مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقدية

تقنيات التعامل مع الكتاب المخطوط

   حمدا لمن رفع الذين أوتوا العلم درجات، وجعلهم ورثة أنبيائه ورسله، وخص من شاء بالحكمة والفقه في دينه، وجعلهم قدوة ونبراسا يهتدون بهديه، ويستقون من نبعه، وصلاة وسلاما تامين كاملين على الهادي الأمين، والسراج المنير، محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
   فإن الاهتمام بالتراث الإسلامي المخطوط – الذي ما يزال أكثره حبيس رفوف الخزانات العامة والخاصة-، والعمل على دراسته ونشره، هو إحياء لذاكرة أفذاذه، ولعبقرية جهابذته المخلصين، وإنصاف لجهودهم، وحفاظ على هوية الأمة وحضارتها المستمدة من هدي الإسلام، وربط لماضيها المجيد بحاضرها ومستقبلها.
   لـذا كان لزاما على الطلبة الباحثيـن أن يهتموا بالإرث العظيـم الذي تركـه أسلافنـا –رحمة الله عليهم- بالعمل على إخراجه ونشره بين الناس. خصوصا علوم الشريعة الإسلامية وما يرتبط بها، التي تعد من أشرف العلوم قدرا، وأنفعها على الإطلاق، وعلى رأس هذه العلوم؛ علم أصول الدين أو علم العقيدة …
   وفي هذا الصدد، ونظرا لأهمية الموضوع وخطورة التعامل مع الكتاب المخطوط (والعقدي منه خاصة)، نظم مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بتطوان التابع للرابطة المحمدية للعلماء بقاعة الاجتماعات لقاء تكوينيا في موضوع: “تقنية التعامل مع الكتاب المخطوط”، وذلك يوم 20 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 24 ماي 2011م من الساعة 14 إلى الساعة:19، أطره الدكتور خالد زهري الذي يعمل الآن مفهرسا بالخزانة الحسنية (الملكية) بالرباط.
   وقد تشرف اللقاء التكويني بحضور ثلة من العلماء والأساتذة أمثال رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية بتطوان التابع للرابطة المحمدية للعلماء الدكتور محمد المعلمي، وأستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل وعضو المجلس العلمي المحلي بتطوان الدكتور جعفر بلحاج السلمي، والأستاذ مصطفى بنسباع أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل.
   وقد كان الهدف الأساسي من هذا اللقاء لفتَ انتباه الباحثين إلى أهمية وخطورة العمل التحقيقي، ثم تمكينهم من التقنيات الضرورية للتعامل مع الكتاب المخطوط، وأخيرا إبراز أهمية البحث في التراث الإسلامي العقدي على وجه الخصوص…
     استُهِل النشاط بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تناول الكلمة رئيس المركز فرحب بالحضور وبسط خطة الرابطة المحمدية للعلماء في دعمها واحتضانها لمثل هذه اللقاءات، ثم بين أهمية موضوع التحقيق مصححا الاعتقادات الشائعة بخصوصه والرامية إلى اعتبار الاشتغال بالمخطوط عملا لا يُقبل عليه إلا ضعاف الباحثين، والحال أنه شاق ودقيق لا ينبغي أن يتصدى له إلا المتعمقون المتمرسون نظرا لصعوبته وأهميته وخطورته… ثم توجه رئيس المركز ومسير الجلسة إلى التعريف بمؤطر اللقاء الدكتور خالد زهري، والحديث عن أهم أعماله ومؤهلاته، مبرزا الخصوصيات التي تميزه عن بقية الباحثين، والمتمثل أهمها في تعامله المباشر مع المخطوطات، إضافة إلى أنه نذر نفسه لتحقيق النص المخطوط وخدمته.
   بعد هذا التقديم أُعطيت الكلمة للدكتور المكوِّن الذي تطرق لعدة جوانب تصب في معالجة الموضوع الأساس موضـوع “تقنية التعامل مع الكتـاب المخطـوط” فبين –حفظه الله– أن دراسة الكتاب المخطوط تستلزم حضور ثلاثة مستويات:
  1.المستوى الكوديكولوجي: وهو كل ما يتعلق بالمخطوط وليست له علاقة بالمتن، ويتعلق الأمر في الكوديكولجيا بالنسخ وتاريخه، وأسماء النساخ، والوقفيات، والتملكات والاجازات، ويقدم لنا الجانب الكوديكولوجي حقائق علمية جمة، تخدم النص المحقق إما بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وفي هذا الصدد أكد على ضرورة التفريق بين الجرد والفهرسة، وبين الكتاب المفرد والمجموع. والكوديكولوجي لا يهتم بمضمون النص إلا في حدود ما يخدم مشروعه. وهناك –يذكر المكوِّن- من أطلق على هذا الجانب اسم “آثارية المخطوط”، وللدكتور شوقي بنبين تعريف خاص بهذا الجانب أيضا، ولكن المحاضر أكد على أن الأدق هو الإبقاء على مصطلح “كوديكولوجيا” كما هو بترجمته الحرفية.
  2.المستوى الفيلولوجي: وهو المتعلق بالجانب التحقيقي.
  3.الفهرسة: وهنا فرق بين الجرد والفهرسة، وبيَّن أن الفهرسة تحتاج إلى تقنيات ووصف خاص بخلاف الجرد.
ثم أشار المؤطر إلى الشروط التي ينبغي توفرها في المشتغل بالتحقيق والتي منها: استعداد الباحث القبلي والنفسي للتعامل مع المخطوط، التمكن من اللغة، تمييز ومعرفة الخطوط، المعرفة بأسماء الرجال، التوفر على ثقافة مرجعية تساعد في قراءة المخطوط …
   وكنتيجة حتمية، وعند انعدام هذه المؤهلات، فإن الإقدام على تحقيق المخطوطات يؤدي إلى نتائج كارثية، حيث ذكر الدكتور خالد زهري نماذج من هذه التحقيقات، دعيا إلى الاقتداء ب“علم الجرح والتعديل”، قائلا: “حبذا لو نضع معجما بعنوان: معجم المتروكين من المحققين، فإنه سيكون مفيدا”.
   من هنا أكد على خطورة التحقيق عموما، والتحقيق في المخطوط العقدي خصوصا، لأن الخطأ في المخطوط العقدي قد يؤدي إلى الكفر والخروج عن الملة -والعياذ بالله-، ومن نماذج الأخطاء التي ذكرها: (كتابة كلمة “السلوك” ونسبتها إلى الله عز وجل في تحقيق ل”مختصر الدر الثمين” لميارة الفاسي، مع أن صوابها  في الأصل هو “السلوب”، والفرق بين المعنيين كبير). وعموما فإن مثل هذه التحقيقات الكارثية تؤدي إما إلى خطأ عقدي، أو إلى خطأ في الاستدلال.
   ثم انتقل الدكتور خالد زهري إلى ذكر أهم المحاور التي يجب مراعاتها في التحقيق، ونظرا لضيق الوقت -مع أهمية الموضوع- فقد ركز على محورين أساسيين هما:
1- التحقق من العنوان: وذلك بالتنبيه على عدم الاكتفاء بالعنوان الذي يذكره النساخ أو المفهرسون أو بالعنوان المذكور في كتب التراجم… بل لابد –في نظره- من التحقق من العنوان نسبة وإخراجا، وأضاف متسائلا “إذا كان الكتاب المخطوط غير معنون وغير مذكور في الكتب … كيف نصنع العنوان؟” وأجاب بأن ذلك يكون: بتتبع مجموعة من الخطوات؛ منها:
أ‌-  أهمية الكلمات المفتاحية، وذلك باستخراجها ووضعها أمام المحقق…
ب‌- يمكن أن نضع عنوانا أقرب إلى العنوان الحقيقي، وأعطى نماذج من ذلك منها “عقيدة السهروردي”، مع الحفاظ على المصطلح الذي وضعه صاحب المتن (رسالة، تقييد، أجوبة، مسائل….الخ)، وعدم التسرع في الحكم. وعرَض المحاضر نماذج مختارة لمجموعة من الصفحات المخطوطة لكتب عقدية، مستدلا بها على ضرورة الاجتهاد في إثبات عنوان النص المحقق، وصحة نسبته إلى صاحبه.
2- نسبة الكتاب إلى المؤلف: أشاد في هذا المحور بعمل أبي سالم العياشي في “رحلته” ليخلص إلى القول بأن المغاربة كانوا محققين بامتياز، وفي هذا الصدد نفى نسبة كتاب “الإبانة” للإمام أبي الحسن الأشعري بأدلة أورد بعضها.
   وفي الجلسة الثانية التي انطلقت بعد الأولى بنصف ساعة فُسِح المجال للمتدخلين للمناقشة فيما استشكل، وتوضيح ما أبهم …
   وفي الأخير أشار المكون إلى أن موضوع تقنيات التعامل مع الكتاب المخطوط لا يستوعبه لقاء واحد، بل يحتاج إلى لقاءات متكررة وإلى ورشات تطبيقية موسعة، كيما يتمكن الباحثون من الإمساك بخيوطه.
   وقد استفاد من هذا اللقاء نخبة من الباحثين العاملين بالمراكز التابعة للرابطة المحمدية للعلماء، وكذا نخبة من طلبة ماستر “العقيدة والفكر بالغرب الإسلامي” جامعة القروين كلية أصول الدين بتطوان، ونخبة من طلبة ماستر “الأندلس تاريخ وحضارة” جامعة عبد الملك السعدي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق