مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

دور النساء في بناء الحضارة الإسلامية ج1

د. أسماء المرابط

من أهداف القرآن الأساسية بناءُ حضارة إنسانية على هذه الأرض، تعكس أخلاقيات العدل والمساواة الإلهيين، لهذا دعت الرسالة الروحية للإسلام الرجال والنساء لتشييد هذه الحضارة، من خلال مفاهيم هي عبارة عن مفاتيح أساسية، كمفهوم الاستخلاف الذي يعتبر تدبيرا بشريا للأمانة التي حمَّلها اللهُ الإنسانَ على هذه الأرض. إن مسؤولية هذه الرسالة المهمة يتحملها الرجل والمرأة على حد سواء، للحفاظ على ما أودعه الله بين يديهما وهو تدبير ما يزخر به هذا العالم من ثروات.

وقد استقبل المسلمون الأوائل هذه الرسالة، وفهموها، واستطاعوا، بشهادة التاريخ لهم، أن يُشيّدوا العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ولازلنا إلى يومنا هذا نلمس إضافاتهم –رجالا ونساء- في مجموع الحضارة الإنسانية، من خلال الأسس التاريخية لمعرفةٍ متعددةِ الاختصاصات، تنطلق من علم الاجتماع إلى العلوم التجريبية، مرورا بعلم الفلك وحكمة الفلسفة الإسلامية. ومع أن تخلف الحضارة الإسلامية يرجع إلى أسباب مختلفة ومتعددة، فتجدر الإشارة إلى أنه يرجع بشكل كبير إلى تهميش أعمال النساء، اللواتي أُبعدن مباشرة بعد مرور القرون الأولى للوحي عن مجال المعرفة والعلوم، بسبب تعنت التقاليد الثقافية المناقضة لمبدأ المساواة الإسلامي. ومن صدمة الاستعمار إلى صدمة الحداثة كانت النساء ضحايا بالاختيار للتخلف التدريجي للحضارة الإسلامية.

والهدف الذي تروم هذه الورقة تحقيقه هو من جهة أولى، إلقاء الضوء على معطى قلما يُلتفت إليه، سواء على المستوى التاريخي أو الفكري، وهو غياب النساء المسلمات في بناء الحضارة الإسلامية.

من جهة أخرى تحاول الورقة أن تُذكِّر بأن قيام كل نهضة حضارية لن يتحقق إلا بالرجوع إلى المعنى الأصلي والأخلاقي لرسالة القرآن، ونظرته العادلة لتسيير وبناء حضارة إنسانية حقة ومتوازنة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عن طريق إصلاح عميق للفكر وللفقه الإسلاميين، والذي يجب أن نعترف أنهما بقيا حبيسين لنظرة تمييزية ازدرائية للنساء، مع أنهن، كما صرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم شقائق الرجال في بناء حضارة حقيقية ومزدهرة.

أولا: مقدمة

من المعترف به عالميا أن بناء الحضارة الإسلامية بدأ مع بناء أول مجتمع في المدينة المنورة، وأن القرآن كان بلا شك حجر الزاوية الذي قامت عليه أسس الحضارة الإسلامية. وتعتبر الهجرة ميلاد المجتمع المسلم الأول الذي قطع الصلة مع النظام الاجتماعي القديم القائم على إذلال وقهر الإنسان.

ويعتبر دستور المدينة –في نظر الكثير من المستشرقين- أول دستور مكتوب في العالم، يعكس روح أول مجتمع نشأ وتربى على الإيمان والمساواة، وبالتالي يعكس خاصية عالمية الإسلام. فبفضل الإسلام والقرآن والمبادئ التي يحملان -العدالة والحرية –  استطاعت الحضارة الإسلامية أن تولد في المدينة المنورة وتتألق لعدة قرون في ثلاث قارات، في الهند وفي إسبانيا وفي آسيا الوسطى وفي قلب أفريقيا. فكانت حضارةً، كما يقول البعض، استطاعت أن تهيمن على العالم[1].

والحضارة الإسلامية، التي بنيت على أساس الرسالة الروحية التوحيدية الخاتمة، تمكنت في أقل من قرن من وفاة نبي الإسلام، أن تحكم تقريبا كل أجزاء العالم المعروفة في ذلك العصر. وازدهرت وتطورت بفضل عقيدة هي عقيدة الإسلام، واعترف لها بذلك جميع المؤرخين، بما فيهم غير المسلمين الذين أقروا أن هذه الحقيقة لا يمكن إنكارها، فهذا الدين باعتباره رسالة مهيكلة أنشأ الركائز الأولى لهذه الحضارة التي أربكت المنظومات الثقافية لكل المجتمعات التي اتصلت بها.

إن الحضارة باعتبارها “حياة اجتماعية” أو “عمرانا بشريا”، فهي على حد تعبير ابن خلدون ضرورية للبشرية ونموها. ومن مبادئ النصوص الإسلامية الكونية نهلت الحضارة الإسلامية لبناء التقدم الذي حققته، وأعطت أفضل ابتكار وإبداع عرفته الحضارة الإنسانية، وذلك لمدة سبعة قرون استطاعت خلالها تحمّل أهم ما في ثقافة البحر الأبيض المتوسط، إن لم يكن جميع ثقافة العصور الوسطى.

لقد كان البناء الاجتماعي لهذه الحضارة ثمرة لجهد ولإبداع الإنسان رجالا ونساء الذين شاركوا جميعا في بناء المجد لثقافة إسلامية عالمية، فالمجد والنجاح الذي حققته الحضارة الإسلامية خلال قرون لم يكن من قبيل الصدفة، بل جاء نتيجة عمل فكري جاد وعقل مستنير بالأخلاق القرآنية، التي اتبعها المفكرون المسلمون علماء وفلاسفة واحترموها طوال حياتهم.

وقد أسهمت النساء -على الأقل خلال القرون الأولى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم- في روعة تلك الحضارة، وإن كان التاريخ لا يذكرهن اليوم. إذ لا يمكن أن نتصور أن هذه الحضارة قد حققت هذا النجاح والانتصار لولا وجود النساء ولولا إسهاماتهن لبلوغ هذا الازدهار. ولا غرابة في ذلك مادامت روح رسالة الإسلام جاءت لتخرج الرجال والنساء من حالة “الجهل” إلى حالة “العلم”. هذا العلم الذي يقول عنه رسول الإسلام إنه فريضة على كل مسلم ومسلمة. فقد تمكن النساء والرجال، متشبعين بقوة المعرفة معززين بالإيمان، من إعطاء أفضل ما لديهم، وترك بصماتهم في دورة التاريخ الإنساني.

ولتحليل دور المرأة في بناء هذه الحضارة، ينبغي، في مرحلة أولى، النظر وإعادة اكتشاف المفاهيم القرآنية التي مكنت من تشييد حضارة إسلامية أثرت بوضوح في جميع العالم، ولها أفضال على البشرية جمعاء لا يمكن إنكارها[2]. ثم في المرحلة الثانية، إعطاء قيمة لإسهامات هؤلاء النساء أنفسهن في تاريخ الحضارة الإسلامية، وأخيرا محاولة تحليل أسباب تراجع هذه الحضارة التي صاحبها بشكل غريب تهميش بل استبعاد للنساء عن الفكر الإسلامي ركيزة الحضارة.

ثانيا: المفاهيم القرآنية: دعوة للرجال والنساء للمشاركة في البناء الحضاري:

يتفق غالبية المفسرين القدامى والمعاصرين في التذكير أن رسالة القرآن الكريم هي دعوة عالمية تخص بشكل تام ومتساو كلا من الرجال والنساء. وباستثناء بعض الآيات التي خاطبت على الخصوص الرجال أو النساء، فإن معظم آيات القرآن تتوجه بالخطاب لهما معا على حد سواء ودون تمييز.

وبهذا المعنى ينبغي إعادة قراءة بعض المفاهيم الأساسية لهذه الرؤية القرآنية العادلة، التي للأسف غالبا ما كان ُينظر إليها على أنها خطاب موجه بشكل أولى للرجال بل اعتبرت خطابا مقصورا على الرجال فقط.

المفهوم الأول: الاستخلاف.

يرد في قلب القرآن مفهوم رئيس هو مفهوم “الاستخلاف” الذي يشهد على العلاقة الوثيقة التي تربط الرجال والنساء بخالقهم، هذا المفهوم يعكس العطايا المختلفة التي وهبها الله للإنسان والتي ترمز بشكل شمولي إلى إحدى المهام الأساسية التي قلَّد اللهُ مسؤوليتَها للرجال والنساء، وهي مهمة بناء الحضارة الإنسانية على وجه الأرض.

ومع أن هذا المفهوم يرد مرات عديدة في القرآن الكريم بصيغ مختلفة، فإن التفسير المشترك له هو الخلافة. في الواقع، إن “الاستخلاف” بمعنى الخلافة، يرمز دائما إلى خصوصية تدبير شؤون العالم التي أوكلها الله للبشر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[3]، فهذه الآية مركزية في التصور الأول للإنسانية.

تتفق الغالبية العظمى من المفسرين على أن هذا “الخليفة” هو الإنسان – بني آدم – أو الجنس البشري خلال المبادرة الأولى التي اتخذها الله لإعمار الأرض[4]. بل هو وسيلة لتكريم البشر من خلال منحه وظيفة رمزية هي “إدارة” ما وهبه الله وهو خلقه.

هذا “الاستخلاف” تكريم منحه الله للبشر دون غيره من المخلوقات، وبهذا المعنى فُضل الإنسان عن الملائكة الذين رغم مكانتهم الروحية العالية لم يشأ الله تعالى أن يؤهلهم لتحمل هذه المسؤولية الثقيلة.

إن هذه الخلافة التي حمّل الله مسؤوليتها للإنسان هي قيمة اعتبارية له، لا نظير لها تجعل من قيمة الإنسان فضيلة لا تقدر بثمن ولا مثيل لها عند باقي الخلق. لقد خص الله الإنسان بالعقل وبه جعله على رأس الخلائق للقيام بهذه الوظيفة العليا المتمثلة في عمارة الأرض وتنظيم أشكال وجوده في هذا العالم.

لكن هذه المهمة التي جعلت من البشر، رجالا ونساء، ممثلين للإرادة الإلهية على الأرض، هي أيضا قبل كل شيء مسؤولية كبيرة تتمثل في الحفاظ على الخلق وثرواته وكنوزه الطبيعية. إن مسؤولية استخدام هذه الموارد دون استنزاف تتمثل في احترام القوانين الطبيعية وحماية مواردها.

يجب أولا وقبل كل شيء أن تُفهم هذه الخلافة – الوديعة أو الأمانة-، وأن يعيشها كل رجل وامرأة في حياتهم اليومية على أنها إدارة مسئولة وواعية بالتحديات التي تواجه هذه المهمة الإنسانية على الأرض.

 إن مفهوم القرآن للخلافة، مشروط قبل كل شيء بهذه المسؤولية التي يجب أن يتحملها كل إنسان على وجه الأرض. وإذا كان البشر هم خلفاء فليس بالمعنى الحرفي للكلمة، أي ممثلين لله على الأرض، ولكن ممثلين أو أوصياء على المهمة التي عيَّنهم الخالق للقيام بها على الأرض.

يجب إذن أن نرجع إلى المنبع الروحي وإعادة اكتشاف المعنى الأصلي للخلافة التي تريد قبل كل شيء إحياء الشعور بالمسؤولية عند الرجال والنساء في هذه الحياة الدنيا.

ولكن تحت هذه “المسؤولية” الملقاة على عاتق البشر رجالا ونساء، يندرج مؤهل آخر مُنح للبشر وهو “الحرية”! فالحرية والمسؤولية يسيران جنبا إلى جنب، ويرتبط هذان المفهومان برابط أخلاقي مشترك بينهما يجعلهما يسيران معا دون أن يستغني أحدها عن الآخر.

هذا المفهوم المركزي في تدبير العالم كما وصفه القرآن، بإمكاننا إعادة استثماره من جديد خصوصا في الوقت الراهن الذي نتكلم فيه عن المساواة بين الجنسين وضرورة انخراطهما السوسيو اجتماعي في الفضاء العام؛ المساواة في الحرية والمسؤولية في الاختيار والعمل، والإدارة، والمشاركة في تنمية المجتمع والعالم الذي يعيشون فيه.

يتبين إذن أن دعوة القرآن الكريم، واضحة ولا نستطيع تصور الحياة على الأرض إذا لم نأخذ بعين الاعتبار المسؤولية الضخمة التي حملنا الله إياها باعتبارنا بشرا. صحيح أن تعاليم القرآن تشير إلى أحكام الله الأزلية التي تسمى أيضا “القدر” ولكن في الوقت ذاته يؤكد أيضا على المسؤولية البشرية[5].

وبالتالي فإعادة قراءة هذا المفهوم أمر بالغ الأهمية لأن فهمه يبعث روح المساواة الذي تتضمنه الرسالة الروحية للإسلام التي تحمل المسؤولية للرجال والنساء على قدم المساواة ودون تمييز. فهذه المسؤولية ملقاة على جميع البشر، بعبارة أخرى فكل رجل وامرأة مستأمن على هذه الوديعة الإلهية، ودرجة وعينا بهذه الأمانة الثقيلة هو الذي يشهد على مدى التزامنا الروحي للحفاظ والإنتاج والإسهام في إغناء الحياة على الأرض.

فالخلافة إذن هي هذه “المهمة” التي كلفنا بها الله جميعا، رجالا ونساء في هذه الحياة الدنيا، ومن أول واجبات كل امرأة وكل رجل أن يتذكر هذه المهمة التي خُلق من أجلها. إن إحياء ذكرى الخلافة فينا يعني إحياء ذكرى الكرامة الروحية التي أعطانا الله رجالا ونساء لتحقيق هذه المهمة الكامنة في إنسانيتنا.

 
المفهوم الثاني: الولاية

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[6]

مفهوم الولاية هو أحد المفاهيم الرئيسية التي ترمز إلى التزام متبادل ومتكافئ بين الرجال والنساء في الحياة الاجتماعية وبالتالي في بناء الحضارة.

والولاية مبدأ قرآني يدعو الرجال والنساء إلى التعاون المتبادل من خلال ميثاق روحي وعاطفي على أساس قاعدة مشتركة هي الإيمان بالله ورسوله. إن قلوب المؤمنين والمؤمنات تتحد بمشاعر الحب والمودة والتقدير وهذه الروابط يُقوِّيها الإيمان[7]، الذي تكشف عنه كلمات مثل “أولياء” – بعضهم حليف بعض- بالتشارك والانسجام.

فالنساء والرجال الذين يتقاسمون هذا الإيمان بينهم، يشعرون أن بعضهم يقوي البعض بالإيمان… فالإيمان هو الذي يوحد بينهم ويربط بينهم فيما هو أعمق: في قناعاتهم الشخصية…

إن مصطلح “الولاية” في هذه الآية، يجسد هذا الميثاق الغليظ وهذا الترابط الداخلي الوثيق للقلوب المراد من قبل الخالق أن يكون بين الرجال والنساء. فالقرب بين القلوب يساعد في العمل اليومي ويسهل الإدارة المشتركة لشؤون الحياة الدنيوية ولكن أيضا، كما ورد في آخر الآية، يساعد على تدبير جماعي للإيمان من خلال أفعال العبادة والصلاة والزكاة والتقوى العميقة.

هذه “الولاية” التي توحد القلوب والأعمال، ليست سوى تكريسا فعّالا لمساواة بين الرجال والنساء، مساواة تترجم في الحياة اليومية، من خلال أفعال ملموسة وأعمال التضامن الإنساني، حيث المعيار الوحيد لتقييم هؤلاء وأولئك هو قيمة الإنتاج ودرجة العمل والوعي.

هذه الأفكار مع وضوحها، لا نعثر عليها في معظم التفاسير التقليدية حيث نلاحظ أن هذه الآية للأسف يُقفز عليها وتفسر بشكل فضفاض. ومع أن الآية واضحة بل لا جدال فيها بخصوص المساواة بين الرجال والنساء، لاسيما في إدارة الشأن العام أي في المجال السياسي والاجتماعي فإننا نجد التفاسير التقليدية تغيبها بشكل تام.

ولكن في هذه الآية إشارة بالغة الأهمية تمثل قلب هذه الآية وهي الدعوة إلى العمل لفائدة “الصالح العام” والكف عن السيئات وهي دعوة سابقة عن الدعوة إلى القيام بأعمال العبادة، لأنها مبدأ مستقل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

من جهة أخرى، يصف القرآن مثالية المؤمنين والمؤمنات باعتبارهم أولا وقبل كل شيء أشخاصا يساعد بعضهم بعضا وبشكل متساو في الحث على عمل الصالح العام “الأمر بالمعروف” والنهي عن فعل السيئات، ثم يؤدون الشعائر الدينية من صلاة وزكاة، ودائما في شكل متحد ومتضامن. وتعتبر هذه الوصية القرآنية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من قبل معظم العلماء على أنها حاملة أهم المبادئ القرآنية وهو إقامة العدل وتحقيق الصالح العام في المجتمع أو الجماعة حيث نعيش.

هذه الدعوة المطلوبة من الرجال والنساء تعتبر ذات أهمية قصوى في كل زمان لأنه من خلال تجسيدها على أرض الواقع الاجتماعي يمكننا قياس درجة مدى التزام الأفراد بالمشاركة في بناء مجتمع عادل ومتساو أخلاقيا.

إن دعوة القرآن الرجال والنساء لتحمل هذه مسؤولية في التدبير السياسي لمجتمعهم تعادل المبدأ الرئيسي لمتطلبات الديمقراطية التي تقوم في نموذجها الأمثل على المساواة بين كل المواطنين. وفي هذا السياق يجب أن يدرك “مفهوم الولاية” في مجتمعاتنا المسلمة في هذا العصر عند البحث عن الديمقراطية باعتبارها ملزمة للمواطنة المتساوية.

 عندما دعا القرآن المؤمنين والمؤمنات لإذاعة “الصالح العام” (الأمر المعروف) والكفِّ عن السيئات (النهي عن المنكر) فقد فعل ذلك تشجيعا على مشاركة سياسية واجتماعية فعالة. فمن منظور القرآن يجب على الرجال والنساء المشاركة في تدبير الشأن العام والتدخل بشكل متساو في صنع القرار السياسي.

 إن مفهوم “الولاية” كما حددته هذه الآية يدل على ضرورة وجود شراكة سياسية متساوية تماما بين النساء والرجال في إدارة الشأن الاجتماعي والسياسي الذي يعملون فيه.

ولكن، شأنه في ذلك شأن غيره من المبادئ التي وضعتها رسالة القرآن الكريم الخالدة، من المؤسف أن نلاحظ أن هذه الآية مع كل ما تنطوي عليه من مفاهيم التساوي مثل الولاية، أو الشراكة السياسية، والمواطنة والعمل السياسي من أجل “الصالح العام” للكل، لم تعط لها القيمة التي تستحق في الفكر الإسلامي، ولم تحظ بالأهمية التي يجب أن تحظى بها مقارنة مع غيرها من المبادئ أو المفاهيم التي تعتبر ثانوية مقارنة بها، ومع ذلك أصبحت مع مرور الوقت ذات أولوية عليها في فكر عدد كثير من المسلمين بسبب الترويج لها من قبل الإيديولوجية الحرفية، وكل هذا ناتج عن فقر مدقع في الثقافة الإسلامية[8].

إنه من الضروري اليوم أن نعيد قراءة هذه الآية ونعلن عن المبادئ التي تكشف عنها لاسيما أنها في هذا الوقت ذات راهنية كبيرة ولها دلالات عالية في السياق الإسلامي المعاصر.

لابد أيضا أن يستعيد هذا المفهوم “الولاية” أهميته ويصبح مفهوما مركزيا في العلاقة بين الرجال والنساء، ومن الواجب علينا أن نعيد قراءة سائر المفاهيم القرآنية المتعلقة بالنساء على ضوء مفهوم “الولاية” وإعادة تعريفها من أجل اكتشاف وتأسيس روح المساواة التي ترتكز عليها الرسالة الروحية للإسلام. وباحترام هذا الشرط يمكننا تحليل وفهم المسائل الأخرى المتعلقة بالنساء والرجال، خاصة وأن كثيرا منها بقي رهين فهم عصر الرسالة.

——————————————————————————–

[1] Wolf jean : « l’héritage d’une civilisation qui domina l’univers », le Monde, archives.

[2] انظر التصريح الجماعي لستة وخمسين باحثا في التاريخ والفلسفة الوسيطية: “نعم، الغرب المسيحي مدين للعالم الإسلامي”

 Libération, Avril 2008. http://www.islamlaicite.org/article906.html

[3]  سورة البقرة، آية: 30.

[4] تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، دار الحديث القاهرة، طبعة 2003، الجزء الأول، صفحة: 90.

[5] أزيد من 300 آية تشير  إلى مسئولية الإنسان تجاه أفعاله.

[6]  سورة التوبة، الآية: 71.

[7] انظر تفسير “فتح القدير” الشوكاني الآية 71 من سورة التوبة.

[8] هذا مثال لمفاهيم قرآنية ترتبط بالمظهر الخارجي ( تخاطب الرجال والنساء) والتي اقتصرت فقط على الموضوع الوحيد المتعلق بالحجاب بالنسبة للنساء، والذي يبقى موضوعا ثانويا مقارنة بمفاهيم قرآنية أخرى بما في ذلك موضوع الولاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق