مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

باب ما جاء في نسب مالك بن أنس، ومولده، ووقت وفاته، وفضائله، وثناء العلماء عليه

للفقيه القاضي المحدث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن
عبد الرحمن بن خلفون الأزدي الأندلسي (ت636هـ).

هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن
الحارث بن عثمان، أبو عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ، من ذي أصبح من حمير بن سبأ بن
يشجُب بن يعرُب بن قحطان، حليف لعثمان بن عبيد الله القرشي التيمي المدني، أخي
طلحة بن عبيد الله التيمي.
وأمه العالية ابنة شريك بن عبد الرحمن بن شريك
الأزدية.

يقال: إنه ولد في سنة أربع وتسعين، وقال الواقدي: «توفي
بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة».

وقال البخاري: «قال عبد الله بن أبي الأسود: مات
مالك سنة تسع وسبعين ومائة».

وذكر الغلابي، عن أحمد بن حنبل مثله.

أخرج له البخاري ومسلم في الصحيحين، وهو ثقة، قاله
يحيى، وابن صالح، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم.

زاد أبو حاتم: «إمام أهل الحجاز».

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: «رأيت في كتاب علي بن
المديني، قال يحيى بن سعيد: مالك بن أنس إمام في الحديث».

وقال البخاري: «قال يحيى بن سعيد: كان مالك إماما
في الحديث».

وقال أبو عبد الرحمن النسويُّ: «ما عندي أحد بعد
التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أجل منه، ولا أوثق، ولا آمن على الحديث منه».

وقال: «كل من روى عنه مالك بن أنس فهو ثقة، ما خلا
عمرو بن أبي عمرو، وشريك بن أبي نَمِر، فإن في حديثهما شيئا، ولا نعلمه روى عن أحد
من المتروكين إلا عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وكنيته أبو أمية، وأحسبه غره
منه فقهه وعربيته».

وذكر أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي، قال: «وسمعت
أبا بكر يقول ـ وقد سئل عن الأوزاعي وعن من كان في عصره ـ ، فقال: قال أحمد: كان
مالك بالمدينة، وكان سفيان بالكوفة، وكان الليث بمصر، وكان الأوزاعي بالشام».

وقال أبو عيسى الترمذي: نا عمرو بن علي، قال: سمعت
عبد الرحمن بن مهدي يقول: «الأئمة أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي،
وحماد بن زيد».

وقال أبو عبد الرحمن النسويّ: «أمناء الله على علم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد
القطان».

وقال النّسوي أيضا: «ما عندي أوثق، ولا آمن على
الحديث من مالك بن أنس، ثم إليه شعبة في
الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، وليس أحد بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء
الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء من هؤلاء».

وقال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: «سمعت الشافعي
يقول: مالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة ذهب علم الحجاز».

وقال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي: «الحجة على
المسلمين الذي ليس فيهم لَبْسٌ: سفيان الثوري، وشعبة، ومالك بن أنس، وسفيان بن
عيينة، وحماد بن زيد».

وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي: قال محمد
بن نصر: «ذاكرت يحيى ـ يعني القطان ـ مالكا، فقال لي: نجمُ أهل الحديث المتَوَقِّفُ
عن الضعفاء، الناقل عن أولاد المهاجرين والأنصار».

وقال أبو جعفر: وسألت أبا عبد الله: «من كان الحفاظُ
من أصحاب الزهري ؟ فقال: مالك بن أنس، ومعمر، وسفيان بن عيينة».

وقال ابن أبي حاتم: «ذكره أبي عن إسحاق بن منصور، عن
يحيى بن معين أنه قال: مالك بن أنس ثقة، وهو أثبت في نافع من أيوب، وعبيد الله بن
عمر، وليث بن سعد، وغيرهم».

وقال أيضا: سمعت أبي يقول: «مالك بن أنس ثقة، إمام
أهل الحجاز، وهو أثبت أصحاب الزهري، وابن عيينة، وإذا خالفوا مالكا من أهل الحجاز
حكم لمالك، ومالك نقيُّ الحديث، وهو أنقى حديثا من الثوري والأوزاعي، وأمرُّ في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه،
وأقوى من معمر وابن أبي ذئب».

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «قلت لأبي: أيُّمَا
اثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء.

وقال عمرو بن علي الصيرفي: «أثبت من روى عن الزهري
ممن لا يختلف فيه: مالك بن أنس».

وقال علي بن المديني: «سمعت عبد الرحمن بن مهدي
يقول: كان وُهَيبٌ لا يعدل بمالك أحدا».

وذكر عثمان الدارمي أنه سأل يحيى بن معين عن أصحاب
الزهري: «قلت له: معمر أحب إليك في الزهري أو مالك؟ فقال: مالك، قلت: فيونس وعقيل
أحبُّ إليك أم مالك؟ قال: مالك، قلت له: فمالك أحب إليك عن نافع أو عبيد الله؟
فقال: كلاهما ولم يفضل».

وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي: «سمعت ابنَ
معين يقول: سمعت يحيى بنَ سعيد القطان يقول: لما مات مالك بن أنس أُخرِجَتْ كتُبه
فأُصيب فيها قُنْدَاق عن ابن عمر ليس في الموطأ منه إلا حديثان».

قال أبو جعفر: «وسئل يحيى: من الثبت في مالك في
الحديث؟ فقال: القَعْنَبِيُّ، وهو عبد الله، ومَعْن بن عيسى القزّاز أبو يحيى، كان
يقول: حدثني مالك، فقيل له: كيف يقول: حدثني، وإنما كان يُقرأ عليه؟ قال: كنت
أستخرج الحديث في رقاع ثم أقول له: يا أبا عبد الله اقرأ هذا الحديث عليَّ، فكان
إذا فعل تركته أياما ثم جئت برقعة أخرى، فمِن هاهنا أقول: حدثني، قال يحيى: وعبد
الله بن نافع ثبت فيه».

ونقل أبو نعيم ـ ممن عُني بالحديث ـ قال: «مالك بن
أنس إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم، وفقيهٌ من فقهائهم، وهو عندهم ثقة
حجة في ما نَقَل وحمل من أثر في الدين».

قال البخاري عن علي بن المديني: «له نحو ألف حديث».

وذكر أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي قال: «وسالت
ابن معين قلت: يا أبا زكريا، مالك بن أنس قل حديثه؟! قال: لكثرة تمييزه».

قال أبو جعفر: «وقال محمد بن نصر: بلغني أن مالك بن
أنس قال: أدركتُ أقواما صالحين لهم فضل وعبادة مع سن، وما منعني أن أكتب عنهم إلا
أنهم كانوا ذوي غفلة».

وقال البرقي: «أنا عمرو بن أبي سلمة، عن ابن كنانة،
عن مالك بن أنس، قال: ربما جلس إلينا الشيخ فتَحدّثَ جلَّ نهاره، ما نأخذ عنه
حديثا واحدا، ما كنا نتهمه، ولكنه ليس من أصحاب الحديث».

وقال ابن أبي خيثمة: «نا عبيد الله بن عمر، قال:
كنا عند حماد بن زيد، فجاء نعيُ مالك بن أنس، فبكى حماد حتى جعل يمسح عينيه بخرقة
كانت معه ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله، كان من الإسلام بمكان».

وقال أيضا ابن أبي خيثمة: «نا أبو عبد الله محمد بن
مصعب بن عبد الله: حدثني أبي، عن أبيه مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن
العوام، قال: ذُكر لعامر بن عبد الله بن الزبير أبو مالك بن أنس، وأعمامه، وأهل
بيته فقال: أما إنهم من اليمن، أما إنهم من العرب، ذَووا قرابة بالنضر بن يَريم».

روى عن مالك بن أنس خلق كثير من أهل الحجاز، وأهل
العراق، وخراسان، واليمن، والشام، ومن أهل مصر، والمغرب، والأندلس، فممن روى عنه:
سفيان بن سعيد الثوري، وشعبة بن الحجاج العتكي، وسفيان بن عييينة لهلالي، والليث
بن سعد الفَهْمِي، ووُهيب بن خالد البصري، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الرحمن بن
مهدي البصري، ووكيع بن الجراح الكوفي، ووكيع بن الجراح الكوفي، وعبد الله بن
المبارك المروزي، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، وأبو إسحاق إبراهيم بن
محمد الفزاري، وأبو نعيم الفضل بن دُكين الملائي، ورَوْحُ بن عُبادة القيسي، وبشر
بن عمر الزهراني، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني النبيل، وعبد الله بن وهب
المصري، وعبد الرحمن بن القاسم المصري، ومعن بن عيسى القزّاز المدني، وعبد الله
مسلمة القَعْنَبي، وعبد الله بن نافع الصائغ، وعبد الله بن يوسف التَّنِّيسي،
ويحيى بن يحيى النيسابوري، ويحيى بن يحيى الأندلسي القرطبي، ويحيى بن عبد الله بن
بكير المصري، وغيرُهم.

وقد روى عنه من شيوخه جماعة منهم: يحيى بن سعيد بن
قيس الأنصاري المدني، ويزيد بن عبد الله بن الهادي الليثي المدني، وزيد بن أبي
أنيسة الجزريُّ الرّهاوي.

وروى عنه سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي
الزبير،عن أبي صالح، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم : «يوشك أن
يأتي على الناس زمان يضربوا أكبادَ الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من
عالم المدينة»
.

قال أبو عيسى الترمذي: «وقد رُوي عن ابن عيينة أنه
قال في هذا «من عالم المدينة»: «إنه مالك بن أنس»، قال: وسمعت يحيى بن موسى
يقول: قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس».

وَيُروى أن الفقيه أبا إبراهيم إسحاق بن إبراهيم
التجيبي مولاهم الأندلسي الطليطلي دخل على أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله ابن
عبد الرحمن الناصر، فتذاكرا أبوابا من العلم وأخبار السلف، إلى أن وقع الحَكَمُ في
رجل من أكابر أهل قرطبة، فتنقصه، فسكت عنه أبو إبراهيم ونكس رأسه، ولم يأخذ معه في
شيء من ذكر الرجل، فوجم الحكم لذلك، وعز عليه أن لم يتابعه في ذمِّه، ثم رجعا إلى
ما كانا عليه من ذكر الصالحين، فانبعث معه أبو إبراهيم في ما استطرد من ذلك، ثم
عدل إلى ذكر الرجل الذي كان وقع فيه، فسبه، وأطرق أبو إبراهيم عنه، وعاد إلى ما
كان فعله أولا من الإطراق والوجوم، فاقصر الحكم مضطرا، وأعرض عن الإنكار على أبي إبراهيم،
ورَاقَه ملكه لنفسه وخزنه لسانه، وأنشد متمثلا:

يَأْبَـى الـجَـوَابَ فَـمَا يُرَاجَعُ هَـيْبَةً *** وَالـسَّـائِلُونَ نَوَاكِـسُ الأَذْقَـــــانِ
هَــدْيُ الـعَلِـيـمُ وَعِـزُّ سُلْطَانِ التُّقَى *** فَهُــوَ الـمُطَاعُ وَلَـيْـسَ ذَا سُـلْطَانِ

ثم قال: فيمن قيل هذا أبا إسحاق؟ فقال: في مالك بن
أنس رضي الله عنه، قاله فيه عبد الله بن سالم الخياط بالمدينة، ثم قال له الحكم:
هل تعرف لغيره في ذلك رحمه الله مثل هذا؟ فقال : لا  يا أمير 
المؤمنين ، فقال: بل لِأَبَرَّ من ابن سالم وأتقى؛ عبد الله بن المبارك
يقول فيه:

صَمُـوتٌ إِذَا مَا الصَّمْتُ زَيَّنَ أَهْلَهُ *** وَفَتّـــاقُ أَبْكَارِ الكَلاَمِ الـمُـخَتَّمِ
وَعَـى مَا وَعَـى القُرْآنُ مِنْ كُلِّ حِكْمَةٍ *** وَسِيـطَـتْ لَهُ الآدَابُ بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ

فقال له أبو إبراهيم: لا زلنا نُفاد من أمير
المؤمنين الحكمة، ونزاد بإقباسه في المعرفة، فزاده الله من نعمه المتوالية».

ورُوي عن بشر بن بكر التنيسي أنه قال:رأيت الأوزاعي
في المنام مع جماعة من العلماء في الجنة، فقلت: وأين مالك بن أنس؟ فقال: رفع، فقلت:
بماذا؟ قال: بصدقه».

ورُوي عن عبد الله بن مصعب الزّبيري أنه قال: «كنت
جالسا مع مالك بن أنس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل فقال: أيكم
أبو عبد الله مالك؟ فقيل له: هذا، فجاء فسلم عليه، واعتنقه وقبل بين عينيه وضمه
إلى صدره، وقال: والله لقد لقد رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا
في هذا الموضع فقال: عليّ بمالك، فأُتي بك وأنت تَرعَد فرائصك، فقال لك: ليس بك
بأس يا أبا عبد الله وكنّاك، وقال لك: اجلس، فقال: افتح حجرك، ففتحه فملأه مسكا
منثورا وقال: ضُمَّه إلى صدرك وبُثَّهُ في أمتي، قال: فبكى مالك رحمه الله بكاء
طويلا، وقال: الرؤيا بشرى، و إن صدقت رؤياك، فهو العلم الذي أودعني الله.

وقد ذكر بعضهم أن مولد مالك سنة ثلاث وتسعين، وتوفي
بالمدينة لعشر خلون من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وغسله ابن كنانة وسعيد بن
داود، قال يحيى: وكنت أنا وابنه يحيى نصب الماء عليه»، وأنزله في قبره جماعة.

وكان له أربعة من الولد: يحيى، ومحمد، وإبراهيم،
وحمّاد، فأما يحيى وإبراهيم فلم يوص بهما إلى أحد، وأما محمد وحمّاد فأوصى بهما إلى
إبراهيم بن حبيب، وأوصى أن يُكفّن في ثياب بيض، ويصلى عليه في موضع الجنائز، فصلى
عليه محمد بن عبد العزيز العباسي من ولد عبد الله بن عباس، وكان واليا على
المدينة، وبلغ كفنه خمسة دنانير، ودفن بالبقيع، وله يوم مات خمس وثمانون سنة.

ورُوي عن سحنون بن سعيد أنه قال: «توفي مالك وهو
ابن سبع وثمانين سنة، وأقام بالمدينة مقيما بين أظهرهم ستين سنة».

وقيل: إن أمه حملته سنتين،وقيل: ثلاث سنين، كل ذلك
أقام في بطن أمه.

وكان رحمه الله أشقرَ، شديدَ البياض، كبيرَ
الرأس،  أصلعَ، ولم يكن بالطويل، وقد ذكر
بعضهم أنه كان طويلا عظيم الهامة، يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان لا يخرج إلى
المسجد حتى يتوضأ ويتطيب بالطيب، وكان يجلس في منزل له على ضِجاعٍ، وله نمارق
مطروحة يمنةً ويسرةً.

قال أحمد بن خالد القرطبي: «سمعت إبراهيم بن محمد
بن باز يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما رأيتُ أوقرَ من يحيى بن يحيى، ما رأيته
يبزُق ولا يسعُل في مجلسه، ولا يتحرك عن حاله، وكان أخذ برأي مالك بن أنس وسمته
رحمها الله». 

كتاب أسماء شيوخ مالك بن أنس الأصبحي الإمام رضي الله
عنه وأرضاه بمنه للشيخ الفقيه القاضي المحدث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد
بن عبد الرحمن بن خلفون الأزدي الأندلسي (ت636هـ)، تحقيق: أبو عبد الباري رضا أبو
شامة الجزائري، نشر: مكتبة أضواء السلف الرياض الطبعة الأولى 1425هـ/2004م،
(ص88-103).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق