مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

محاضرة مُفرغة للدكتور محمد مفتاح رحمه الله، بعنوان: «نظرات في مناهج التحقيق» ألقاها بمركز ابن أبي الربيع السبتي يوم الثلاثاء 19/02/2019

فبراير 19, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم.

شكرا للأخ الأستاذ الدكتور محمد الحافظ الروسي على هذه الكلمات التي لا أستحق منها إلا القليل؛ لأني لست شيخ المحققين، وإنما أنا مبتدئ في مجال العلم وفي مجال التحقيق.

وأشكر مركز ابن أبي الربيع السبتي على هذه الدعوة الكريمة، كما أشكر الإخوة الذين شرفوني بالاستماع إلى هذه الكلمات المقتضبة التي سأدلي بها إن شاء الله في ميدان خبرته مدة طويلة والتقيت بالشيوخ وتنقلت إلى مكتبات، سواء في المغرب أو خارج المغرب، بحيث مكثت سنة كاملة في خزانة الإسكوريال وفهرستُ ما لم يفهرس من المخطوطات التي فهرسها «ديرين بورغ» و«ليفي بروفنسال»، وزرت مكتبة باريس ومكثت فيها أكثر من شهر، فكنت قد اطلعت آنئذ على مؤلفات لم تصدر بعدُ، ويحضرني الآن في هذا المجال كتاب: «الكَشف والتَّنبيه» الذي طبعه الدكتور هلال ناجي بعدُ(1)، وكتب أخرى كنت قد اطلعت عليها في الثمانينات من هذا القرن، وزرت مكتبات أخرى كتونس التي مكثت فيها أيضا أياما، ومنها جلبت كتاب: «السِّحر والشِّعر» لابن الخطيب عندما كنت أشتغل به سنة ثمانين. وأما المكتبات المغربية فحدث ولا حرج، ذلك أنني تنقلت من الشمال المغربي إلى جنوبه.

قبل الحديث عن مناهج التحقيق، وقصدت أن أتحدث عن الجمع: «المناهج»؛ لأنه قد يقال: هل هناك مناهج في التحقيق، إنما هو منهاج واحد؟ والسؤال هنا يُطرح وسنجيب عنه إن شاء الله.

وقبل ذلك أود أن أتحدث عما قبل التحقيق، ما هي المقومات الأساس التي يجب أن تكون للباحث قبل أن يُقْدِمَ على التحقيق؟ لأن التراث العربي هو تراث شاسع وتراث يشكل مرآة الأمة وفخرها، وهو موزع في مكتبات العالم. وقد تتبعت التراث العالمي فوجدت أن التراث الإسلامي هو أكبر تراث موزع في العالم، وقد كتب أحد المؤلفين كتابا في جزأين عن المخطوطات الإسلامية الموجودة في العالم، فوجدتُ أن هذا التراث غني جدا، وأن أكثر من ثلاثة ملايين من هذه المخطوطات موجودة لم يحقق منها سوى جزء يسير، هذا العدد الضخم لم يحقق منه سوى عشرة أو خمسة عشر في المائة. ولكن لماذا لم يُقْدم العرب والمسلمون على تحقيق تراثهم؟

السبب هو أن التراث في الحقيقة -كما يقول بعض الباحثين- فيه الغث والسمين، وفيه المفيد وغير المفيد، وفيه الأصيل والتافه، ولذلك فإن اختيار ما يُحقق ويُنشر من النصوص يتعين أن تُراعَى فيه أمور، فيُعتنى أولا بالأصيل المفيد الذي يُستفاد منه، وألّا ينشر كل التراث بشكل عشوائي، هذه نقطة أولى، لأن التراث فيه الجيد وفيه غير الجيد، ولذلك يجب ألّا نُقْدِم على نشر كل التراث، وإنما ننشر ما هو الأهم فالأهم، ولذلك فيجب أن تكون هناك استراتيجية لتحقيق النصوص، سواء في الجامعات أو في المؤسسات العلمية كمعهد المخطوطات العربية أو غيرها.

النقطة الثانية: سأبدأ بقضية المصادر التي أُلفت أو التي يمكن أن تفيد في تحقيق النصوص؛ لأن هذه المصادر هي مصادر قديمة ومصادر حديثة، لماذا قلت قديمة؟ لأن التحقيق مرتبط بعلم الحديث، التحقيق له ارتباط وثيق بعلم الحديث، ولذلك فيجب على المحقق أن يكون مطلعا على المصادر الحديثية أو بعض المصادر الحديثية، وبعض المؤلفات التي تحدثت عن التحقيق، أذكر منها على سبيل المثال حتى لا أطيل في هذا المجال البيبليوغرافي كتاب: «معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه» للحاكم، و«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر، و«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي، و«الكفاية في علم الرواية» للخطيب أيضا، و«الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع»، وهو أهم كتاب يمكن أن يُستند عليه في مجال التحقيق، وهو يذكر منهجا أو مناهجَ للتحقيق، وهو من أهم الكتب للقاضي عياض، «علوم الحديث» لابن الصلاح أو ما يسمى بمقدمة ابن الصلاح، «الاقتراح في بيان الاصطلاح وما أضيف إلى ذلك من الأحاديث المعدودة من الصحاح» لابن دقيق العيد، «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم» لابن جماعة، كتاب: «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» للسخاوي، «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي، «الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد» لبدر الدين الغزي، «ما لايسع المحدث جهله» لأبي حفص الميانجي، «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد» لزين الدين علي الملقب بالشهيد الثاني، و«المعيد في أدب المفيد والمستفيد»(2). هذه أربعة عشر كتابا من الكتب الهامة التي فيها كثير وكثير جدا مما يتعلق بالجانب النظري في التحقيق بالنسبة للقديم.

بالنسبة للمحدَثين، المحدثون كتبوا وألفوا كثيرا كثيرا جدا، قد تفوق اللائحة مائة كتاب بين مطبوع وبين مقالة معينة، ولدي هنا من أحد المصادر مائة كتاب ومقالة كلها موجودة هنا، ولن أطيل في سردها لأنها كثيرة جدا.

وسنتحدث عن المستشرقين وعملية التحقيق، فالمستشرقون لهم كتابان في الجانب النظري وهما: كتاب برجستراسر «أصول نقد النصوص ونشر الكتب»، وهذه محاضرات ألقاها في كلية الآداب سنة 1931م، وقد طبعها بعد وفاته محمد حمدي البكري، وهو تلميذ له كان مصريا، وهو موجود ومتداول، وهو في مكتبتنا، ويشتمل على مقدمة وثلاثة أبواب، وهي: النسخ، النص، العمل والاصطلاح. وبرجستراسر ألماني، وهو عالم في القراءات، وحقق كتاب القراءات الشاذة لابن جني(3)، وكان عالما من كبار العلماء، ومحاضراته هذه مفيدة، ولعلنا سنشير إلى أنه -من المعاصرين أو من المحدَثين- أول من ألف في هذا الجانب النظري، وتبعه بعد ذلك كما سنرى عبد السلام هارون.

ومن المستشرقين أيضا كتاب [لِـ]جان سوفاجيه وبلاشير: «قواعد تحقيق المخطوطات العربية وترجمتها»، هذا الكتاب أيضا صدر في باريس سنة 1953م، وترجمه إلى العربية محمود المقداد بعنوان: «قواعد تحقيق المخطوطات العربية وترجمتها: وجهة نظر الاستعراب الفرنسي». هذا ما اطلعت عليه في الجانب النظري بالنسبة للمستشرقين أو المستعربين، هما كتابان، وقبلهما كان كتاب بالنسبة للتراث اليوناني وهو [لِـ]بول ماس: «نقد النص»(4)texte critique ، هذا هو الذي اعتمدوا عليه في دراسة التراث اليوناني والتحقيق اليوناني.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق