مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

مجالس الألفية 14

انعقد يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جمادى الأولى  1440هـ، الموافق الثلاثين من يناير 2019 م، المجلسُ الرابعَ عشرَ من مجالس الألفية التي يُلقيها د.عبد الرحمن بودرع بمركز ابن أبي الربيع السبتي.

ابتدأ المُحاضرُ حديثَه في هذا المجلس من حيثُ انتهى إليه في المجلس السابق من قول ابن مالك في ألفيته في باب الحال:

وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ المُضَافِ لَهْ /// إِلَّا إِذَا اقْتَضَى المُضَافُ عَمَلَهْ

أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفَا /// أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ، فَلَا تَحِيفَا

فذكَرَ أنّ المضافَ إليه لا يكونُ موصوفا بالحال إلّا بشرطين:

-1 أن يكون المضاف مما يصح أن يعملَ في الحال كاسم الفاعل والمصدر، لأنهما يتنزّلان منزلة الفعل، وذلك كقولهم: “هَذَا ضَارِبُ هِنْدٍ مُجَرَّدَةً” و”هذا آكلُ الفاكهةِ ناضجةً”؛ فاسم الفاعل “ضارب وآكل”، مضافٌ يَعمل في الحال، والموصوف بالحال “هند والفاكهَة” مضاف إليه، والحالُ “مجردة وناضجة” حال من المضاف إليه، وصَحَّ مجيئه منه لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله، كأنهم قالوا: “هَذَا ضَرَبَ هِنْدًا مُجَرَّدَةً وهذا أكلَ الفاكهةَ ناضجةً”.

ومعنى ذلك أن المضاف والمضاف إليه متلازمان، وهذا التلازم يقضي بأن الحال إذا جاء من أحدهما، جاز. 

أما مثال المصدر، فقولهم: “أَعْجَبَنِي قِيَامُ زَيْدٍ مُسْرِعًا”.

فقيام، مصدر مضاف، وزيد مضاف إليه، ومسرعا حال من زيد، فلا يجوز مجيء الحال من المصدر، لأن الحال هيئة يوصف بها صاحبُها. ومثله قولُه تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:4].

والشاهدُ عليه قولُ مالك بن الريب في يائيّته:

تَقُولُ ابْنَتِي: إِنَّ انْطِلَاقَكَ وَاحِدًا /// إِلَى الرَّوْعِ يَوْمًا تَارِكِي لَا أَبَا لِيَا

واحدًا، حالٌ من الضمير المضاف إلى المصدر “انطلاقك”.

-2 الشرط الثاني أن يكونَ المضافُ جزءا من المضاف إليه أو مثل جزئه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه.

وعلل المُحاضرُ ذلك بأن المضافَ إليه هو المهم لأنه موصوف بالحال الذي بعدَه، وقد استشهد له بقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين﴾ [الحِجر:47]. فإخوانا، حال من الضمير الواقع مُضافاً إليه، والمُضافُ جزءٌ من المضاف، والصدورُ جزء من أصحابها، لذلك صحَّ أن يأتي الحال من المضاف إليه، لأنه يمكن الاستغناء به عن المضاف كأنّ المعنى: نَزَعْنا ما فيهم.

هذا مثال الجزء، ومثال ما هو مثلُ الجزء، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين * ﴾ [النحل:123].

فحنيفًا، حال أيضا من إبراهيم، وهو مضاف إليه، والمضاف هو “ملة”. فصح مجيء الحال من المضاف إليه لإمكان استغنائه عن المضاف، فكأنه قالَ: اتبعْ إبراهيمَ حنيفا.

فإن لم يكن المضاف أحدَ ثلاثة ما سبقَ ذكره، وهي ما يصح أن يعمل في المضاف إليه، وما هو جزء منه، أو مثل الجزء منه، فإنه ليس يجوز مجيءُ الحال منه، كذا قرر النحاة، ومثلوا له بقولهم: “جَاءَ غُلَامُ هِنْدٍ ضَاحِكَةً”.

وقد بيّن الأستاذ أن ذلك لم يَجُزْ لأن “غلام” لا يصح عمله في الحال، فإذا كان المضاف مشتقا يعمل عمل الفعل، جاز مجيء الحال من المضاف إليه، كأن هذا المشتق، وهو اسم الفاعل والمصدر، عمل في المضاف إليه والحال على السواء.

ثمّ انتقل المحاضرُ إلى شرح بيتَي ابن مالك، وهما قولُه في الألفية:

وَالحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا /// أوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ المُصَرَّفَا

فَجَائِزٌ تَقْدِيمُهُ كَـــ “مُسْرِعَا /// ذَا رَاحِلٌ، وَ “مُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا”

فقال في ذلك ما مُحصّله: يجوز تقديم الحال على ناصبها بشرط أن يكون الفعل متصرفا لا جامدا، أو صفة تشبه الفعل المتصرف، وهي ما تضمن معنى الفعل وحروفَه وقَبِلَ التأنيثَ والتثنية والجمع، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة. وعَلل ذلك بأن العامل إذا تصرف في نفسه، جاز أن يتصرف في غيره، وهو معموله، سواء تقدم عليه أو تأخر.

ومثّل ابن مالك لكلتا المسألتين بمثالَيْن، فمثال تقديمها على الصفة المشبهة قولُه: ” مُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ”. ومثال تقديمها على الفعل المتصرف قولُه: “مُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا”.

وعقّب الأستاذ على ذلك بأن التقديم يجوز في المفرد دون الجملة، فلا يجوز تقديم الجملة الحالية المبدوءة بالواو، وعلة ذلك أن واو الحال تحيل على سابق عليها.

ثم ختم المجلس بمسألة، وهي كيف يتقدم الحال وبينها وبين عاملها مبتدأ؟

وقد أدخل ذلك في ما يُسمّى بالحجز العاملي، وهو عدم جواز عمل عاملٍ في معموله وبينهما حاجز مُعتبر، كعدم جواز تقديم معمولٍ منصوبٍ على عامله بعد حرفٍ من حروف الصّدارة، لا يَجوز: “زَيْدًا إِنْ تُكْرِمْه يُكْرِمْكَ”. ففي هذا الموضع يجب الرفع على الابتداء، وتكون جملة الشرط في محل رفع خبر، وذلك لأن “إِنْ” من حروف الصدارة، فلا يعملُ ما بعدها في ما قبلها. 

ورجَّح أن الصحيحَ تقديمُ الحال على العامل فيها بعد المبتدأ لا قبلَه، وذلك نحو: زيدٌ، مُخلصاً دَعا رَبَّه، أو زيدٌ دَعا ربَّه مخلصاً.

والحمد لله وصلى الله على نبيه وسلم تسليما كثيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق