مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

تقرير محاضرة قراءة في كتاب الدكتور نجيب الجباري الموسوم ب«الشاعر الأندلسي ابن زيدون وجدلية الحب والسياسة»

نظم مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية بتطوان التابع للرابطة المحمدية للعلماء قراءة في في كتاب الدكتور نجيب الجباري الموسوم ب«الشاعر الأندلسي ابن زيدون وجدلية الحب والسياسة»، وذلك مساء يوم الجمعة 8 ربيع الثاني 1444هـ الموافق ل 4 نوفمبر 2022م، في إطار الأنشطة العلمية التي يسهر المركز على تنظيمها.

افتتحت هذه المحاضرة بكلمة لرئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي فضيلة الدكتور محمد الحافظ الروسي، الذي ترأس هذه الجلسة العلمية، مرحبا بالحاضرين الكرام من الباحثين والمهتمين بالدراسات الأدبية والأندلسية، كما رحب بالدكتور نجيب الجباري الذي يستضيفه المركز للحديث عن كتابه المذكور.

وتكونت هذه الجلسة من مداخلتين اثنتين أعقبتهما مداخلة صاحب الكتاب المقروء، أما المداخلة الأولى فكانت للدكتور محمد العمارتي وهي بعنوان: «كتاب ابن زيدون قراءة في المصادر والمادة التوثيقية»، وقد أشار المتدخل بداية إلى أن موضوع ابن تزيدون شكل حقلا غنيا للدراسات الأدبية والفنية والمقاربات النقدية الحديثة فتباينت الرؤى والتصورات إزاء هذا الموضوع وتعددت طرق المعالجة، وبين أن هذا الكتاب ممتع وفريد؛ فهو ممتع لأن المؤلف يعرض فيه مجموعة من الأفكار والقضايا النقدية بعبارة سهلة وبطريقة علمية إجرائية واضحة، وهو فريد لأنه لا يوجد في المكتبة المغربية كتاب يعالج هذا الموضوع الخصب على هذا النحو من الدقة والوضوح والاختزال المحمود.

وقد أشار الدكتور محمد العمارتي إلى أن هذا الكتاب ينبني على محورين أساسيين، أولهما: مجال مرتبط بالذات الشاعرة في علاقتها بمنظومة من القيم والعواطف النبيلة، وفي ثاني محوري الكتاب خوض في واقع الشاعر السياسي، وأضاف المتدخل أن هذا الكتاب بحساسيته النقدية وعمقه يوحي لقارئه بأن العمل النقدي الرصين والمحكم حينما تكتمل فيه شروط الإبداع يتحول إلى رؤية كاشفة، كما تبدو قيمته أيضا في أنه إسهام في الكشف وإماطة اللثام عن كثير من القضايا النقدية في مجال الدراسات الأندلسية بشكل عام.

ثم عرج الدكتور محمد العمارتي على الحديث عن البناء المعماري الذي يتشكل منه الكتاب، حيث بين أنه يحتوي على خمسة فصول تختلف من حيث الأهمية والكمية والكيفية.

ثم انتقل المتدخل للحديث عن المصادر والمادة التوثيقية في هذا الكتاب، مبينا أن هذا الكتاب سفر نفيس لما يتضمنه من وثائق ونصوص ذات قيمة توثيقية عالية جعلته ينتظم ضمن الأعمال المهمة والمركزية ذات المنسوب العالي من العلمية والوثوقية حسب تعبيره، فقد اعتمد المؤلف في إنجاز هذا الكتاب على كم هائل من المراجع وعلى قائمة بيبليوغرافية غنية من المصادر والوثائق التي اتسمت بالتعددية والتنوع والقيمة العلمية، والتي ساعدته على الإلمام بكافة المعطيات التي تتعلق بعصر الشاعر، كما مكنه هذا التنوع والغنى في المادة المصدرية من ضبط الحقائق التاريخية والسياسية المرتبطة بموضوع بحثه.

ومما لفت انتباه الدكتور محمد العمارتي اعتماد الباحث على المكتبة الأجنبية الغربية بشكل مركزي في بناء عمله وصياغة تصوراته إزاء الموضوع، وهذا إجراء بالغ الأهمية في تجويد الكتاب وإعطائه قيمة رفيعة، وهذه الموسوعية في توظيف المصادر والمراجع تثير في نفس قارئه الإعجاب والتقدير بما تتكشف عنه فصوله من شمول الاطلاع على المصادر القديمة ودقة المتابعة للمصادر الحديثة، وبين أنه تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يعرض لأقدم التحقيقات لديوان ابن زيدون، وهو أيضا يفتح إمكانات للسفر في العالم الشعري الأندلسي انطلاقا من ابن زيدون، وبالتالي فإن هذا الكتاب سيسهم في التعريف بأحد أقطاب الشعر الأندلسي بوجه خاص.

وأكد الدكتور محمد العمارتي على أن هذا الكتاب بما يتضمنه من وثائق نفيسة يشكل الخطوة الصحيحة التي يجب أن يخطوها كل من يريد دراسة الشعر الأندلسي، وهذا هو الرهان الأساسي والمركزي لهذا الكتاب. وهذا الأخير عمل علمي متميز تتجلى فيه المنهجية الصارمة في التحليل وضبط المصطلحات وبراعة في استخدام أدوات التفكير وثراء في الاطلاع ووضوح في العرض، كما بين المتدخل أن المؤلف يتقن صنع تسلسل الأفكار ومتابعة تشعباتها بدقة وصرامة، ويتوخى الإقناع والتحليل العلمي المتدرج، وهو أيضا بارع في تقديمه بلغة واضحة وقدرة على امتلاك المادة العلمية عرضا وشرحا ونقدا.

وتلت هذه المداخلة كلمة للدكتور أبو الخير الناصري بعنوان: «ملامح من الشخصية العلمية للدكتور نجيب الجباري من خلال كتاب: الشاعر الأندلسي ابن زيدون وجدلية الحب والسياسة»، مركزا على أربعة ملامح، أولها سماه: ملمح النظر النقدي للأعلام ومنجزهم، والثاني سماه: العناية بالموازنات، والثالث سماه: الاجتهاد في التفسير والتعليل، والرابع سماه: الاحتراز في التعبير.

ففي الملمح الأول أكد المتدخل أن الناقد والباحث الجاد هو من ينظر إلى العمل المدروس نظرا موضوعيا ويزنه بميزان العقل والحق، وذكر أنه مع إعجابه بالمنجز الشعري لابن زيدون ومدحه إياه وافتتانه به لم يغفل عن النظر الموضوعي إلى هذا الشعر، وفي هذا الملمح ينسيه إيثاره للموضوعية حبَّهُ لابن زيدون فتدفعه الموضوعية إلى النظر في منجز هذا الشاعر نظرا فاحصا مدققا بعيدا عن المحبة المذكورة، وهذا من أهم ما ينبغي أن يتحلى به طلاب العلم والباحثين.

وبين المتدخل في الملمح الثاني أن الباحث نجيب الجباري أولى عناية ملحوظة بالموازنات عند حديثه عن شعر ابن زيدون، وهذه الموازنات عنده على نوعين أحدهما الموازنة بين أشعار لابن زيدون وأشعار لغيره من الشعراء، وثانيهما الموازنة بين نماذج متعددة من أشعار ابن زيدون نفسه، وبين المتدخل أيضا أن هذه الموازنات كلها بنيت على الإيجاز والاكتفاء بالأمثلة القليلة للتمثيل لها بل وغياب البيات الممثلة لها أحيانا، وهذا من مآخذ المتدخل على المؤلف نجيب الجباري، لكن هذه الموازنات كلها لا تخلو من ذكر للمشترك بين الشاعرين الموازن بينهما، كما لا تخلو مما تفضي إليه الموازنات عادة وهو الأحكام النقدية التي تؤثر شاعرا على شاعر أو شعرا على شعر.

ثم انتقل للحديث عن الملمح الثالث وهو ملمح الاجتهاد في التفسير والتعليل، مؤكدا أن الباحث أبان في هذا الكتاب اجتهادا في الترجيح والتفسير والتعليل عند غياب الأمور المذكورة ممثلا لذلك يمثالين، لاحظ من خلالهما أن المؤلف يجتهد في ذكر ما لم تذكره كتب التراجم والتاريخ، ومحاولة ملء الفراغات المعرفية، كما لاحظ أيضا أنه يعزز اجتهاده بما يراه مناسبا من المسوغات التي لا تبتعد عن الطبيعة البشرية، وما يعتمل في النفس الإنسانية من مشاعر العجب والتيه من جهة الشاعر، والحسد والحقد من جهة منافسيه، والدهاء والغضب من جهة الحكام.

وأشار في الملمح الرابع وهو ملمح الاحتراز في التعبير إلى أن من خصائص لغة البحث العلمي البعد عن الأحكام المطلقة والعبارات الفضفاضة، والركون إلى الدقة في التعبير والاحتراز في الكلام، وبين أن الناظر في كتاب الباحث نجيب الجباري يجده في كثير من صفحاته ميالا إلى هذا الاحتراز وتلك الدقة.

وختم الدكتور أبو الخير الناصري مداخلته بإشارته إلى دلالات إصدار هذا الكتاب في زمننا، ذكر منهما أمرين هما في نظره على قدر من الأهمية، أحدهما: أن العدودة إلى ابن زيدون في زمننا تنطوي على ضرب من النقد خفي في جانبه السياسي، والثاني أن هذا الكتاب العلمي يعد في أحد وجوهه مساءلة لواقع البحث العلمي في الجامعة المغربية خصوصا في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، وأكد على أن هذا الكتاب بسلاسة لغته وسلامتها في الإجمال وببنائه المنهجي ودراسته لجوانب متعددة متكاملة من حياة ابز زيدون، وبما تضمنه من ملامح دالة على شخصية علمية واضحة، يضعنا هذا الكتاب في موازنة بينه وبين كثير مما ينجز من بحوث جامعية لا تبرز شخصية ولا تقدم رؤية ولا تعرض لوجهة نظر، من هذه الناحية فكتاب الدكتور نجيب الجباري تجسيد طيب في جوانب منه لما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم وعمله من ابتغاء للموضوعية والنقد والاجتهاد والتفسير وسلامة اللغة.

ثم تلت هاتين المداخلتين مناقشة جادة فتح فيها الباب للحاضرين الكرام، لطرح تساؤلاتهم وإضافاتهم بخصوص ما جاء في المداخلتين السابقتين، وبخصوص بعض الجوانب من الكتاب التي لم يُتَطرق لها لكنها تهم الكتاب المقروء.

ثم أعقبت هذه المناقشة كلمة الدكتور نجيب الجباري وهو صاحب الكتاب المقروء، وقد عبر بداية عن شكره لمركز ابن أبي الربيع السبتي على تنظيم هذه القراءة وكذلك الحضور الكرام، كما أثنى على المداخلتين المتقدمتين، مؤكدا أنها فتحت له آفاقا لم تكن واضحة له من قبل.

وقد بين أن كتابه هذا ليس من باب محاولة التأريخ، وأشار إلى أنه قد يتساءل البعض لماذا ابن زيدون الذي قتل بحثا ودراسة؟، وأجاب بأن الشاعر ابن زيدون رغم أصالة موهبته وشهرته في مجالي الشعر والسياسة إلا أنه لم ينل ما هو جدير به من التقدير ومن الإجلال، مؤكدا على أنه لا نستطيع الحديث عن ابن زيدون دون الحديث عن قضية أساسية وهي قضية السياسة التي شغتلته طول حياته، كما ارتأى أيضا أن يتحدث بطريقة جدلية وتفاعلية وطريقة التأثر والتأثير بين الشعر السياسي عند ابن زيدون وبين قضية المرأة خصوصا في ميولاته العاطفية وعلاقته بولادة بنت المستكفي. مبينا أن هاتين القضيتين تشكل إطارا عاما للكتاب، فالجمع بين الحب والسياسة عنده دلالة قاطعة على أن التاريخ العربي الإسلامي بشكل عام والأندلسي بشكل خاص يضم بين طياته الكثير من الأحداث السياسية التي كان للمرأة فيها نصيب. فالمرأة الأندلسية كان لها إسهام في توجيه الأحداث السياسية والتاريخية والإجتماعية.

أما قضية المنهج فقد وضح الدكتور نجيب الجباري بأنه لم يحصر نفسه في نطاق معين وآليات إجرائية محددة لا يتجاوزها، مبينا أنه اعتمد على الجانب اللامرئي للمنهج الذي كان حاضرا عنده، ويتمثل في الرؤية الفكرية لأدب ابن زيدون ولثقافته ولفكره ولمختلف العوامل المؤثرة في هذه الثقافة أو هذا الأدب سواء كانت عوامل سياسية أو عاطفية.

وأشار إلى أن العنوان وهو العتبة الأولى للكتاب لا بد أن يكون فيه تشويق وإثارة، مؤكدا أن هذا الأمر هو الذي سيطر عليه وهو يضع هذا العنوان لهذا الكتاب، فقد أراد أن يكون لهذا العنوان الإثارة والتشويق وحفز للقارئ لكي يقرأه.

كما أشار إلى أن غاية المؤلف ليست هي الإتيان بما لم يأت به الأولون بل غايته القصوى في نظره هو إثارة بعض التساؤلات وتحفيز القارئ لكي يبحث، مبينا أن الجمع بين التأثير السياسي والتأثير العاطفي على شعر ابن زيدون، هذا أمر يثير الانتباه بمعنى أن علاقة ابن زيدون بولادة هي التي نتج عنها المحن والمشاكل التي تعرض لها ابن زيدون على مستوى السياسة في علاقتها بالحب، مؤكدا أن العلاقة العاطفية أو علاقة الحب كانت مغلفة بدوافع سياسية أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق