مداخل بلاغية لفهم ظاهرة التطرف

حديثنا عن حالة فكرية ناتجة عن الغلو، نسميها تطرفا. والذي يهم البلاغي في هذه الحالة ليس وصفها، ولا بيان تهافتها، ولا الرد عليها، ولا بيان أصولها، وأيضا فإنه لا ينظر في أثرها في الناس، وسلوكهم، وفكرهم. فهذه الأشياء يقوم بها عالم الاجتماع، وعالم النفس، والمفكر، والفيلسوف. وإنما هَمُّ البلاغي أن ينظر في أثر التطرف في اللغة، وفي كلام المتكلمين، وفي أثر التطرف في الكلام من جهة صناعة العنف، والدعوة إليه، أو إخفائه، وإظهاره على غير صورته، وما يستعمل في ذلك من أدوات البلاغة وحيلها، وتفكيكه، ورفع ما تخفيه الحيل البلاغية فيه من أوهام، وكشف نسق استعاراته، وما يخفيه هذا النسق من اختزال لنظرة المتطرف لنفسه وللآخرين، وتحليل أدوات الإقناع والتأثير في هذا الخطاب، وبيان عمود ألفاظه المستعملة، التي هي مفاتيح دعوته، وما بين الصور المستعملة في هذا الخطاب وبين ما يصاحبها من استعارات من علائق وشيجة، وما يترتب عن ذلك من تأثير، وبيان أنواع المتلقين، وأثر هذا الخطاب من جهة البلاغة في كل نوع منهم، وعن الرموز والاستعارات وطرق صناعتها، وتصور الفضائل بها، وتحسين القبيح، وتقبيح الحسن بوساطتها، إلى مثل هذه الأمور والقضايا التي تجعلنا في أمس الحاجة إلى وضع تعريف للخطاب المتطرف، بعد أن وضعنا تعريفا للتطرف.
غير أن الخطاب الذي نقصده هنا هو الخطاب الذي يعتني به البلاغي لا غيره. فإن الذي يشغل البلاغي هو أثر التطرف في النص الذي ينتجه التطرف، ثم أثر النص في توسيع دائرة التطرف، وترسيخها في النفوس والأذهان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق