مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

مجالس البلاغة (6)

انعقد يوم الثلاثاء الرابع من  دجنبر سنة 2018 م, الموافق للثاني عشر من ربيع الأول لسنة  1440 هـ, المجلسُ السادس من مجالس البلاغة التي يعقدها الأستاذ محمد الحافظ الروسي بمركز ابن أبي الربيع السبتي.

وكان قد فرغ في المجلس الأخير من الحديث عن شروط فصاحة اللفظة مفردةً, وهو القسم الأول من قسميْ الفصاحة, فعرض في هذا المجلس السادس للحديث عن القسم الآخر, وهو المركب. وقد بين شروط فصاحة اللفظة مركبةً, فذكر في الشرط الأول ألا تكون حروف الكلمات متقاربة, ومثل له بقول القائل:

لَوْ كُنْتَ كُنْتَ كَتَمْتَ الحُبَّ كُنْتَ كَمَا /// كُنَّا وَكُنْتَ وَلَكِنْ ذَاكَ لَمْ يَكُنِ

على أنه اجتمع فيه من الكلمات ما تماثلت وتشابهت حروفه. وقد ذكرَ في ذلك ما ورد في رسالة الصاحب بن عباد في الكشف عن مساوئ المتنبي من أن الأصمعي لما أُنشد قول الآخر:

فَمَا لِلنَّوَى جَدَّ النَّوَى قَطَعَ النَّوَى /// كَذَاكَ النَّوَى قَطَّاعَةٌ لِوِصَالِ

قال: لو سلط الله على هذا البيت شاةً لأكلت هذا النوى كله.

ثم ذكر مثالا آخر, وهو قول أبي تمام:

فَالمَجْدُ لَا يَرْضَى بِأَنْ تَرْضَى بِأَنْ /// يَرْضَى المُؤَمِّلُ مِنْكَ إِلَّا بِالرِّضَى

فإن كل ذلك مما يُعاب في الكلام.

ثم ذكر الأستاذ بعد ذلك شرطا آخر, وهو ألا يقع في الكلام تقديم وتأخير يفسد المعنى, ومثل له ببيت الفرزدق المشهور في هذا الباب, وهو قوله:

وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلَّا مُمَلَّكًا /// أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهْ

وهذا ما يسميه البلاغيون بالتعقيد اللفظي وسماه القدامى بالمُعاظلة, ومنها قول عمر بن الخطاب في زهير بن أبي سُلمى كما عند ابن سلام في الطبقات 63: “كان لا يُعاظل بين الكلام, ولا يتبع وحشيه, ولا يمدح الرجل إلا بما فيه”.

وفي اللسان مادة )عظل(: “وعاظل الشاعر في القافية عظلا: ضمّن […] ولم يعاظل الكلام, أي: لم يحمل بعضه على بعض […] وكل شيء ركب شيئا فقد عاظله”.

وذكر الأستاذ أن قدامة بن جعفر أخطأ في تعريف المعاظلة إذ جعلها فاحش الاستعارة,  حيث رد عليه بعض العلماء في ذلك, منهم الآمدي في كتابه “تبيين غلط قدامة”.

ثم انتقل الأستاذ إلى شرط آخر, وهو ألا يكون الكلام مقلوبا, ومثّل له بقول عروة بن الورد:

فَلَوْ أَنِّي شَهِدْتُ أَبَا مُعَاذٍ /// غَدَاةَ غَدٍ لِمُهْجَتِهِ يَفُوقُ

فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي /// وَمَا آلُوكَ إِلَّا مَا أُطِيقُ

والبيتان في زيادات ديوانه بشرح ابن السكيت, وقد قال في شرحهما في الصفحتين 206-205: “وفي قوله: فديت بنفسه نفسي, قلبٌ. والمعنى: أفديه بنفسي ومالي وما أمنعه ما أطيق منعه. يعني: لا أقدر أن أمنعه فداء نفسي ومالي لأني مجبول عليه”.

وذكر أن للقلب وجهين: وجه يفسد به المعنى, ووجه لا يفسد به المعنى.

فالذي يفسد به المعنى  مثاله ما تقدم معك من قول عروة, لأن مراد الكلام: فديتُ بنفسي نفسَه. فلا وجه للتأويل فيه, قال في ظاهرة الشعر عند حازم القرطاجني لمّا تعرض لهذين البيتين في الصفحة 234 من الجزء الأول: “فإذا وُجد )أي القلب( في بعض شعر القدماء, فليس ببعيد أن يكون الخطأ من الرواة”.

قال حازم القرطاجني معلقا على قول عروة في الصفحة 184: “يريد فديت بنفسي، فهذا وأمثاله لا يجب أن يعمل عليه لأنه كلام خطأ على ما قدمناه. ويحتمل أن يكون هذا وما أشبهه مما غيره بعض الرواة لتقارب العبارات واشتباه بعضها ببعض. فقد ينحرف محفوظ الراوي عن أصل وضعه قليلا فلا يشعر بذلك: ألا ترى أن هذا البيت يتأتى تغيير العبارة الواقعة في صدره إلى وضع يدل على مفهوم صحيح فيقال فيه: جعلت فداءه نفسي ومالي. بدل فديت بنفسه”.

وأما الذي لا يفسد به المعنى, فكقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76]

وشرط آخر عرض له الأستاذ خلال كلامه, وهو أن تضع اللفظ في موضعه, وهذا هو القياس في الباب, وتحته أمور:

ألا تقع الكلمة حشوا, كما لو جيء بها لإتمام الوزن أو توافق القوافي أو لقصد السجع من غير معنى تؤديه.

وقد يكون الحشو محمودا إذا أدى معنى الاحتراس أو التتميم أو الإيغال. فمن الاحتراس قول لَبيد:

فَسَقَى دِيَارَكِ -غَيْرَ مُفْسِدِهَا- /// صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي

وهذا ضرب من التتميم, لأن قوله: غير مفسدها, تتميم للمعنى واحتراس من الفساد بكثرة المطر.

ومن الإيغال قول الأعشى في معلقته:

كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا /// فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

فقيل: لأن الوعل أقوى قرنا من غيره, وقد ذكره إيغالا في المعنى لأنه يتم بدونه, وهو عندهم خاص بالقوافي.

 وذكر بعد ذلك أن وقوع اللفظة في موقعها يكون بأحد أمرين:  إما أن تدخل على الكلام فتؤثر فيه, أو تدخل فلا تؤثر, فيكون دخولها كخروجها. فذكر أن التي تؤثر على ضربين:

الأول: أن تفيد اللفظة فائدة ما, ومثال ذلك -كما ذكر الأستاذ- قول المتنبي:

وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ /// يَرَى كُلَّ مَا فِيهَ –وَحَاشَاكَ- فَانِيَا

فقوله: حاشاك, حشو. لكنه أفاد معنى وهو الاحتراس. ومردُّه إلى أن المتكلم يتخيل مخاطَبا, فهو يحترس لدفع إيهامه وإفادة معنى الدعاء للممدوح.

وكقول زهير بن أبي سُلمى أيضا:

مَنْ يَلْقَ يَوْمًا –عَلَى عِلَّاتِهِ- هَرِمًا /// يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا

فقوله: على علاته, مبالغة وتتميم عجيب كما قال ابن رشيق في العمدة.

الثاني: أن تؤثر في الكلام نقصا وفي المعنى فسادا. ومثل له الأستاذ بقول المتنبي أيضا: 

تَرَعْرَعَ المَلِكُ الأُسْتَاذُ مُكْتَهِلًا /// قَبْلَ اكْتِهَالٍ أَدِيبًا قَبْلَ تَأْدِيبِ

وعلق على البيت بقوله: لأن قوله: “الأستاذ” بعد “الملك” نقص, فهو حشو نقص به المعنى, لأن الغرض من المدح تفخيم أحوال الممدوح. وهذا النقص كما قال الأستاذ إنما كان مقصودا من المتنبي في مدحه لكافور, وذلك لِمَا قاله حسام زاده الرومي في رسالته التي في قبل كافوريات المتنبي من المدح إلى الهجاء, قال في الصفحة 71 معلقا على هذا البيت: “يُقال: ترعرع الصبي, إذا تحرك ونشأ. فيقول على ما في قلبه: نشأ هذا الصبي الملك الأستاذ مكتهلا قبل أوان الاكتهال, ومتأدبا قبل تأديب. يهزأ به بادعاء ثبوت شيء له لا يمكن حصوله عادة, كأنه يريد أن يسلب عنه ما أثبته له في البيت الذي قبله من الحلم في حداثة السن”. اهـ

ثم ختم الأستاذ هذا المجلس بحديثه عن اللفظة  تقع حشوا غيرَ مؤثّرة, وقد مثّل لها بقول أبي تمام:

جَذَبْتُ نَدَاهُ غَدْوَةَ السَّبْتِ جَذْبَةً /// فَخَرَّ صَرِيعًا بَيْنَ أَيْدِي القَصَائِدِ

لأن قوله: غدوة السبت, لا تقع فائدة بذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق