكان في وفياته في ترجمة يعقوب المنصور «وله ألف أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجيراوي كتابه الذي سماه صفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر، وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان »[الوفيات ج 2 ص 432.].
وقال في ترجمة والده أبي يعقوب يوسف وقد استطرد ذكر الجيراوي: «وجمع كتابا يحتوي على فنون الشعر على وضع الحماسة لأبي تمام الطائي، وسماه صفوة الأدب وديوان العرب وهو كثير الوجود بين أيدي الناس»[الوفيات ج 2 ص 494].
وهذا النص صريح وفيه البرهان القاطع على ما قلناه وهو يدل على أكثر مما تصورناه إذ لم نكن نعتقد أن كتابا يؤلفه مغربي يكون كثير الوجود بين أيدي الناس، ولا شك أن ابن خلكان لا يمكنه أن يعني بقوله هذا إلا أهل مصر أو الشام.

عن صحيفة : رسالة المغرب في العلم والأدب والاجتماع

العدد السابع 10 صفر 1362 / 15 فبراير 1943  السنة الأولى.

انتقاء: ذة. نادية الصغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق