الرابطة المحمدية للعلماء

د. أحمد عبادي يحاضر بالمدرسة المحمدية للمهندسين حول العولمة الراهنة

في إطار أنشطتها العلمية والتأطيرية استضافت المدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط، فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء الأستاذ الدكتور أحمد عبادي، في أمسية علمية يوم الأربعاء 05 مارس 2014، بالقاعة متعددة الاختصاصات برحاب المدرسة المحمدية، لإلقاء محاضرة في موضوع: “المجتمعات الإسلامية في سياق العولمة”.

استهل فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء الدكتور أحمد عبادي كلمته بالترحيب بالضيوف من أساتذة، وأطر، وطلبة باحثين بالمدرسة المحمدية للمهندسين. معتبرا أن التباحث حول موضوع “المجتمعات الإسلامية في سياق العولمة” في رحاب المدرسة المحمدية للمهندسين، من الأهمية بما كان، خصوصا في سياقنا الراهن، حيث أصبح العالم كالخلية الهائجة المائجة، يمر تيار التأثير والتأثر فيه بيسر وسلاسة، وفُرضت على الإنسان فيه إيقاعات غاية في السرعة..

وأبرز الأستاذ الدكتور أحمد عبادي، أن سياق عالمنا المعاصر جعل الجيل الجديد تتبدى له خلال حياته من المكتشفات والمخترعات ما لم يشهده من سبقه، وهو الجيل الذي أشاد به “ألفين توفلير” في كتابه “صدمة المستقبل –المتغيرات في عالم الغد –” واعتبره جيلا متميزا وفريدا، وهنا يستحضر المحاضر حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العلامات الصغرى للساعة باعتبارها أمارات بين يدي الساعة، ليُثَنِّيَ على هذا الحديث بكلام لابن الجوزي في كتابه “صيد الخاطر” مفاده أن في الرحلة تكون للقافلة إيقاعات بسيطة في البداية، لكن إذا تبدت لها معالم المدينة تحث المطي على الإسراع.

وفي نفس الاتجاه ذكّر فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بكتاب “طوماس فريدمان” “العالم المسطح”؛  الذي تحدث عن عشرة مسطحات، جعلت عالمنا مجمدا ومسطحا، وهو الكتاب الذي يزودنا بمفاتيح توقفنا على مدى التغيير الذي حدث في عالمنا، والذي عبر عنه بهوي الجدران (برلين) وصعود النوافذ (نوافذ الويندوز)، هذه الأخيرة التي جعلت الإنسان قادرا على التمكن من وسائل تشكيل المعرفة وإيصالها، ومن ثم تحدث المحاضر عن التطورات التي حصلت في هذا العالم المتغير بفضل التطور الهائل في وسائل الاتصال من استغلال الزمان بقدرة عالية فائقة، وتفويت حلقات الإنتاج، وسهولة الوصول إلى قواعد المعطيات عبر العالم، أضف إلى ذلك الأبعاد التشريعية المرتبطة بهذا التطور، ومن ثم أصبحت المعرفة في متناول الجميع بمجرد نقرة على زر أو رابط، وأضحى الجيل الجديد ذو وظائف علائقية جديدة من حيث الاختزال وصولا إلى الاستخلاص والاستنباط.

ثم تحدث المحاضر عن العولمة الإسلامية باعتبارها عولمة قيمية بالأساس، عولمة لها وجهة وقبلة تؤمها تحت مسمى الأمة، فبقدر التبصر والإدراك للآيات يكون القرب أو البعد من القبلة الحضارية متمثلا في هذا المقام بحديث نبوي شريف: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

وقد استعرض فضيلة الأمين العام مراتب الوجود الخمسة والمتمثلة في:

-الوجود العيني المشخص: وهو”عين الواقع” موجود وله سنن بدون وعيها لا يمكن أن نتعامل معه، وأن تكون لنا القدرة على تذليله وتسخيره.

-الوجود الذهني: وهو نقل للوجود العيني المشخص إلى الذهن، وفي عملية النقل هاته لابد وأن تحصل انكسارات معرفية، وأول شرط للفاعلية في هذا الوجود هو النقل الدقيق للموجودات المشخصة إلى الذهن، سواء كانت وسيلة النقل هنا فيزيائية أو كيمائية أو عبر العلوم الإنسانية..

-الوجود اللفظي: ومعناه مكنون في الإجابة عن سؤال: كيف خزنت المعلومات؟ وكيف أعبر عنها؟ هنا يطرح المحاضر مجموعة من الأسئلة الموضحة لهذا الوجود من قبيل: هل نتوفر في جامعاتنا على تخصصات لتوثيق المعلومات، ولتوثيق المراحل والإضافات النوعية في المجال المعرفي؟ ينبغي أن تكون ذاكرة طلبتنا ونحن في كلية عتيدة –الخطاب موجه للحضور- ذاكرة منقوشة وليست عبارة عن خزانات، لأنه حتى التخزين له هندسته.

-الوجود البنائي: مرتبة رابعة، وهي أهم مرتبة حيث تعتبر الصورة النهائية لتشكل المراتب السابقة، فيها تُبنى المعرفة.

ـ الوجود الافتراضي: وهي مرتبة لها قوتها الضاربة اليوم كما قال.

بعد ذلك تحدث المحاضر عن تعريف العولمة باعتبارها منظومة ومصفوفة لها جملة من المراتب، وبأنها ميل حضاري، وقد تكون كلية أو جزئية، فالكلية لم يكن لها وجود قبل هذا الزمن، حيث أن العولمات في القديم كانت تتسم بالقوة ثم تتبعها الفتوحات المعرفية والقيمية التي تكون لها تبعا.

ثم تحدث الأستاذ الدكتور أحمد عبادي عن العولمة الإسلامية باعتبارها عولمة قيمية بالأساس، عولمة لها وجهة وقبلة تؤمها تحت مسمى الأمة، فبقدر التبصر والإدراك للآيات يكون القرب أو البعد من القبلة الحضارية.

واعتبر فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أن مفهوم الأمة يحمل في طياته معنى السير وتيمم القبلة،(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) [البقرة: 144] فالمسجد الحرام “الكعبة الشريفة” سهم مصوب إلى السماء بتعبير المحاضر، تنتهي إليه وجوه المنتظم الحضاري الإسلامي، الذي يتميز عن باقي المنتظمات بأن الفارق فيه بين الناس هو التقوى، (أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى…)، قال تعالى:(إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…) [الحجرات: 13]. فهذه الميزة تجعل من العولمة الإسلامية قوة اقتراحية كبرى إزاء الفراغ القيمي التي تعيشه العولمات الأخرى.

ويرى المحاضر أيضا أن العولمات تكتسي قوتها من قدرتها على التفكيك، ومن كثافة الإدراكات لشبكة التمثلاث والتصورات، ومن القيم والسلوكات، فخارطة الوجود القوية لأي عولمة هي “قدرتها التفسيرية للعالم” وخارطة الوجود هاته تسمى عندنا بالعقيدة فهي خارطة الوجود والتفسير للحياة والأحياء ومركزية الإنسان في الوجود.

وأوضح فضيلة الأمين العام للرابطة اللمحمدية للعلماء أن العولمة لاشك فيها قواعد، ويمكن إجمالها في أربعة قواعد أساسية:

 1- التصورات: أي العقائد والتمثلات  التي تروج في ثنايا هذه العولمة.
 2- القيم: هل عندنا مراصد لرصد القيم؟ هل عندنا رسوم متحركة مغربية؟ هل عندنا تجاوب بين القيم وبين ما نقدمه للأطفال؟ ما المضمون الذي في الرسوم المتحركة من حيث القيم؟ الحديث عن القيم هو حديث بناء
3- التشريعات: أي القوانين الوظيفية والعملية، فإذا لم يكن القانون متفهما فلا فائدة ترجى، ولذلك بلور الأسلاف علما طريفا اسمه مقاصد التشريعات.
4-السلوكات

وأكد فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أن حَبك وتمتين عرى كل حلقة من هذه الحلقات هو الذي يحصل به التدافعات اليوم في عالمنا الراهن.

وفي نفس الإطار نبّه الدكتور أحمد عبادي إلى أهمية الوعي بسلسلة الإدراكات التي بها ننقل المعرفة من مختلف مراتب الوجود (الوجود العيني المشخص، والوجود اللفظي، والوجود الذهني، والوجود البنائي، والوجود الافتراضي).

وتساءل الدكتور أحمد عبادي ما الذي عندنا تحت مسمى العولمة؟

لا شك أن عندنا أشياء ومن أبرزها التكاملية الحضارية، وهي ما سمي في المنظومة القرآنية بالتعرف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات 13]يعني أن الآخر مفتقر لي وأنا مفتقر إليه، ومن خلال تبادل التجارب وأعطيه تجربتي وأناأنا أراقب العالم من زاويتي، وهو يراقب العالم من زاويته..

وفي ختام محاضرته خاطب الأستاذ الدكتور أحمد عبادي، أطر المدرسة المحمدية للمهندسين: “نحتاج اليوم إلى أن تكونوا حملة اللواء التعارفي، مع الوعي بأن إمكانات أفضل للعيش المشترك، وبأن الإمكان المؤلم الذي نعيشه ليس هو الإمكان الوحيد” وأضاف فضيلته أن هذا التحدي في حاجة إلى جملة من مقومات دفاتر تحملات ثقيلة تحتاج بدورها إلى كدح.

ويجيب المحاضر بعرض الحل للخروج من هذا الاستلحاق الحضاري التي تعيشه أمتنا بقوله: التعليم ثم التعليم ثم التعليم… إذا أردنا بناء الخبرات والتمكن من الدربات الوظيفية لتحقيق استمرارية مفهوم الأمة؛ فنحن اليوم مطالبون بالخروج من هذا الثقب الأسود الذي يسمى الاستلحاق، وذلك لا يتأتى إلا بوجود تعليم يبني قدرات ناشئة قادرة على تفكيك وتفصيل المجملات، وهذا ليس بالأمر الصعب العسير، إذ نحن نتوفر على “تعليم الأسماء” و”منهج التلاوة”، ولدينا “قدرة تفسيرية” جبارة للعالم؛ ولدينا “خارطة قيمية” هائلة في القرآن، تشتمل على سلالم للقيم تتغير في مواضعها وتتحرك بمرونة وفاعلية، عندنا ترسانة في كل الجوانب في التشريع والسلوك وعندنا خارطة من التفاصيل وفيها بركة ليست موجودة في حضارة أخرى.

فهذه الأبعاد هي المنقذ لنا وللعالم من الاستلحاق الحضاري ومن هذا الميل الذي نرزخ تحته ومن التفكير بعقلية الضحايا، فعلينا اليوم أن نبلور دور قوتنا الاقتراحية وستكون بإذن الله – يقول المحاضر- ثورة في العالم، فعندنا والحمد لله ما يكفي لنرفع هاماتنا عاليا، فلا بد إذن من حمل الأمانة ولا يكون هذا الحمل إلا بالتشمير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق