مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

كلمة د.عبد الرحمن بودرع في العربية والهوية والتنمية

عُقدَت بفَضاء المَركز السوسيو ثقافي لمؤسسة محمد السادس بتطوان ندوةٌ في موضوع: اللغة العربية والهوية وأثرها في تَحقيق التنمية، يوم الأحَد 19 يونيو 2016، بعد الظّهر، وشارَك فيها د.عبد الرحمن بودرع، ود.محمد جبرون، وذ.فيصل الأمين البقالي، وحَضَرَهاالطّلاّبُ والباحثون في الماستر والدّكتوراه، وباحثون من مؤسسات أخرى: 

وقَد بيَّنَ د.عبد الرحمن بودرع في كلمته التي ألقاها في هذه الندوَة أن العُنوانَ الذي اختيرَ لموضوع الندوَة يَضَعُنا أمام مُركَّب لا يتجزّأ إلا عند التحليل والمُعالَجَة، ولكنّه في الواقع والوظيفَة يُعدّ كلاّ متماسكا متكاملاً؛ فاللغة مسكونة بهويتها والهوية مسكونَة بلغتها وكلاهما يؤثر في النظر إلى العالَم ويؤثر في الإنجاز والفعل.

الهوّيّةُ مجموعةٌ من الخَصائصِ والمَلامحِ التي تتكوّنُ منها الشّخصيّةُ المتميِّزَةُ لشعبٍ من الشّعوبِ. وهُناكَ كثيرٌ من المَفاهيمِ التي تُساعدُ على الإحاطَةِ بموضوعِ الهويةِ كالذّاتِ والشّخصيّةِ والفَرْد وروحِ الجَماعَةِ والضّميرِ الجَمعيِّ وغَيْرِها .

لا شكّ أنّ كلّ فردٍ من أفرادِ المُجتمَع يملكُ هويةً شخصيّةً وهويةً اجتماعيّةً تُعرِّفُه بانتمائه إلى مجموعةٍ اجتماعيّةٍ محدّدَةٍ، وعلى أساسِ الانتسابِ إلى تلك الهويّةِ فإنّ الأفرادَ والجَماعاتِ يُصنّفونَ أنفُسَهُم ويُصنّفونَ الآخَرين، وعمليةُ التّصنيفِCategorization عمليةٌ ذهنيّةٌ مَحضةٌ لأنّ التّصنيفَ الذي يَقومونَ بِه إنّما هو تَقْسيمٌ وتَصنيفٌ وتنظيمٌ للمُحيطِ الاجتماعيّ، يُتيحُ لَهم أن يتبنَّوْا مُختلِفَ أشكالٍ النّشاطِ الاجتماعيّ ويُحدّدُ موقعَهُم في النّسيجِ الاجتماعيّ ويمْنحُهُم هويةً خاصّةً بهم مَدْلولاً عليْها بمُصطلحاتٍ ومَفاهيمَ اجتماعيّةٍ. وبناءً على التّصنيفِ أيضاً يَميلُ البَشَرُ إلى عَقدِ مُوازَناتٍ يُرجّحونَ بها كفّةَ انتمائهم، على غيرِهم من المَجموعاتِ، وهذا التّصنيفُ وذاكَ التّمييزُ لا يحسُنُ أن يَكونَ مقياساً من مَقاييسِ الهويةِ إلاّ إذا اتُّخذَ وسيلةً من وَسائلِ المُحافَظةِ على الذّاتِ من أن تَذوبَ في غيْرِها وحمايَةِ الثّقافَةِ من أن تَعْصفَ بها رِياحُ الاجتياحِ وطَمْسِ الذّواتِ.  

عَلاقَةُ الهويّة باللّغةِ عَلاقَةٌ جَدليّةٌ تفاعليّةٌ؛ فلَيْسَت اللّغةُ أداةً للتّعبيرِ فَقَط، ولا وَسيلةً للتّواصُلِ بينَ الأفرادِ فقط، ولا شأناً من شُؤونِ العلمِ والثّقافَةِ والتّدريسِ فقط، ولكنّها شأن من شُؤونِ الهويّةِ والأمنِ القوميّ والسيادَةِ الوطنيّةِ والاستقرارِ الاجتماعيّ والنّفسيّ. فاللّغةُ مُؤلِّفٌ رَئيسٌ من مُؤلِّفاتِ الهويّةِ في كلّ بَلَدٍ أو وَطنٍ أو أمّةٍ، بل الهويةُ مَفْهومٌ ذو دلالةٍ لغويّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ، يَعْني الإحساسَ بالانتماءِ إلى أركان الهويّةِ التي هي الدّينُ والثقافَةُ والاجتماعُ. أمّا اللغةُ فهي النّاطقُ الرّسميّ بلسان الهويةِ ووسيلَةُ إدراكِ العالَم وتصنيفِ المُجتَمَعاتِ، ونظراً إلى خَطَرِها وشموليتِها فهي مَسؤوليّةُ كلِّ الجِهاتِ التي تُكوِّنُ عَناصرَ المُجتَمَعِ، مَسؤوليةُ المَجامعِ ومُؤسَّساتِ التّربيّةِ وأجهزةِ الإعلامِ والمُنظَّماتِ الثّقافيّةِ ووُجَهاءِ الأمّةِ وبُسَطاءِ العامّةِ، لأنّ اللغةَ هي الهويةُ ذاتُها وهي الأداةُ التي نُحوِّلُ بِها المُجتمَعَ إلى واقعٍ، وثَقافةُ الأمّةِ كامنةٌ في لغتِها، في مُعجَمِها وصرْفِها وتَراكيبِها ونُصوصِها، وما من حَضارةٍ إنسانيّةٍ إلاّ وصاحبتْها اللّغةُ، وما من صراعٍ بشريٍّ إلاّ ويكْمُنُ خلْفَه صراعٌ لغويٌّ خَفيٌّ، فالهويةُ نتاجُ المَعاني والقِيَم التي يشيدُها الأفرادُ عَبْرَ اللّغة، والطّابَع الخاصُّ بمجتَمَع من المُجتَمَعاتِ ناتجٌ عَن تَفاعُلِ ما يَسْري بداخلِه من خطاباتٍ لغويّةٍ مُرتهنةٍ بالمُتغيّراتِ التّاريخيّةِ.

وتَشهدُ الحَضارةُ الإنسانيّةُ اليومَ حركةً دَؤوباً نَحوَ طَبْعِ الحياةِ كلِّها بطابعِ اللّغَةِ، في السياسَةِ والمَعْرِفةِ والأخلاقِ والاقتصادِ، ولم يَغِبْ عن “التّقانَةِ المَعْلوماتيّةِ” والهَندسةِ الوراثيّةِ أن تُبوِّئَ اللغةَ على رأسِ البناءِ المعرفيّ، حتّى أصبحَت اللغةُ حاضرةً حُضورَ الأساسِ للبناءِ، في مَذاهبِ الفلسَفَةِ وفُروعِ الفنِّ وفُروعِ العلمِ.    

عُقدَت بفَضاء المَركز السوسيو ثقافي لمؤسسة محمد السادس بتطوان ندوةٌ في موضوع: اللغة العربية والهوية وأثرها في تَحقيق التنمية، يوم الأحَد 19 يونيو 2016، بعد الظّهر، وشارَك فيها د.عبد الرحمن بودرع، ود.محمد جبرون، وذ.فيصل الأمين البقالي، وحَضَرَهاالطّلاّبُ والباحثون في الماستر والدّكتوراه، وباحثون من مؤسسات أخرى: 
وقَد بيَّنَ د.عبد الرحمن بودرع في كلمته التي ألقاها في هذه الندوَة أن العُنوانَ الذي اختيرَ لموضوع الندوَة يَضَعُنا أمام مُركَّب لا يتجزّأ إلا عند التحليل والمُعالَجَة، ولكنّه في الواقع والوظيفَة يُعدّ كلاّ متماسكا متكاملاً؛ فاللغة مسكونة بهويتها والهوية مسكونَة بلغتها وكلاهما يؤثر في النظر إلى العالَم ويؤثر في الإنجاز والفع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق