مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

تقرير عن ندوة “موقع الأسرة في الدستور الجديد: المؤسسات القانونية أية آليات وأية معايير”

مونية الطراز

على هامش فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب الذي دأبت وزارة الثقافة على تنظيمه كل سنة بتعاون مع مكتب معارض الدار البيضاء في فضاءات المعرض، وفي إطار الأنشطة الثقافية الموازية، نظمت جمعية “الحِضن المغربية للتنمية الثقافية والاجتماعية للمرأة والأسرة والطفل” يوم الأحد 19 فبراير ندوة علمية تحت عنوان “موقع الأسرة في الدستور الجديد: المؤسسات القانونية أية آليات وأية معايير” بمشاركة الدكتورة رجاء ناجي مكاوي المفكرة المؤثرة في الحقل الثقافي والفكري وفي المجال القانوني والعلمي المغربي، إلى جانب كل من الأستاذة خديجة مفيد، رئيسة جمعية “الحضن المغربية” والفاعلة الجمعوية والسياسية المعروفة، والأستاذة زهور الحر، القاضية والفاعلة الحقوقية والقانونية.
هذه النخبة النسائية اجتمعت بجمهورها المميّز بقاعة المحاضرات “صالح الشرقي” في أجواء طبعها حسن تنظيم الفضاء وقوة طرح المتدخلات، مثلما تميّيزت بالتفاعل الإيجابي من طرف الجمهور.

وكانت أولى المداخلات وصلة افتتاحية من وصلات منفصلة قدّمتها الأستاذة “خديجة مفيد” وتحدثت فيها عن سياق موضوع الندوة الذي يناسب النقاش المفتوح حول مستجدات الدستور الجديد، هذا الدستور الذي قدّم ترسانة تشريعية وقانونية تستحق التأمل، الأستاذة الفاضلة ذكّرت ببعض المجالات التي تستدعي النقاش، وعيّنت منها تلك التي تتعلق بموضوع الأسرة من حيث هي ضامن لكل قيم الأمن والكرامة والسّلم المجتمعي كلما حُفظت وصين بناؤها، وبما هي سبب لتضييع هذه القيم والمكتسبات في المجتمع كلما أُهمِلت وغُيّبت عن الاهتمام.
البناء الأسري يرتكز على أسس ذكرت بعضها “مفيد” في مداخلتها، وعرضت في حديثها لبعض ما يمكن أن يكون عوامل أفرزت هذا البناء، فأشارت بهذا الصدد إلى الأساس الفكري والحِراك العام الذي تشهده الساحة إلى جانب القوة الاحتجاجية للأطر النسائية وكذا النساء اللواتي انتدبن أنفسهن للتدبير الناجح لبيوتهن، وفضلا عن هذه الأسس أشارت المتدخلة إلى عوامل أخرى ساعدت ولا تزال تساعد على الرقي باللأسرة المغربية.
وفيما يخص النصوص التشريعية المبتوتة في ثنايا الدستور الجديد والتي تتعلق بشكل مباشر بالموضوع، أشارت المتدخلة/المسيّرة إلى بعض ما ميّزه من إشارات، على رأسها التأكيد على أن الأسرة ثمرة زواج شرعي، وذلك فيه –حسب الأستاذة- أهمية بالغة تُلغي تعدد أشكال الأسرة الذي تنص عليه قوانين العولمة، وهي أهمية تكتمل أيضا مع بنود أخرى  في الدستور الجديد، وقبل أن تقدّم كلمة للدكتورة “رجاء مكاوي” نوّهت “مفيد” بولادة المجلس الاستشاري للأسرة الذي خرج من رحم الدستور وكان إعلانا عن بدء صفحة جديدة من البناء الأسري الواعي.
وفي مداخلتها عمدت الدكتورة “رجاء ناجي مكاوي” إلى كشف بعض “حسنات” الدستور الجديد الذي جاء –كما قالت- ببنود صريحة من شأنها أن تحفظ الأسرة المغربية من الاختراق، ومن ذلك نصُّه في الفصل 32 على اعتبار الأسرة ثمرة زواج شرعي وخلية المجتمع، وتأكيده كذلك في الديباجة على إسلامية الدولة وما تعنيه من اقتضاء ملاءمة القوانين مع مقتضاها، ونصّه أيضا على الانتماء الإقليمي للمغرب بهويته الإسلامية، الدكتورة مكاوي وهي تعرض لهذه الخصائص لم يفتها أن تشير إلى الفقرة الثالثة من الفصل 32 التي تنص على مسئولية الدولة في حماية الأسرة، فالدستور –بحسبها- ينظر إلى الأسرة كمؤسسة فاعلة في النهوض بالمجتمع وليس وعاء اجتماعيا فقط، لذلك حمّل البيت في الدستور الجديد مسئولية التعليم مثلما تتحملها الدولة.
ثم إن الدستور الذي أخرج “المجلس الاستشاري للأسرة” وضع بين يديه ما سمّته المتدخلة بخطة طريق تحفظه من الأهواء، هذه الخطة –تقول الدكتورة- عبارة عن أهداف رسمها المشرع ومقاصد سعى إلى تحقيقها، ومساعي ارتجاها من شأنها أن تصُكّ سياسة متوازنة تؤدي إلى استقرار الأسرة وتضمن سلامتها، وهي قبل هذا وذاك رسائل قوية لكافة المتدخلين والقِوى الفاعلة من أجل العمل على حسن تفعيل الغايات المسطّرة، وحسن تنزيلها. و فضلا على هذا يُظهر الدستور –حسب مكاوي أيضا- وعيا عميقا بأهمية الأسرة المَحمِيّة وغير المُنشطِرة، وهي أهمية بالغة ذات نفع اقتصادي ومجتمعي.
وفي ختام مداخلتها شدّدت “مكاوي” على أن الدستور له نزعة مجتمعية وفردية تناسب فطرة الإنسان، فهو انتصر للفرد أيضا في 39 موضعا، وأكّد على الواجبات الفردية بالمناسبة، وهذا الأمر يقتضي أن يُنظر في إطار إجادة التمييز بين المصالح الفردية والمجتمعية، هذا ما أكّدته قبل أن تُعرِب عن ضرورة عمل المجلس المنتظر على تنويع تشكيلته حتى تستوعب الانتماءات الحكومية وغير الحكومية، لتنسجم مع روح الدستور وحرص جلالة الملك على العضويات النوعية من قبيل استحضار العلماء في المؤسسات والمجالس الوطنية الدستورية.
ومن جهتها أكّدت الأستاذة القاضية “زهور الحر” على أن الأسر هي مفتاح التشريعات، وأنها ذات تأثير كبير على المجتمع بقيمها، فهي تصبغه بطبائعها، إلا أنها في المقابل نتاج تفاعلات حقوقية توجد في سياقها، تفاعلات تأجّجت في إطار صراع قوي بين الدين والعلم والأصالة والحداثة وغير ذلك من القيم المجتمعية في أفق بناء أسرة بقيم دولية.
والأسرة بحسب الأستاذة “الحر” مسئولة مسئولية ثابتة عن الظواهر الإجتماعية المستجدّة من قبيل انتشار التسوّل وظاهرة الأمهات العازبات والأطفال المتخلى عنهم وتشغيل القاصرين والاستغلال الجنسي وغير ذلك من الظواهر، إلا أن هذه الأسرة في ظل تشريعات قاصرة ستبقى –في نظر المتدخلة- قاصرة عن أداء الأدوار التي تضطلع بها تحت إكراهات الواقع.
وبحكم تجربتها السالفة على رأس محكمة الأسرة تحدثت “الحر” عن بعض المشاكل التي تعترض الجهاز القضائي في تطبيق بنود مدونة الأسرة، هذا الحديث ساقها إلى تحميل المجلس الاستشاري المنتظر إيجاد مخارج لها، إلا أنها تساءلت عن تركيبته كيف ستكون، وعن أهدافه كيف ستحدّد، وعن وسائل عمله القادرة على تأهيل أعضائه لحسن الأداء، وفي هذا السياق أرشدت الأستاذة إلى أن المجلس في سعيه إلى بناء مشروعه لابد أن يركز على مقاربة مندمجة وتشاركية، كما أنه مطالب بتأسيس تصوره على ما سيستجمع من مقترحات لا بد أن تكون قاعدية تتجه نحو القمة، كما عليه في نظرها أن يحمل ألوان الطيف المجتمعي وزارة ومجتمعا مدنيا وهيآت مختصّة ومنتخبين ومراكز أبحات وقطاع خاص وغير ذلك من مكونات يُخوّل لها العمل في إطار استقلالية كاملة.
وعن رؤيتها لتركيبة المجلس اقترحت “الحر” بعض المهام التي وجب اضطلاعه بها منها:
– إعادة توجيه السياسة العامة دون تغليب قطاع على آخر في إطار استراتيجية مندمجة.
– العمل على تجنيب المجتمع خطر الانشطار.
– مراعاة المحيط الدولي.
– الانفتاح على كل المقترحات.
ولم يفت المتدخلة الكريمة أن تلفت الأنظار إلى مجال منسي وهو قطاع الطفولة، هذا القطاع يستدعي –بحسبها- أن ينشِئ له المجلس مرصدا وطنيا يكون وجهة علمية ومرجعا موثوقا بين المتدخلين.
وفي إطار تسيير هذه الندوة القيمة وما يستدعيه المقام من تعقيب وتنسيق بين المداخلات نبّهت الأستاذة “مفيد” على مسئولية المواطن في توجيه خطى التشريع بحكم أنه المعني الأول بخلاصاته، كما لفتت الانتباه في معرض حديثها إلى قضايا متفرقة ذات أهمية بالغة تستوجب العناية من طرف المهتمين، ذكرت منها وظيفة المرأة في البيت وما تنطوي عليه من قيمة اجتماعية واقتصادية، وعرضت بعد ذلك إلى قضايا أخرى تحتاج إلى صدّ ومواجهة، منها بعض المساعي إلى استصدار نص قانوني يشرّع الإجهاض بمبرر فهم خاطئ لحق المرأة في التصرف بجسدها، ولم يفتها -للبيان- أن تستظهر بعض المظاهر البشعة التي نتجت عن فتح باب العلاقات الجنسية على المجهول، وقدّمت أرقاما تبيّن هول الواقع.
هذا وقد عبّرت المشارِكات عن سعادتهن باستجابة الدستور الجديد لمطالبهن في إطار المقترحات التي تقدّمن بها باسم المؤسسات التي يشرفن عليها.
أما الدكتورة “مكاوي” فقد عرضت لمجهودات شخصية تقدّمت بها بين يدي جلالة الملك وأخرى وجّهت بها عمل اللجنة المعيّنة لإعداد الدستور حين كانت بين أعضاءها، وكذا من خلال إسهاماتها العلمية في هذا الباب.
ولم تخل المداخلات من إثارة لبعض القضايا التي تدخل في صميم الموضوع كانت فرصة للمحاضِرات لمزيد من التوضيح والبيان، ظهر بعده أن الجلسة العلمية أدت أدوارها في إشراك الحاضرين في قضية اعتبرها المتدخلون رافعة للمجتمع نحو مزيد من الرقي والنماء.

نشر بتاريخ 22/02/2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق