مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

ندوة معارف الوحي في الدراسات والبحوث العربية الإسلامية المعاصرة خلفيات الإعمال وإشكاليات التجديد

 

مونية الطراز

 

 

بمدرج ابن بطوطة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، بتاريخ 10 دجنبر 2014 نظمت شعبة الدراسات الإسلامية ندوة علمية وطنية، بتعاون مع مختبر البحث في الأصول الشرعية للكونيات والمعاملات، تحت عنوان “معارف الوحي في الدراسات والبحوث العربية الإسلامية المعاصرة خلفيات الإعمال وإشكاليات التجديد”.

انطلقت أشغال الندوة بكلمات افتتاحية، تقدّم بأولاها رئيس شعبة الدراسات الإسلامية الدكتور عمر جدية والذي تحدّث عن السياقات العلمية والظروف الواقعية للندوة، وشكر من ساهم في تنظيمها، كما رحّب بالحضور وبالمشاركين. وعلى إثر كلمته تقدّم للحديث السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدكتور محمد بوكبوط، حيث أبرز أهمية الندوة في تقديم إجابات لمسائل وقضايا الحاضر، ولم ينس تقديم الشكر بدوره للمشاركين في الندوة وللحاضرين. ثم تناول الكلمة بعده مدير الندوة الدكتور عبد العزيز انميرات، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، فرحّب بدوره بالحضور وشكر المنظمين قبل أن يفضي للجميع بما يخالجه من غيرة على التراث، فالتراث المخطوط في معارف الوحي يُحدث –كما يقول- إحساسا بالدونية ويجعل الناظر في نفس الوقت أمام إشكالية مزدوجة ومعقدة، وهي إشكالية الاستئناس بمعارف الوحي وإشكالية تجديد هذه المعارف. وقد أثار بكلمته تشوفا لما كانت ستطرحه المداخلات.

بعد الاستراحة عقدت الجلسة العلمية الأولى برئاسة الدكتور الجيلالي المريني، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، وتضمنت أربعة مداخلات، كانت الأولى للدكتور أحمد نصري، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، وتحدث فيها عن “استدراكات العلماء المعاصرين على تفاسير القدامى: عائشة عبد الرحمن نموذجا”، ومما جاء في كلمته التأكيد على أهمية منهج الاستدراك إذا قام على أصول محكمة، وعرض لجملة من انتقادات واستدراكات عائشة عبد الرحمن على المفسرين، ويتعلق أغلبها بالجانب البياني. وفي سياق توضيحه بيّن كيف انحصرت جل استدراكات هذه المفسرة على السابقين في نقد التكلف والتعصب في التأويل، وفي إغفال الاهتمام بالسياق القرآني.

 ولم يفته خلال تطرقه لمنهج المفسرة أن يشيد بالتوفيق الذي حالفها في التزام المنهج الاستقرائي عند عملية الاستنباط وكذا في استدراكها على المفسرين، ونبّه إلى بعض ملامح منهجها الخاص، كاعتماد الترجيح بين المرويات، والانصراف عما لا فائدة فيه في عملية البيان. مما ساهم في كشف النقاب عن بعض خصائص هذا التفسير التجديدي المتميّز. وفي ختام مداخلته أكّد الدكتور نصري على وجوب الأهلية في المشتغل بالاستدراك، ملفتا النظر إلى الحاجة الماسة لسلك هذا المنحى في قراءة التفسير قراءة تجديدية تحيي روح النص في تفسير القرآن الكريم.

في المداخلة الثانية والتي ألقاها الدكتور رشيد سلاوي، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، تحت عنوان “الدراسة المفهومية لألفاظ القرآن الكريم: جهود وآفاق” تابع الحاضرون إشارات مهمة لجهود الدكتور الشاهد البوشيخي في العناية بالدراسة المفهومية ومساعي مؤسسة “مبدع” تحت إشرافه في إشاعة منهج الدراسة المصطلحية بين الطلبة على مستوى الإجازة والماستر وطلبة الدكتوراه. وأكّد أن البحوث التي أنجزت في مجال الدراسة المصطلحية على مستوى مختلف التخصصات، تبيّن كيف ساهمت هذه المساعي في خدمة الدراسة المتصلة بمصطلحات الوحي ومفاهيمه، ولم ينس الإشارة إلى فائدة هذا المنهج وأهميته في قراءة التراث الشرعي، مشددا على الدور الفعال الذي قامت به المؤسسة إلى جانب فاعلين آخرين في المشاركة في إنجاز المعجم الضخم للغة العربية.

بعد ذلك تفضلت الدكتورة جميلة زيان، الأستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، بالحديث عن “جمالية التميز في معارف الوحي القرآني” فحاولت أن تبرز من خلال عرضها ما عبّرت عنه بأصالة ثقافة التميّز وتجليات جمالها في ضوء المعارف الفكرية والخلقية والعملية للقرآن الكريم، فهذه الثقافة  ومقوماتها حين تبعث في ضمير الأجيال المسلمة، ستسهم في تحصين الذات، وصد التحديات، ومواجهة باطل التصورات والتصرفات في زمن التمييع الحضاري والغزو الثقافي والأخلاقي.

وبعد تطرقها لمفهوم التميّز والجمال ووصلها بمعارف الوحي القرآني، تناولت المتدخلة بالدراسة بعض مصطلحات التميز؛ ك”التفضيل” و”السبق” و”الحسن” و”الاصطفاء”، حيث تتبعت موارد هذه المصطلحات وصورها وبيّنت دلالاتها، ثم زادت في تجلية الموضوع وأهميته حين عرضت لتجلي القيم الجمالية للتميز في معارف القرآن الكريم في مجالات الاعتقاد والعبادة وأداء الشعائر والسلوك، واعتبرت أن هذا المسلك في قراءة نصوص الوحي من شأنه أن يفيد في التعامل مع الوافدات الغربية ومع مفاهيمها ومصطلحاتها المتنوعة، ودعت في ختام كلمتها إلى تأصيل هذه المعارف، واستيعاب الفهوم الصالحة فيها بعد تنقيتها مما لا يليق، وفق قراءة منهجية منضبطة، تبحث عن الحكمة، وتراعي عالمية الخطاب القرآني وخصوصية نسقه البنائي والمعرفي.

ومن جهته تطرق الدكتور محمد سدرة، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، إلى موضوع حول المنهج بصمه بطابع عقدي، وجعله تحت عنوان “منهج النقد التاريخي عند علماء الإسلام بين أمانة النقل وحرية الرأي” وفيه قدّم صورة موجزة عن المناهج الغربية في قراءة التاريخ الإسلامي. وفي معرض بيانه نبّه على ما يبدو من تجاهل الفكر المادي لما كتبه المسلمون في مجال البحث الفكري الأكاديمي، وفي سياق آخر قدّم مجموعة من توجيهات الوحي رآها مفيدة للنقد التاريخي، وكانت كلمته خاتمة الجلسة الأولى، حيث فُتح المجال بعدها للمناقشة. 

الجلسة الثانية رأسها الدكتور عبد الله العماري، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، وكانت المداخلة الأولى فيها للدكتور محمد السايح، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس، وتحدّث عن “منهج حفاظ الحديث في استثمار معارف الوحي” وهذه المداخلة ركّزت على مسألة اهتمام الحفاظ بالمتن الحديثي إلى جانب اهتمامهم بالرواية، وهذا الاهتمام –كما قال المحاضر- يبرزه التصنيف حسب الأبواب.

المداخلة وقفت أيضا عند منهجية المحدثين في استثمار معارف الوحي في جوامعهم وعدم إسقاطهم فيها شيئا من الإعمال، وأفادت أن نظرة حفاظ الحديث إلى القرآن الكريم مهمة، لكونها تتحرى نظرته الشمولية، ولا تكون المعرفة الإسلامية صحيحة إلا من خلال الإعمال الشامل لنصوص الوحي قرآنا وسنة. الدكتور السايح أردف مداخلته بخلاصات ونتائج معرفية ذكر منها:

– حاجة المشاريع الفكرية الإسلامية المعاصرة إلى منهجية تتيح الإعمال العام للنصوص الشرعية لدراسة القضايا المعرفية الواقعية حتى لا تقع في التخصيص أو الإلغاء.

-ضرورة إنعاش الوحي باللحظة التاريخية لفهم الواقع، بما هو واقع متحدث عنه في نصوص القرآن والسنة.

-أهمية المصالحة بين أجزاء معارف الوحي واستثمار جميع نصوصه في التدافع الفكري درءا للتجزئة المعرفية.

وختم مداخلته بالتأكيد على أهمية المدخل إلى تجديد الفكر الإسلامي عبر الرجوع إلى منهج المحدثين والاستفادة من مناهجهم.

بعد ذلك تناول الكلمة الدكتور إدريس أوهنا، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس بفاس، فتطرق إلى موضوع “الاستدلال المقصدي وأثره في تجديد الدرس الأصولي” وفيه أشار إلى ما أولاه الأصوليون من عناية لمبحث الدلالة وعلوم اللغة العربية، وقدّم بالمناسبة قراءة نقدية لدلالة مفهوم الاقتضاء في تعريفات الأصوليين، وعقّب مؤكدا أن خطاب الوحي هو من الإحكام الذي ينزهه عن أي زيادة أو تقدير، وفي توضيحه بيّن أن الموضوع إذا تمت مقاربته بحس نقدي عند مباشرة الكثير من الأمثلة التي تناولها الأصوليون في حديثهم عن دلالة الاقتضاء، فسيظهر أنها لم تكن تستدعي ذلك الاقتضاء، إذا حملت على الحقيقة الشرعية أو على الحقيقة العرفية. مداخلة الدكتور أوهنا سعى من خلالها –كما صرّح بذلك- إلى تأكيد الدعوة إلى اعتماد الاستدلال المقصدي في بنية أصول الفقه عامة، وما تعلق منها بدلالة الألفاظ خاصة، وتنزيل ذلك على الفروع الفقهية تحقيقا لعدة غايات وعلى رأسها:

-فتح آفاق جديدة ورحبة لتناول المباحث الأصولية ومنحها الحيوية اللازمة بإعمال الاستدلال المقصدي وتفعيله في بنيتها.

-تهيئة الأرضية الملائمة للتقارب الاجتهادي في المسألة الواحدة وتضييق دائرة الخلاف في الاجتهاد الفقهي.

-الإسهام في تقوية أسس الاجتهاد في أصول الاستدلال المقاصدي القادر على تقديم الحلول المناسبة لمستجدات الواقع المعاصر.

-إرساء دعائم الوحدة الفكرية بين المسلمين كمقدمة ضرورية لوحدتهم السياسية واندماجهم الحضاري.

المداخلة الأخيرة لهذه الندوة العلمية كانت بعنوان “التراث المعرفي العربي الإسلامي في الدراسات الماركسية العربية المعاصرة” وألقاها الدكتور عبد العزيز انميرات، وكان مما أشار إليه ضرورة التعاطي مع هذه الدراسات برؤية علمية نقدية، وبنى مداخلته على سؤال أساس حول الخلفيات الأساسية التي حرّكت الماركسيين والفكر الشيوعي بعامة، وكيفية تعاطي دراساتهم مع التراث المعرفي العربي الإسلامي، وخلص إلى ضرورة تجديد النقاش حول هذه الدراسات من هذا القبيل.

 الدكتور انميرات في هذه المداخلة عالج بعض النصوص التي تبرز الخلفيات المحركة لهذه النخبة الفكرية ذات الأثر الكبير على المجتمع العربي. ودعى إلى ضرورة التسلح بالعلم وبالعقلانية وبالمعرفة النقدية في الدفاع عن التراث المعرفي، كما دعى إلى ضرورة تجديد أساليب التعاطي مع الدراسات الماركسية العربية المعاصرة، ليس فقط حماية للتراث، وإنما –أيضا- لملء الفراغ الفكري الذي نعيشه. وفي ختام مداخلته حث الباحثين الشباب على اكتشاف هذا الفكر وحسن استثماره ونخله، إذ فيه إفادات تحتاج إلى التمحيص وإلى العلمية في النقد.

وبعد المناقشات، ترأس الدكتور سعيد المغناوي، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس بفاس، الجلسة الختامية التي تمخضت عنها التوصيات الآتية:

1- ضرورة التنسيق بين شعبة الدراسات الإسلامية في مجال البحث والتدريس، مع إعداد موقع في الشابكة لتسهيل هذه المهمة.

2- ضرورة الانفتاح على مؤسسات علمية وطنية وعربية من أجل التعاون في مجال الندوات والمؤتمرات والأيام الدراسية.

3- ضرورة تجديد المناهج والوسائل المساعدة على قراءة نصوص الوحي في ضوء مستجدات العصر.

4- ضرورة متابعة هذا النشاط بندوات أخرى أكثر تخصصا في مجال العلوم الشرعية.

5- طبع أعمال هذه الندوة وتوزيعها على أوسع نطاق ليستفيد منها المتخصصون في مجال التدريس والبحث.

هذا وقد كانت هذه الندوة فرصة لتشجيع الطلبة حفاظ القرآن الكريم ومجويده، وكذا حفاظ الحديث النبوي الشريف، حيث وزّعت جوائز تحفيزية على الفائزين منهم قبل الإعلان عن رفع أشغال الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم.

 

 

نشر بتاريخ: 02 / 01 / 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق