مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

تقرير عن مؤتمر “الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة” ج. 2

 

مونية الطراز

 

 

ونيابة عن الدكتورة شفاء علي الفقيه من جامعة الحدود الشمالية بالسعودية، قدمت الدكتورة هدى محسن الأستاذة بالجامعة الأردنية، بحثا سبَرت فيه الامتدادات الأفقية الواسعة للأسرة من خلال تتبع عدد من العلاقات الأسرية التي نشأت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت أزواجه، وقدمت من خلال مقاربتها لموضوع “الأسرة الممتدة ودورها في بناء الشخصية المسلمة، نماذج تطبيقية من بيت النبوة” فالبيت النبوي خرّج أعمدة الرسالة وحملة مشروعها، كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعروة بن هشام وغيرهم، وهؤلاء ينتمون إلى أسرة واحدة بالمعنى الواسع للأسرة. لذلك شددت ورقة الدكتورة الفاضلة على ضرورة استعادة الأدوار الأولى للأسرة الممتدة بوصفها مؤسسة اجتماعية تدعم الأسرة النواة وبها تتلاحم مكوناتها. ولقد كانت ورقة الاستاذة الفاضلة مساهمة قيمة في رسم خارطة طريق نحو استعادة أدوار الأسرة الممتدة.

 ومن جهته، قدم الدكتور أنور محمد الشلتوني، الأستاذ بجامعة الشارقة بالإمارات العربية، ورقة عرض فيها “التطبيقات المعاصرة الخادمة لتمكين نظام الأسرة الممتدة في ضوء التشريع الإسلامي” فالأسرة -حسب المداخلة- تأثرت سلبا بأنماط المجتمع الغربي، ولكنها تمنعت عن الذوبان بفضل القيم الأصيلة للمجتمع الإسلامي التي حُفظت في أشكال معاصرة، من ذلك عقد الملتقيات العائلية التي كان لها دور في حفظ الأسرة الممتدة، والتكافل المالي الذي يميّز العلاقات الأسرية في الإسلام. ولم ينس الأستاذ الباحث الكريم دور الفضاء الالكتروني في منح العائلة فرصا إضافية للتواصل، مما كان له الأثر الكبير في عصمة الأسر من الانهيار.

 وقدم الدكتور إلى جانب ما ذُكر، مظاهر العصمة في آليات أخرى ساهمت كذلك في حفظ الأسرة من التفكك المطلق، وشدد على أن واجب التمكين لهذه التطبيقات المعاصرة -التي تتوخى حفظ الأسرة- يتأسس على سند شرعي أصيل منه صلة الرحم، وتشريع أنواع الولايات، ونظام العائلة والإرث والوصية، وما إلى ذلك من النظم والتشريعات؛ مما يستدعي التفكير في تطبيقات معاصرة جديدة، تستند إلى هذه الآليات التي شرعت بقصد تحقيق الحفظ للأسرة الممتدة.

وبعد هذه المداخلات فتح الباب للمداخلات التعقيبية، التي تقدم بها عدد من الدكاترة الباحثين من الجامعة الأردنية ومن خارجها، وكانت مناسبة لإغناء البحوث وتثمينها. وعلى إثر تعقيباتهم فُتح المجال للمتدخلين من عموم الضيوف والحاضرين، وكان ذلك إيذان بانتهاء الجلسة.

وبعد صلاة العصر، عقدت الجلسة الثالثة برئاسة الدكتور منذر زيتون مستشار وزير التنمية الاجتماعية، الذي ناول الكلمة أولا  للدكتور إبراهيم رحماني، عميد الدراسات العليا والبحث العلمي بكلية الحقوق في الجزائر، ليتحدث عن “أثر العرف والتحولات الاجتماعية على الأسرة المسلمة” فتطرق إلى المخاطر التي تكمن في هيمنة الأعراف الجديدة وبيّن كيف تشوش قيمها على الأسرة المسلمة ووظيفتها، وكيف تربك هيمنة الأسرة على الشرائح الواسعة للمجتمع، وكيف تضرب بسطوتها تماسك الأسرة والتآلف الأسري.

ورقة الدكتور الرحماني أوصت بمسايرة المستجدات المعاصرة من خلال إنتاج أعراف جديدة تستوعب المستجدات ولا تُفقد للأسرة خصوصياتها الوظيفية، وقدمت أيضا جملة من الاقتراحات لتفعيل النماذج الإيجابية التي خَطَت خطوات معتبرة في هذا الباب.

من جهته نبش الدكتور بشير خليفي، من جامعة وهران بالجزائر، مظاهر التحولات الاجتماعية في العالم الإسلامي وأماط اللثام عن آثارها في الأسرة، وفصل في جانب من جوانب هذا التأثير، حيث ناقش في مداخلته “إكراهات الثقافة الاستهلاكية وتأثيرها على التنشئة القيمية للأسرة” وذكر أن من الآثار السلبية لشيوع ثقافة الاستهلاك، تدني الإحساس بالتضامن والتآزر بين أفراد الأسرة وغلبة المباهات والتفاخر.

 

ثقافة الاستهلاك يمكن أن تكون بحسب الدكتور خليفة ذريعة حسنة إلى تنمية الدراية الذاتية للشئون الاقتصادية، مما يفيد في إحداث التعادل بين الإنفاق والكسب، ذلك أن الانتباه إلى حسن توظيف هذا الوعي وتجاوز النواقص والمؤثرات السلبية فيه، كفيل بالإبقاء على القيم النبيلة داخل الأسرة بوصفها أساس التنشئة الاجتماعية المثلى، وهذا يحتاج إلى التفكير الجدي فيما يحقق هذه الغايات، وذلك ما عرض له الدكتور خليفي حين قدّم مقترحات عملية في هذا الباب ضمن توصياته للمؤتمر.

وفي مداخلة الدكتور عبد الكريم عثمان، العميد السابق لكلية العلوم الإسلامية والعربية بكلية الخرطوم، تطرق إلى “تنظيم مالية الأسرة في ضوء الرؤية الإسلامية” وبيّن أن القرآن الكريم نظّم حقوق الأفراد داخل الأسرة الواحدة، ووازن بين التزاماتهم الداخلية والخارجية، ونوه لدور المال وضرورته في حياة الأسرة المسلمة.

هذا وإن التوجيهات المبثوثة في القرآن الكريم تركز على الإنسان وتنمي قدراته وتفتح الآفاق أمامه، فهو حجر الزاوية في العمل، ولا يصلح الإنسان لهذا التحدي الكبير إلا بالتسلح بالعلم والسعي؛ هكذا قال الدكتور الفاضل، بعد أن بين حقيقة التنظيم المالي للأسرة في القرآن الكريم، ولم تفته الإشارة إلى الإطار العام الذي وضعه التنزيل لترشيد الاستهلاك، فقد وقف عند القواعد التي تضمنتها النصوص والتي ينتظم بالتزامها الاستهلاك وفق منهجية وسطية متكاملة تراعي المصلحة والتغيرات الزمنية والمكانية، وكان في هذا البيان كأنه يكمل مداخلة الدكتور خليفي السابقة.

ولا يقتصر تنظيم أمور الاسرة ماليا على وجود القَيِّم، بل يسري هذا التنظيم حتى إن غيب الموت العائل، من خلال أحكام الإرث التي تنسجم مع فلسفة التشريع في تحفيز العمل وتشجيع الإنتاج.

  وبمداخلة الدكتور عبد الكريم عثمان أُعلن رفع الجلسة التي كانت حلقة كملت الجلسات السابقة في بنائها النظري لمفهوم الأسرة المسلمة ووظائفها. وقد ساهمت حنكة المسيرين وتعقيبات الدكاترة المكلفين بالتعقيب (لكل مداخلة ثلاث تعقيبات) وكذلك مناقشة الحاضرين في إنجاح الجلسات، فقد أضفوا بتميزهم قيمة زائدة على المداخلات، وكان سهمهم مفيدا في تقديم وحدات متناسقة لعناصر موضوعية يظهر عليها التنوع والاختلاف.

يتبع …

 

نشر بتاريخ: 3 / 06 / 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق