مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

دور النساء في بناء الحضارة الإسلامية ج2

د. أسماء المرابط

المفهوم الثالث: القوامة

قُرأ هذا المفهوم دائما من خلال آية واحدة تتحدث عن القوامة داخل الحياة الأسرية، وظل مرتبطا بمقاربة وحيدة تمثلت في تفوق الرجال على النساء، وقد تم اختزال أهم ما في القوامة في فهم قاصر لآية واحدة تحدثت عن تدبير المجال الأسري.

من المهم التذكير بأن القرآن وردت فيه ثلاث آيات قرآنية تتحدث عن القوامة، آية القوامة داخل الأسرة المذكورة، وهناك آيتان غيرها تثيران أيضا المفهوم نفسه، أولاهما هي الواردة في سورة النساء الآية135: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، والثانية هي الواردة في سورة المائدة الآية 8: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

إن الآية الأولى التي تحدثت عن القوامة في المجال الأسري تفترض المسؤولية المالية للزوجين في الخلية الأسرية ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ﴾، هذه المسؤولية المادية هي قوامة مفروضة على الزوج، بعبارة أخرى: التزام وتحمل من الزوج لتدبير الأسرة ماديا وحفظ الزوجات في مراحل ضعفهن البيولوجي أثناء الحمل والرضاعة..إلخ، أو بتعبير آخر هو حق للنساء.

وبالتالي فالقوامة المنصوص عليها هنا عبارة عن منحة للزوجات في سياق عصر الرسالة وأيضا في كل عصر، نوع من الحماية المادية الإضافية خصوصا في مرحلة الأمومة والرضاعة، بعبارة أخرى منحهن تعويضا في فترة الضعف الفيزيولوجي هذه. إن القوامة التي يتحدث عنها القرآن في هذا النص الأول هي مسؤولية ملقاة على عاتق الرجل خصيصا فهي تكليف وليست تشريفا أو استعلاء كما نقلته ذلك للأسف الكثير من كتب التفسير القديمة.

إن هذه القوامة الخاصة يُفترض أنها تُمارس داخل البيت العائلي ولا علاقة لها بالقوامة المرتبطة بالمجال الاجتماعي والسياسي العام المذكورة في الآيتين الأخريين، التي لا فرق فيها بين الرجال والنساء في التدبير حسب ما يقتضيه معيار المساواة والعدل.

ويتفق معظم المفسرين بخصوص هاتين الآيتين (الآية 35 من سورة النساء والآية 8 من سورة المائدة) على أن الأمر يتعلق بحثٍّ إلهي بضرورة احترام المؤمنون والمؤمنات القيم المبدئية، مثل العدالة والنزاهة والحياد. في الواقع، ففي الآيتين معا، مرة يرد الأمر: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ كما ورد في الآية الأولى ومرة ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾، وفي كلتا الآيتين، يتكرر الاحترام غير المشروط لقيم النزاهة والعدالة، مع التركيز على أهميتهما – وخصوصا – عندما يتعلق الأمر بتطبيق حكم ضد النفس أو ضد الأقارب، أو ضد الأغنياء، أو ضد الفقراء، أو عندما يتعلق الأمر بشعب عدو أو أشخاص لنا نحوهم شعور بالحقد أو الكراهية.

يمكن إذن من خلال هاتين الآيتين ترجمة “القوامة” على أنها مطلب ملح للعدالة يجب أن يحرك قلب ووعي كل مؤمن وكل مؤمنة. هذه القوامة أو المطلب من ذاته للمساواة، والعدل، والصرامة في الحكم، وهي الوصايا الكبرى للرسالة القرآنية. وهذا هو المعنى العميق لمصطلح “القوامون” الذي ينص على وعي أخلاقي نزيه، بعبارة أخرى الكمال الذاتي في المساواة وفي الشهادة، فالقرآن يحث المؤمنين والمؤمنات ليكونوا شهداء حق وعدل، حتى ولو كانت هذه الشهادة ضد رغباتهم الشخصية ومصالحهم الخاصة، ووحدها روح العدالة الجديرة بالاحترام، وهي التي تعطي معنى للإيمان في القلوب والأعمال.

إن العدالة والمساواة هما إذن شعار الإسلام، ومجموع هذه الرسالة الروحية هو تذكير “ذكر” بهذه القيم التي يجب أن تكوّن بعدا رئيسيا في الوعي الديني لدى كل رجل مؤمن وامرأة مؤمنة. وهنا توجد القيم الأساسية لكل روحانية، والقوامة في العدالة والمساواة والشهادة، ترمز إلى هذه القيمة الجوهرية للمطالبة التي يجب أن تحرك القلوب والوعي لدى الرجال والنساء، الرجال والنساء الذين يحثهم القرآن على أداء الشهادة دائما لإقامة العدل. فالالتزام الروحي هو قبل كل شيء شاهد لمطلب ذاتي لا عيب فيه غير قابل للتصرف فيه.

هاتان الآيتان تمثلان إذن نظرة عن “قوامة عامة”، على الرجال والنساء أن يحسوا بتطبيقها في هذه الحياة الدنيا، والتي تمثل بعدا روحيا أساسيا للأخلاق القرآنية، وبلا شك فاحترام هذه الأخلاق التي مكنت رجال ونساء القرون الأولى للإسلام ليكونوا مؤسسين للعصر الذهبي لحضارتهم.

الإسهامات التاريخية للنساء في المعرفة الدينية خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية:

استثناء عائشة رضي الله عنها وبعض أزواج النبي رضوان الله عليهم، قلما نصادف الحديث عن نساء –وهن كثيرات- لهن مكانة في التاريخ الإسلامي ودور في بناء حضارته.

ولو أخذنا مثالا واحدا يتعلق بتأسيس العلوم الإسلامية، ندرك جيدا أن ثمة آلاف النساء اللواتي كن خلال القرون الأولى المتتالية من الأوائل من بين أخريات في تأسيس العلوم الإسلامية، وبالخصوص علم الحديث الذي يعتبر من العلوم الأساسية في مجال العلوم الإسلامية.

وعليه فدور النساء العالمات كان فريدا في تاريخ البشرية قبل العصر الحديث، ولا يوازي الدور العظيم والبارز الذي لعبنه في تطور وحفظ المعرفة الدينية الإسلامية خاصة السنة النبوية.

لقد أسهمت نساء عالمات كثيرات في بناء العلوم الدينية واستمرارها، وقد عوملن خلال  المراحل الأولى باحترام وتكريم كبيرين.

لقد اكتشفت دراسات معاصرة للعصور الأولى للوحي إسهامات ثمانية آلاف امرأة في كل العلوم الإسلامية كالحديث والتفسير والفقه.. [9]

وقد ذكرت إسهاماتهن في كتابات المحدثين القدامى أمثال كتاب ابن حجر الذي أورد مشاركة أزيد من خمسمائة امرأة في كتاب “الإصابة”، وكذلك في فترة الوحي حيث أسهمت النساء الصحابيات المبايعات التشييد السياسي للمدينة، ويعتبر ابن حجر من القليلين الذين ألفوا كتابا عن حياة أكثر من مائة وسبعين امرأة عالمة مشهورة في القرن الثامن، كان أغلبهن من المتخصصات في الحديث وأصبح عدد كبير من شيوخه منهن. وقد أبرز أهمية عدد كبير من هؤلاء النساء اللواتي أصبحن مرجعا لا غنى عنه في علم الحديث في عصرهن، من بينهن جوهرية بنت أحمد وعائشة بنت عبد الهادي اللتان كان يحج إليهما الطلبة من أقاصي الأرض لقراءة الحديث عليهما.

ونجد قوائم بأسماء النساء في الكتب التاريخية القديمة مثل كتب الإمام النووي:”تهذيب الأسماء”، وخالد البغدادي: “تاريخ بغداد”، والسخوي: “الضوء اللامع لأهل القرن التاسع”، بالإضافة إلى مؤلفين كثر ذكروا النساء في كتب  التراجم والطبقات[10].

كما أن الدراسة التاريخية لعملية تدوين الحديث تبين أن أهم جامعي الحديث في القرون الأولى حصلوا على الإجازات في الحديث عن النساء المحدثات. علما أن كل جامع كبير لمؤلف ما كان تحت سلطة أكاديمية مباشرة للنساء (شيوخ). فكثير من النساء العالمات بالسنة كانت لهن مجالسهن العامة حيث يعلمن ويعطين دروسا في الحديث للطلبة الذين يحصلون على إجازاتهم مباشرة من النساء.

لقد درس المؤرخ الدمشقي الشهير ابن عساكر عند أزيد من ألف ومائتين رجل وثمانين من النساء، ونال إجازته في الموطأ للإمام مالك على يد امرأة عالمة هي زينب بنت عبد الرحمن.

أما المفسر الكبير جلال الدين السيوطي فقد درس رسالة الإمام الشافعي رفقة امرأة هي هاجر بنت محمد.

لقد ذكر صاحب “معجم الشيوخ” عبد العزيز بن عمر بن فهد (812/1409) من بين ألف ومائة اسم عالم صاحب مجلس علمي في ذلك العصر مائة وثلاثين امرأة عالمة، بعضهن كن أستاذات شيخات له.

وتذكر جوامع الحديث مثلا في الأغلب أسماء الرجال، مع أن النصوص القديمة تثبت أن علوم الحديث كانت ثمرة لمشاركة قوية وناجحة لعمل مشترك بين العلماء والعالمات المسلمات.

نلاحظ أن سلسلة رواة الحديث تحيل دائما على رجال أهل الحديث، مع أن سلسلة الرواة ضمت نساء كثيرات ليس باعتبارهن نساء عاديات يمثلن مجرد حلقة في سلسلة، ولكن باعتبارهن سلطة علمية لا غنى عنها في جمع عدد كبير من الأحاديث المهمة[11]. وقد قدر الباحث المستشرق جولدتسهير أن خمسة عشر بالمائة (15%) من علماء الحديث في العصر الوسيط كن من النساء[12].

ذكر بعض الأسماء المشهورة لنساء عالمات في الإسلام:

أم الدرداء (الصغرى لوجود أم الدرداء الكبرى)، كانت مسيرتها العلمية بناءة (ت80هـ/700م). واعتبرها بعض معاصريها على أنها خبيرة في علوم الحديث، وفاقت شهرتها شهرة علماء كبار أمثال الحسن البصري أو ابن سيرين! ومن بين طلبتها يوجد الشهير والمعروف أبو بكر ابن حزم، قاضي المدينة الذي تلقى الأمر في عهد الخليفة عمر بن العزيز بالجمع الرسمي للحديث. وعرفت أيضا بمعارفها العميقة في الشريعة وآرائها الاجتهادية في الفتوى، واعتادت مناقشة مسائلها داخل مسجد دمشق، حتى أنه يروى أنها قالت:”عبدت الله بكل الوسائل، ولكني لم أجد أفضل من وسيلة في عبادته أفضل مناقشة العلم مع العلماء الآخرين”. وتجدر الإشارة إلى أن أم الدرداء كانت تدرس الحديث والفقه في المساجد، للطلبة الرجال والنساء أيضا. مما يدل على مكانتها العلمية التي أحرزتها على عهد خليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان يأتي شخصيا ليحضر مجالسها العلمية العامة.

كريمة المروزية: لقد عرف القرن الرابع للهجرة عددا كبيرا من النساء اللواتي يدرسن العلوم الإسلامية، وكان لهن طلبة لرجال من العلماء المميزين،  وتعتبر كريمة المروزية إحداهن، فقد كانت خبيرة في صحيح البخاري وكان يحضر مجلسها العلمي بالمسجد الحرام بمكة عدد كبير من الرجال أمثال المؤرخ الخطيب البغدادي، وكانت تدعى “أم الكرام: نجيبة النجباء” في علمها بصحيح البخاري.

فاطمة بنت الحسين بن علي (تـ480هـ): وتعتبر من العالمات الكبيرات في زمنها، يدل على ذلك أن كبار أصحاب السير أمثال ابن إسحاق وابن هشام في كتاباتهم القيمة عن حياة الرسول أقاموا أدلتهم على أبحاثها وانتقالها.

نفيسة بنت الحسن المولودة بمكة سنة 145هـ، من أمها زينب بنت الحسن. نشأت بالمدينة حيث درست بها في شبابها في كبريات حلقات العلماء في عصرها، وفي حضن المسجد النبوي[13]، ودرست الحديث النبوي والفقه حتى لقبت “نفيسة العلم”، ونفيت إلى مصر بسبب الضغوطات السياسية التي عرفها العصر، حيث تم استقبالها بحفاوة كبيرة، ما يدل على سمعتها العلمية الكبيرة التي سبقتها إلى مصر والتي تجاوزت بسبب العدد الهائل للحاضرين يوميا لدروسها، وهو الأمر الذي حرك لديها الرغبة في العودة إلى المدينة، ولكن تدخل والي المدينة الذي خصص لها يومين في الأسبوع لفائدة الناس هو الذي أقنعها بالبقاء في القاهرة.

عرفت أيضا السيد نفيسة بعلاقتها الأخوية والعلمية الكبيرة مع الإمام الشافعي، مؤسس أحد كبار المذاهب الفقهية الإسلامية، بالإضافة إلى الأخوة فقد كان بين هذين العالمين تعاون وتقدير فكريين متبادليين. فقد كان الشافعي يزور السيدة نفيسة كثيرا، وفي شهر رمضان كان يؤم الناس في صلاة التراويح بمسجدها، فقد كان الشافعي بلا منازع أحد العلماء الأكثر محاذاة للمنكبين ومعرفة بالسيدة نفيسة، أخذ من علومها الدينية الشيء الكثير، في الوقت الذي هو نفسه يعتبر من أكبر العلماء الذين عرفهم العصر، كما كان يحضر مجالسها، وكانا يتناقشان معا في قضايا مختلفة تتعلق بالفقه وأصوله، وقد عرفت علاقتهما قوة كبيرة لدرجة أنه لما يمرض كان يسألها الدعاء له. ويذكر أن الإمامَ أحمد بن حنبل كان يحضر مجالس السيدة نفيسة. فهذه العالمة تتلمذ عليها إذن اثنان من كبار العلماء المسلمين في العالم، الشافعي وابن حنبل.

وحيث إنه لا نستطيع ذكر كل النساء العالمات في التاريخ الإسلامي، نكتفي بذكر أسماء بعضهن أمثال زينب بنت عباس البغدادية، التي عرفت بعلمها في الفقه وكانت تحضر مجالس الإمام ابن تيمية، وشهدة بنت الأبرة العالمة الكبيرة في الحديث التي درست علماء كبار كابن الجوزية وابن قدامة المقدسي. وأم حبيبة الأصفهانية التي يذكر المنذري أن هذه العالمة أجازته.

كانت هناك أيضا ست الوزرة التي أصبحت في عصرها سلطة دينية في بغداد وكانت مختصة في علم الحديث وكذلك في الفقه الإسلامي، واعتبرت “مسندة” في عصرها. وكانت محاضراتها عن الصحيح وعلوم إسلامية أخرى معروفة مشهورة في دمشق كما في مصر.

زينب بنت أحمد (740م/1339هـ)، كان من عادتها إعطاء الدروس في مسند أبي حنيفة، وأيضا في شمائل الترمذي والطحاوي، وقد درس ابن خلدون عنها وعن غيرها من النساء العالمات عند مروره بدمشق.

وآخر امرأة محدثة فهي فاطمة الفضيلية بمكة حيث أسست مكتبة كبيرة وكانت تقوم بتدريس العلماء في مكة المكرمة وكانوا يحضرون لدروسها حصلوا على إجازات علمية منها.

وفي الختام:

مع أن النساء في القرون الأولى للوحي كن موجودات في كل مراكز المعرفة (وكانت المساجد تمثل هذه على الخصوص) وشاركن إلى جانب الرجال في تعليم وتحفيظ العلوم الإسلامية، لم يعد لهن ذكر في الخطابات الدينية المعاصرة، وأقصين اليوم من المراكز الكبرى للمعرفة الدينية  لأنهن نساء، ولم يعد لهن الحق في الكلمة في مساجدنا المعاصرة.

ونجد في كثير من المخطوطات التاريخية لكثير من العلماء أسماء لنساء عالمات درسن لجموع مختلطة في حلقات دراسية، وفي هذه الحلقات الدراسية العلمية لم يكن هناك إبعاد لهن وكن يحضرن بصفتهن طالبات ومعلمات.

لقد اشتهرت إلى غاية القرن العاشر الهجري النساء العالمات المعروفات أمثال المسندات اللواتي يصادقن على صحة متن الحديث. ونجد أسماءهن في مخطوطات شهادات الإجازات التي يسلمن لطلبتهن الذين يحضرون دروسهن حيث توجد توقيعاتهن. وبقيت النساء العالمات يعطين الإجازات علنا حتى زمن الفتح العثماني[14].

نلاحظ اليوم أن المسلمين اعتادوا فقط على أسماء بعض النساء في عصر النبوة، في حين يجهلون آلاف النساء العالمات الموجودات خلال القرون الأولى بعد الجيل الأول. وهذا يشكل فراغا كبيرا في ذاكرة هذه الحضارة، ونهمل بُعدا في تاريخنا المتميز.

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم العلوم الإسلامية عند الجيل الأول تشمل كل العلوم وليس فقط العلوم الدينية، الطب والفلك والأدب العربي إلخ..

وكان تدريس العلوم الإسلامية يشمل الرجال والنساء، ولا نجد من بين الأولين إلا عددا قليلا لم يدرس عند امرأة، لقد كان طلب العلم حقا للرجال والنساء على حد سواء، ولم يكن ثمة فصل بين الرجال والنساء أثناء التعلم أو التعليم، وفي هذا العصر قلما تجد عالما لم يدرس على النساء العالمات.

إن التزام النساء بالعلوم الإسلامية عموما (علم الكلام والتاريخ والشريعة والنحو) ودورهن البارز في إغناء المعرفة والتعليم كان دورا لا يمكن إنكاره، لكنه بدأ يتراجع منذ القرن العاشر الهجري، حيث بدأ اسم النساء في العلوم الإسلامية ينقص بشكل ملحوظ.

بعد القرن السادس عشر الميلادي إذن بدأ عدد النساء العالمات ينقص جذريا، وبدأ تهميشهن شيئا فشيئا، بعدما أصبحت وظيفة العلماء رسمية. هذا التراجع الذي عرفته إضافات النساء يعكس التراجع الذي عرفته الحضارة الإسلامية عموما.

وبالتالي فتراجع الحضارة الإسلامية يتوافق مع التراجع المستمر لتراجع إسهامات النساء في تحصيل العلم ونشره. وتبقى هذه المرحلة من التاريخ تحتاج إلى توضيح ودراسة! فاختفاء النساء عن هذا المجال كلف الحضارة الإسلامية كثيرا وكانت له نتائج خطيرة على تراجعها.

وكما أوضح ذلك أكرم ندوي، فحرمان النساء وإقصائهن عن دائرة العلم شبيه بوأد البنات وهن على قيد الحياة في عصر الجاهلية. وعليه فمن يحرمهن من العلم يحرمهن بكل بساطة من أن يعشن حياة حرة ككل إنسان له عقل وذكاء وأقبرن ونه على قيد الحياة! إن إقصاء النساء عن دوائر العلم وحبسهن في الحريم حيث اعتبرن مجرد أجساد لقضاء متعة أو وقت فراغ أو شهوة تافهة، وبذلك بدأ رسميا دفن كل ما يمثل غنى الحضارة الإسلامية.

رابعا: تهميش النساء بين تراجع الفكر الإسلامي والاستعمار.

يجعل الكثيرون بداية تراجع الحضارة الإسلامية مع سقوط غرناطة آخر مملكة بالأندلس سنة 1492، ولكن تراجع الحضارة الإسلامية بدأ حقيقة بعد غزو المغول للإمبراطورية العباسية. فسقوط بغداد سنة (1256م) عاصمة العالم العربي الإسلامي يعتبر مبدأ سقوط الحضارة الإسلامية.

وترجع أسباب تراجع الحضارة الإسلامية إلى أسباب متعددة منها ضعف مراكز القوة السياسية والقضاء على إمبراطورية الخليفة ثم المملكات الصغيرة، ولكن خصوصا وهو الأهم بسبب تراجع العلم وإسهامات المسلمين في الحضارة العالمية، وبعدما أعطت الحضارة الإسلامية أفضل ما عندها في أكبر مراكز المعرفة مثل بغداد والقاهرة وقرطبة وفاس إلخ… بدأ نور هذه المراكز ينطفئ شيئا فشيئا ويتصلب حتى سقط في ظلمة الخمول الفكري.

إن أسباب هذا التراجع الحقيقية متعددة ومعقدة ويبدو أنها سر غامض، بالأخص ما يتعلق منها بحرية التعبير وسبب التأويل العقلي. فمع العباسيين بل قبلهم بدأ تحرك العلماء الخاضعين تماما للسلطة السياسية وأصبح مفهوم “الطاعة” للسلطة السياسية مقدسا بقصد منع التفكير وروح النقد. وظهر الإسلام الفاقد لجانبه العقلي فكانت بداية انغلاق الفكر الإسلامي.

التقليد أو التقليد الأعمى للسلف أصبح الفضاء الوحيد للمناقشات الدينية، وأصبح العصر الذهبي هو عصر النبي صلى الله عليه وسلم العصر المثالي بهدف جعله عصرا مثاليا بعيد المنال وبالتالي منع كل جهد فكري يسعى إلى فهم مرتبط بسياقه، حيث سيحاكم على أنه فهم مبتدع.

ومع أن مؤسسي المذاهب الفقهية الأربعة لم ينصوا أبدا على أن آراءهم كانت “مقرارات” نهائية، فقد أصبحوا في مرتبة رفيعة لا تقبل المس واستنباطاتهم التفسيرية أصبحت نصوصا مقدسة صالحة لكل زمان ومكان، مما ترتب عنه ضرب كل فهم جديد ومنعه، بدعوى أن الأولين فكروا في كل مشاكل الإنسانية ووجدوا لها حلولا.

وبذلك انتصر التقليد على العقل، لما حوربت الفلسفة وشل التفسير واقتصر على التفسيرات الأولى، فتطور الجانب الفقهي في العلوم الإسلامية، وبدأ اختفاء الأخلاق العقلية والصوفية الإسلامية في مقابل الجانب الفقهي الذي بدأ يتضخم ويعارض حقل المعرفة الدينية.

فأصبحت كل معرفة أو علم (التفقه والفقه) أو كل بعد ديني يمر على يدي الفقهاء وسلطتهم، الذين أصبحوا بقوة الأشياء حماة الدين.

ولكن كلما شاركت النساء في بناء العلوم الإسلامية عموما، كن غائبات في بناء الفقه الإسلامي. وعلى هذا المستوى صادفنا أحكاما إقصائية للنساء ومفاهيم فقهية تعزز تهميش النساء وإقصائهن من مجال المعرفة الاجتماعي والفكري.

وقد زامن تراجع العالم الإسلامي مع تراجع الفكر الإسلامي وإسهامات النساء العلمية عموما. كلما هوت الحضارة الإسلامية أصبحت النساء مختفيات والفكر الإسلامي منغلقا على ذاته، في حالة السبات هذه والضعف حيث وجدت كل المكونات التي هيأت الأرضية (الاستعمار والقابلية للاستعمار[15]) لكارثة الاستعمار، لقد تم قصر المعرفة الدينية على ما ألفه الأولون، ولم يكن للعالم المسلم ليدافع عن نفسه ضد المستعمر إلا هذه التقاليد والعادات الثقافية، فحاصر المسلمون أنفسهم خلف ذواتهم وحافظوا على ما بقي لديهم من تقاليد وخاصة “حماية” النساء من العنف الاستعماري.

فأصبحت النساء رهينة مزدوجة رهينة من جهة تخلف الفكر والعلم الإسلاميين، ورهينة من جهة أخرى للصدمة الناتجة عن اللقاء مع الحداثة الداخلة عن طريق الاستعمار الثقافي. من هنا بدأ تطوير الصورة المهينة عن النساء في الإسلام الموجودة اليوم والتي روجت لها المدرسة الاستشراقية التي سبقت الاستعمار.

مع أن النساء كن خلال القرنين التاسع والعاشر بفضل الإسلام سلطة دينية لا جدال فيها للمعرفة والعلوم، فقد أصبحن في نهاية القرن التاسع عشر ممنوعات حتى من دخول المعرفة والتعليم باسم الإسلام!

بعدما كانت النساء في العصر الوسيط قاضيات ومحدثات ومفتيات ومفسرات ومعلمات أصبحن بعد دخول الحداثة ممنوعات من كل وظيفة بدعوى الحفاظ عن الهوية أو الحماية من المستعمر الذي يمثل قيما حداثية لا تتوافق مع الإسلام. كل ما يعتبره المستعمر أو الغرب قيما كونية حتى وإن كانت هذه القيم في أصلها إسلامية في معناها الأخلاقي، كان المسلمون يحتجون عليها باعتبارها رمزا لِما يرد من الخارج الإمبريالي.

إلى غاية اليوم وفي مناقشاتنا المعاصرة لما بعد الحداثة لازال إصلاح الفكر الإسلامي وتحرير النساء يعاني من هذا الانقسام في الفكر حيث لا نستطيع الانفكاك عن هذه الرؤية المزدوجة التي تفرض علينا رفض كل ما نظنه دخيلا على ثقافتنا لمجرد أنه غربي. إذ نخلط بين ما هو إضافة كونية وما هو إضافة خاصة بثقافة ما. لقد شاطر المسلمون خلال العصر الذهبي قيمهم الكونية مع باقي الإنسانية، ولا أحد حاكم القيم الإسلامية في ذلك العصر على أنها غير مقبولة لكونها قادمة من ثقافة مختلفة، بل بالعكس استعاد الغرب كل القيم الإسلامية للعصر وطوروها لتصبح على ما هي عليه اليوم.

خامسا: خاتمة: أهمية إعادة بناء الفكر الإسلامي من خلال إسهامات النساء لبناء عصر إسلامي جديد.

لا يمكن إعادة بناء الحضارة الإسلامية بدون اعتبار إضافات النساء المسلمات وإسهاماتهن الحيوية في كل المستويات الاجتماعية.

وعليه لابد من إعادة تقييم إسهامات النساء ودورهن في الحضارة الإسلامية بهدف إيقاظ روح الابتكار في المجتمعات العربية الإسلامية اليوم.

إن انخراط النساء في إعادة بناء الفكر الإسلامي وإصلاحه ضروري، ولكن يجب أيضا إعادة تعريف مصطلحات هذا الإصلاح للفكر الإسلامي الذي مع كل الجهود المبذولة لم يبدأ بعد.

لا أحد يشك اليوم في أهمية إسهام النساء في انتقال المعرفة والقيم في المجتمعات المعاصرة، ولكن ثـقل العادات الثقافية وبعض القراءات الإقصائية للنساء يمثلون حاجزا حقيقيا لبناء مجتمع متساو ينطلق من نهضة الحضارة العربية الإسلامية، هذه الحضارة التي لن تستطيع أن تكون نموذجا للتقدم إلا عندما تستعيد العلم الكوني باعتباره ذو فائدة للإنسانية كلها وأن الرجال والنساء المسلمين يساهمون على حد سواء في هذه الحضارة الإنسانية العالمية.

——————————————————————————–

[9] Akram Nadwi, « the muhaditates »,  introduction d’une encyclopédie  de 40 volumes qui sera  produite par l’université d’Oxford.

[10] “ككتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير، “سير أعلام النبلاء” شمس الدين الذهبي.

[11] في سلسلة الأحاديث المروية مثلا عن سلام الفزرية نجد نساء من الكوفة عند ابن حجر.

[12] « women in the Hadith Literature » in http://globalwebpost.com/farooqm/islam/goldziger.htm.

[13] حضرت خلال تلقيها للعلم لحلقات الإمام مالك بن أنس.

[14] Ignaz Glodziger, « Muslims studies », Vol 2, p 366- 368.

[15] Concept du penseur Malek Ibn Nabi

‫4 تعليقات

  1. حاولتُ في هذه المحاضرة التي ألقتها الأستاذة لمرابط أن أستخرج ما يمكن اعتباره جنُوحا إلى الطوبوية والتجرد عن المعرفة المبنية على صلة البحث بالتراث وبالأصول الشرعية ولكني لم أجد ذلك، بل وجدت قيمة علمية تمتح من التراث الإسلامي ومن أصول المعرفة الاسلامية وأظن أن نموذج أسماء لمرابط سوف يكون بلا شك وكما كان دائما نبراسا للتجديد يعالج القضايا من الداخل برؤية منفتحة على الخارج دون انسلاخ ودون تحيز.
    أسأل الله لها الحفظ والصون والمزيد من التألق والعطاء.

  2. أرجو إرسال هذا المقال القيم لبريدى الألكترونى الموضح ، لاهتمامى بكل مايهم المرأة سيما فى العلوم الشرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق