مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

“حقوق النساء بعد “الربيع العربي”. الجزء 2

إلياس بوزغاية

 

 

في اليوم الثاني من المؤتمر العالمي حول “حقوق النساء بعد الربيع العربي” استهلت أولى الجلسات بموضوع “النساء والسلطة – النساء والمشاركة السياسية”. انصبت معظم المداخلات في إطار إبراز الدور الهام الذي يجب أن تضطلع به المرأة في الوقت الراهن لتكون مستفيدة من السلطة ومشاركة فيها. ركز الدكتور مينو فيانويلو، الأستاذ المبرز بجامعة روما وجامعة كولومبيا على العلاقة التي تربط بين المرأة والسلطة والحياة العامة حيث لمح إلى تداخل العلاقة بينهم في إطار التأثير والتأثر المستمر. ثم انتقلت الدكتورة عائشة جونيس أياتا القادمة من جامعة أنقرة بتركيا إلى موضوع الشكل والجوهر في سياسة النوع الاجتماعي بتركيا واصفة إياها ب”ليس كل ما يلمع ذهبا” موضحة أنه رغم الإنجازات والخطوات المتقدمة التي خطتها المرأة التركية إلا ان هناك قصورا وإشكالات تشوب سياسة النوع الاجتماعي متعلقة بحدود حقوق المرأة في ظل سياسة الحكومة المحافظة. في آخر الجلسة قدم الدكتور رشيد التلمساني من جامعة الجزائر عرضا حول “النساء والتمثيلية السياسية في دول المفرب الكبير” اشار في معرض حديثه إلى ما يروج في دواليب السلطة من إقصاء ممنهج ضد الإشراك الفعال للنساء في الحياة السياسة وارتباط ذلك بالفساد السياسي والبنية الذكورية للأنظمة رغم تواجد خطابات رنانة تحاول التسويق للعكس.

الجلسة الموالية شهدت اهتماما وتفاعلا كبيرا من لدن الحاضرين حيث جمعت هذه الجلسة كلا من الدكتورة أسماء المرابط والدكتورة نزهة كسوس والدكتورة فاطمة صديقي في تشكيلة متكاملة ألقت الضوء بشكل واضح وغني على إشكالية المرجعية في الخطاب النسائي في المنطقة. ابتدأت الدكتورة أسماء، مديرة مركز الدراسات والبحوث في قضايا النساء في الإسلام بمداخلة بعنوان “قراءة إصلاحية لحقوق المرأة في الإسلام” فاشارت إلى التدافع القائم بين الرؤيتين الحداثية والتقليدية في مقاربة حقوق المرأة وأهمية استثمار كلى الرؤيتين بشكل غير متعارض يحترم التوابث وينفتح على ماهو جديد في ظل النهل من البعد الروحي المتجدد والحداثي للإسلام. شاطرت الدكتورة نزهة كسوس رأي الدكتورة اسماء بالاستمرار في توضيح دور المرجعيات في تأطير مفهوم المساواة بين الجنسين في الدول ذات الأغلبية المسلمة، فشددت على ضرورة الانتباه إلى مدى تداخل المرجعيات بما فيها من مشترك ومختلف وما يمكن لذلك أن يؤثر على الخطابات الاديولوجية بالسلب أو الايجاب، وأوصت في الأخير بضرورة الاهتمام بمحاربة الأمية والفقر بالإضافة إلى زرع قيم المواطنة كمدخل اساس للتغيير. في مداخلة أخيرة للدكتورة فاطمة صديقي، انتقلت إلى مناقشة البعد الأمازيغي للخطابات النسوية المغربية بعد الثورات العربية، فاشارت إلى وجود ثلاث حركات تغييرية حاليا بالمغرب هي الحركة الثقافية الأمازيغية والحركة الإسلامية والحركة النسائية، وأن التفاعل والتداخل الحاصل بينها هو ما يصنع صورة متكاملة عن التغيير في المستقبل. لكن المثير للانتباه هو قلة فعالية النساء داخل هذه الحركات وأن التيارات التي تتبنى الفكر النسائي تبقى دائما رهينة بالوضع السياسي والواقع الثقافي والتخبط في صنع المفاهيم والخطابات.

الجلسة السادسة للمؤتمر تناولت موضوع “النساء والتمكين الاقتصادي”. ناقشت فيها الدكتورة رندة المصري موضوع المرأة والتمكين الاقتصادي، فأشارت إلى الاتباط الوثيق بين مفهوم تمكين المرأة وواقع المرأة التي تعيش الفقر والأمية وما يفرضه ذلك من ضرورة تطوير نموذج للتنمية الاقتصادية للمرأة وذلك بالأخذ بعين الاعتبار عوامل مثل الاستقلالية المادية للمرأة وتطوير مهاراتها القيادية. ابتدأت الدكتورة أمال خروف مما انتهت به المتدخلة السابقة حيث عرضت تجربنها في هذا الميدان الذي أكد لها أن أغلب النساء يرون كرامتهن وحقوقهن محفوظة اكثر عندما يملكن مصيرهن بأيديهن وذلك غالبا ما يكون عن طريق مبادرات التعاونيات والجمعيات المستثمرة والتي تخول لهن الحصول على المال الذي يساوي القوة في نظر المتدخلة. في المداخلة الأخيرة للدكتورة منال العطار عرضت هي الأخرى تجربة مؤسسة أناروز الاجتماعية ودورها في تنشيط العمل الاجتماعي بالمغرب الذي يعد الحجر الأساس لتحسين وضعية المرأة بناء على مخططات استراتيجية وأهداف واضحة من أجل تنمية مستدامة.

وبالموازات مع التمكين الاقتصادي شهد المؤتمر جلسة أخرى بعنوان “النساء والتمكين الثقافي” تحدث فيها المتدخلون عن الحقوق الثقافية للمرأة من منظور عدة بلدان. من المغرب تطرقت الدكتورة رشيدة كركش إلى الحقوق الثقافية للمرأة المغربية من منظور نفسي واجتماعي” حيث نبهت إلى البعد السوسيولوجي والنفسي الذي يؤثر على تشكيل الوعي بحقوق المرأة الثقافية، فمعنى الذكورة والأنوثة والتعبير عنهما من خلال اللغة والأدوار الاجتماعية كلها تساهم في تشكيل حدود الحقوق الثقافية للمرأة. من موريتانيا تكلمت الدكتورة مدينة توري عن النوع والحقوق الثقافية للمرأة بموريتانيا حيث أفادت بأن التنوع العرقي والجغرافي للبلد يلعب دورا في التنوع الثقافي لمفهوم حقوق المرأة بموريتانيا وذلك حسب التدرج العمري للمرأة أيضا. الأمر نفسه ينطبق على الوضع في لبنان حيث التعدد العرقي والمذهبي ينعكس بشكل توافقي متعايش في قانون الزواج المدني الذي يتيح إمكانية التخلي عن أي تعصب طائفي أو مذهبي لصالح التعايش في ظل المساواة والاحترام المتبادل. في الأخير أثارت الباحثة الهولندية هيستر تيالما التجربة الهولدية في النضال نت أجل حقوق النساء، فأشادت بالنظام الديموقراطي الذي تعرفه البلاد لكنها نبهت إلى أن الإشكال الثقافي المتمثل في الثقافة الذكورية تجعل النساء هن الحلقة الأضعف وأسهل من ناحية التأثير علين واستغلالهم سياسيا كما ان نسبة ولوجهن لمناصب اتخاذ القرار تبقى ضعيفة لنفس الأسباب الثقافية.

الجلسة الثامنة للمؤتمر عرفت نقاشا حول الحريات العامة والخاصة بعد “الربيع العربي” وقد افتتح الدكتور عبد اللطيف الزاكي بمداخلة حول النساء المغربيات والحريات الخاصة، وأشار إلى أن حرية الأفراد مرتبطة اساسا بتغيير القوانين التي تكفل لهم هذه الحقوق وأيضا الأساس الفلسفي الذي تنبني عليه. وانتقل الحديث بعد ذلك إلى الوضع المصري مع الفاعل الحقوقي يحيى محمد زايد الذي رسم صورة عن النضال والانتهاكات التي تعرضت لها النساء في مصر في كل مراحل الثورة كما اشار إلى الضعف الذي تشهده المشاركة السياسية للمرأة المصرية. وفي موضوع الحريات العامة كمدخل لإصلاح العدالة تحدثت رئيسة جمعية مبادرات لحماية حقوق النساء اسماء المهدي عن أهمية الحريات العامة كمشروع مجتمعي يساهم في إصلاح منظمة العدالة بقيم ومبادئ متوافق عليها. في الأخير تقدم الناشط الجمعوي من جمهورية ليبيا سيف الإسلام الهنقاري للحديث عن النساء الليبيات من الثورة إلى السياسية، فتحدث عن تجربته في العمل في منظمات نسائية افتقدت الجرءة التي كانت لديها اثناء الثورة وذلك بسبب التفرقة وتعدد المصالح الشخصية واستغلالها سياسيا إلى أن أصبحت هذه الحركات عدوة نفسها.

آخر جلسة عرفت عنوان النساء، الإعلام والتشبيك الدولي، شارك كل من الدكتور بوزيان زايد والدكتورة سيمون سوسكند والدكتورة سارة فاينكولد في تأطيرها، واجتمعت كل المداخلات على التأكيد على ضرورة العمل على زيادة تدويل قضية المرأة والاستمرار في مناقشة مختلف جوانبها ببعد عالمي خاصة مع إمكانية استثمار الشبكات الاجتماعية والرسائل الإلكتروينية من أجل تبادل الخبرات والتجارب. كل هذا سيساهم في رسم خارطة طريق أوضح مع اعتماد استراتيجيات مشتركة تهدف إلى نشر العلم والصحة والعمل خاصة لدى النساء.

اختتم المؤتمر أشغاله بمناقشات ومداخلات الحضور التي أغنت اللقاء وساهمت في كتابة التوصيات التي تمت قراءتها قبل أن يسدل الستار عن حلقة أخرى من الحلقات العلمية حول حقوق المرأة.

     نشر بتاريخ: 11 / 07 / 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق