الرابطة المحمدية للعلماء

مجلة الإحياء تنظم ندوة علمية دولية بالرباط حول مستقل التراث

نظمت مجلة الإحياء الصادرة عن الرابطة المحمدية بتعاون مع معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم/ جامعة الدول العربية، صبيحة اليوم الثلاثاء بالرباط، ندوة علمية دولية في موضوع “مستقبل التراث.. المشروع والمشروعية وسؤال التجديد”.

الندوة التي ستقام على مدى يومين، عرفت مشاركة أساتذة وباحثين من داخل المغرب ومن خارجه، من ضمنهم د. رضوان السيد، أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، ود. سيف الدين عبدالفتاح، أستاذ التعليم العالي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ود. الشاهد البوشيخي، الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية “مبدع” والمدير المؤسس لمعهد الدراسات المصطلحية وغيرهم..

وقال فضيلة الدكتور أحمد السنوني، أستاذ التعليم العالي بدار الحديث الحسنية، وعضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء، إن “قضية التراث من القضايا التي أسالت الكثير من الحبر ومع ذلك فهي من القضايا التي لا يمكن أن يتوقف عنها الحديث ولا يمكن أن تموت”، مشيرا في كلمته الافتتاحية التي تلاها نيابة عن فضيلة الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، إلى أن السبب في ذلك يعود إلى أن هذه القضية لها ارتباط وثيق بالهوية وبذاكرة الأمم والشعوب في كل زمان وفي كل مكان.

وأضاف المتحدث، إن قضية التراث عبارة عن “إشكال عميق لا يمكن اختزاله ولا القفز عليه ولا القطيعة معه ولا استغلاله إديولوجيا ولا سياسيا”، مبينا أن التراث موقعه دائما من وجود الأمة ومن مشاريع نهضتها التي تتكرر إجهاضاتها لأسباب متنوعة ومتداخلة.

وأكد فضيلة الدكتور أحمد السنوني، أن هذه الندوة العلمية تسعى إلى إقرار رؤية متكاملة وشمولية تكفل للجميع كيفية التعامل مع تراثنا حتى نتمكن من فهمه واستيعابه في سياقه الثقافي والاجتماعي، كما أكد أن هذه الندوة تسعى كذلك إلى تأكيد راهنية المسألة التراثية وتأكيد ارتباطها الوثيق بمستقبل الأمة أولا ومستقبل التراث ثانيا، وكيف أن مستقبل التراث من جهة، ودوره في بناء المستقبل من جهة أخرى، يقتضي العمل على حضور التراث في المنظومات التعليمية والثقافية والإعلامية..، موضحا أن ذلك سيكون انطلاقا من خاصيتي التجديد والاجتهاد في صلتهما الوظيفية الوثيقة بعملية التراكم، باعتبار ذلك شرطا لأية نهضة علمية أو حضارية ممكنة.

من جهته، أبرز الدكتور فيصل الحفيان، المشرف على معهد المخطوطات العربية، أهمية البحث في التراث والصعوبات البالغة التي تعترض الباحثين والدارسين فيه، وقال في مداخلة له، “لاشك أنه قد مضى على العمل في التراث أكثر من قرن ومع ذلك ما تزال الأسئلة الأولى مثارة تبحث عن الأجوبة والحلول، ويزداد الصراع عليها وكأن التراث التي من المفترض أن يكون جامعا، قد انقلب ليصبح مفرقا”، مبينا أن ذلك يحدث “في الوقت الذي تتجذر فيه الحداثة فينا أكثر ويحكم النظام العالمي قبضته على مجتمعاتنا وتتسارع وثيرة التغيرات التي لا تفلت شيئا في حياتنا وتغزونا الأفكار والنظم والمناهج الغربية تماما كما الآلات والأجهزة والأدوات”.

وأضاف المتدخل، أن من وراء ذلك كله “النظام الاقتصادي الذي يملي الشروط والقيم والقواعد ونحن طوعا أو كرها نسير في ركابه بعد أن فقدنا القدرة ليس على الفعل وإنما على رد الفعل أو على الاستجابة”، وأشار في ذات المداخلة إلى “أننا حتى اليوم لم نتفق بعد على تحديد مفهوم واحد للتراث ولا على وجوه حاجتنا إليه في حياتنا العصرية فضلا عن أن نفكر في طبيعة العلاقة التي تربط بين التراث مثلا وتاريخ العلم، هل هما شيء واحد؟ أم شيئان مختلفان؟ وماهي في حال الاختلاف أوجه المقاربة بينهما، وكيف يمكن أن نعمل التراث ونجعله قادرا على التأثير؟، هل له دور في إنتاج المعرفة؟ وإلى متى سنظل ندور في فلك النصوص التراثية فهرسة وتحقيقا؟ موضحا أن كل هذه الأسئلة وغيرها تحتاج أن نقيم حولها بنيانا فكريا حتى يكون بالإمكان صياغة حلول من شأنها أن تخرج التراث من مأزقه وتضع أقدامنا على أول الطريق نحو تأسيس خطاب تراثي علمي.

ويتحدد التراث، كما جاء في الورقة التقديمية للندوة، عموما بكونه ذاكرة الأمم والشعوب، ومرآة تاريخها، أي مستودع خبرتها التاريخية، فهو الرصيد المعرفي والثقافي الخاص الذي تملكه كل جماعة وتخوض من خلاله مسيرتها الحضارية، فهو يختزن تجربتها التاريخية، ويعبر عن شخصيتها الحضارية في تفاعلها مع العالم من حولها.. كما أنه من الغنى والشمول بحيث يغطي حقولا معرفية بالغة الامتداد والتنوع، وإن كانت متباينة من حيث القيمة والعمق.

كما أن هويتنا وذاتيتنا الحضارية، تضيف الورقة التقديمية، تتحدد به، ولا يمكن أن تتحدد بتراث مستورد من الغير، فضلا عن أن عملية استقراء تاريخية بسيطة، تؤكد أنه لم توجد نهضة حضارية لأمة من الأمم تمت بغير بناء موصول على التراث، بما في ذلك النهضة الأوروبية، فقد كانت عبارة عن حركة إحيائية كبرى للتراث اليوناني والروماني، والمسيحي..

ومع أن التراث العربي الإسلامي، تواصل الورقة التقديمية”، تعرض بالفعل، لقراءات استشراقية مغرضة، حاولت أن تجعل منه مجرد ترداد مشوه، وباهت، للتراث الغربي في امتداداته اليونانية، وبمقتضى هذه الرؤية المتمركزة على الذات الحضارية الغربية، جرى النظر إلى الفلسفة الإسلامية باعتبارها مجرد ترجمة للفلسفة اليونانية، وإلى النحو العربي باعتباره امتدادا للنحو اليوناني بالإسكندرية، وإلى الفقه الإسلامي باعتباره امتدادا للقانون الروماني، وللأسف تؤكد الورقة التقديمية، فقد وجد من بين جلدتنا من يردد مثل هذه الأحكام، التي تمعن في تجريد الحضارة الإسلامية من كل إسهام نوعي في التاريخ الحضاري الإنساني، وهو ما تفنده وقائع التاريخ ومعطياته.  

وتطرح هذه الندوة العلمية الدولية مجموعة من المواضيع ذات الصلة بالتراث من بينها، “التراث الأصولي بين الوظيفية والتقليد”، “النص التراثي بين التوثيق والدرس: نظرة جديدة في مفهوم التحقيق”، “التراث الفلكي العربي الإسلامي وسؤال الحداثة”، والتراث الصوفي وسؤال التحقيق والتحقق”.  

أحمد زياد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق