مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

تقرير عن مؤتمر “الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة” ج. 1

مونية الطراز

 

نظم المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالتعاون مع الجامعة الأردنية ووزارة التنمية الاجتماعية الأردنية، أيام  9 و10 و11 أبريل المنصرم، مؤتمرا علميا دوليا تحت عنوان: “الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة“، تضمن 25 مداخلة، ل27 مشاركا من 10 بلدان إسلامية، وكانت فرصة لمدارسة وضع الأسرة المسلمة المعاصرة والتفكير فيما يقيم بناءها بعد أن تزاحمت النظم الفاسدة لقتل وظيفتها في التنشئة الاجتماعية.

ولقد نبعت الدعوة إلى هذا المؤتمر من وعي مسطور -كشفت عنه ورقة المؤتمر- أن أهم مدخل لإصلاح حال الأمة هو إعادة الاعتبار لوظيفة الأسرة المسلمة التي هي نواتها، فقد صار واضحا أن القيم الغربية التي بدأت تغزو العالم الإسلامي نالت حظا من سيادة الأسرة في التوجيه، مما أثر سلبا على بنية المجتمعات الإسلامية التي بدت في نسيجها أمارات الترهل وظهرت في خلاياها بوادر التفكك.

الأسرة المسلمة بدأت تميل بدورها إلى تكريس العزلة في المحيط الضيق لِما صار يسمى الأسرة النووية، وذلك على حساب الأسرة الممتدة، التي تُمد قطر التراحم ليضم الأعمام والأصهار وسائر الأقارب من أولي النسب، كما أصبحت أكثر إهمالا لقيم التكافل والتآزر والتراحم وغيرها من القيم السامية التي أمر بها التشريع لمقصد وغاية.

 ومن هذا المنطلق سعى المعهد إلى عقد المؤتمر ليكون فرصة لجمع الكلمة حول ما يصلح حال الأسرة المسلمة، بدءا برجع النظر في مفهوم الأسرة نفسه، ليناسب مقاصدها الأصلية ووظائفها الحقيقية في التنشئة الاجتماعية، ولم يغفل إدراج حيز من برنامجه للوقوف على مخاطر القيم الوافدة التي نفذت إلى الأسر، وللتنبيه على فساد فلسفاتها المؤسسة وبيان معاكستها للفطرة السليمة.

وحرص كذلك المعهد -حين دعى إلى هذا الاجتماع-على استعراض مختلف التجارب العملية التي سبقت في حفظ الأسرة المسلمة من الاختراق، وراكمت سنوات من العمل على تقوية البناء الداخلي للمؤسسة الأسرية في مختلف الأقطار الإسلامية. كما دعى إلى التفكير في بلورة مشاريع مستقبلية للنهوض بالأسرة، فجعل لهذه المسألة حيزا مستقلا بمحوره ضمن أشغال المؤتمر، ليكون تثمينا لأفكار المؤتمرين ووجها عمليا مكملا لبحوثهم النظرية.

ولقد توزعت العروض المقدمة على سبعة محاور تكاملت في إنجاز المطلوب، سبقتها جلسة افتتاحية تضمنت كلمات الجهات المنظمة، وألقيت أول كلمة في الافتتاح، باسم اللجنة التحضيرية، وتفضل بها الدكتور رائد عكاشة، المستشار الإقليمي لمكتب المعهد في الأردن، وتلتها كلمة الدكتور فتحي ملكاوي، المدير الإقليمي للمعهد، ثم تناول الكلمة بعدهما الأستاذ عمر حمزة، أمين عام وزارة الشئون الاجتماعية بالأردن، وناولها من بعدُ للدكتور أمين القضاة عميد كلية الشريعة والذي ناب فيها عن راعي المؤتمر الدكتور خليف الطراونة رئيس الجامعة الأردنية. وكان الافتتاح في قاعة المحاضرات بالجامعة الأردنية.

وقد قَدمت هذه الكلمات –على اقتضابها- لمحة عامة عن المؤتمر وسياقاته والآمال المعقودة عليه، ولم تخل من عبارات الترحيب الرقيقة التي تُميز طبيعة أهل الأردن الشقيق، بيد أن المجال الأوفر ترك لمحاضرة الافتتاح، والتي ألقاها رئيس المعهد الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، وشخّص فيها واقع حال الأمة الإسلامية اليوم وما يستدعيه الإصلاح من وعي بمكامن الداء، وجدارة للإصلاح، وأهلية علمية مبنية على سلامة الفكر وحسن الاطلاع، فالواقع المتردي يحتاج بعد فهمه إلى إسقاطات صحيحة من النصوص الحاكمة تعكس حقيقة الرؤية الكونية القرآنية، والتي تنطوي على ما يقيم العدل ويضمن كرامة الإنسان.

بعد استراحة قصيرة، التأم الجمع من جديد، بالقاعة نفسها، بغاية استجلاء ملامح التصور القرآني للأسرة، ولاستقاء المناهج التربوية من السنة، بما يكمل صورة الأسرة المسلمة في الأذهان. وقد تضمنت هذه الجلسة- وهي أول جلسات المؤتمر- أربعة عروض، رصت فكَرَها مما استجمعته من المواد النظرية المبثوثة في النصوص ذات الصلة بالوظيفة الأسرية، وكانت صاحبة أول مداخلة هي الدكتورة رولا محمود الحيت، الأستاذة المتخصصة في الفقه وأصوله، في جامعة الإسراء الخاصة في الأردن، وتحدثت عن “المفردات القرآنية في موضوع الأسرة ودلالاتها الفقهية وامتدادها الاجتماعي” لما لهذه المقاربة من أهمية في المساعدة على تأليف نسقية معرفية قرآنية ذات صلة بالأسرة، ذلك أن القرآن الكريم –بحسبها- استخدم ألفاظا لها دلالات فقهية متصلة بالأسرة وأخرى لها امتدادات اجتماعية، ولم يرد في نصوصه ذكر كلمة الأسرة اسما أو صفة لنظامها.

ومفردات القرآن الكريم المتصلة بموضوع الأسرة غنية بالدلالات والمقاصد وذلك ما سعت إلى إبرازه الأستاذة الفاضلة، حيث قلّبت موارد الحكمة في النص القرآني من قبيل مخاطبة الزوجة -مثلا- بالصفة تارة، وتارة بالجنس، وكشفت عن الدلالة الاجتماعية لهذا الأسلوب القرآني، كما لفتت الانتباه أيضا إلى بعض الأسرار الكامنة في أسلوب الخطاب الذي يجمع بين أفراد الأسرة الواحدة كما ورد في النصوص. فالآباء والأبناء والزوج والزوجة وسائر أطراف الأسرة يخاطبون في القرآن الكريم بحسب موقعهم فيها، بشكل يجعل للجميع وظائف مناسبة يسعون طوعا إلى أدائها من غير تملص ولا منازعة، وبهذا الصدد، ذكّرت بأن لمفردات القرآن الكريم امتدادات اجتماعية اجتهدت لبيانها في المداخلة. وقد أجادت الباحثة في بيان ما للمفردات القرآنية من أهمية في تحديد أدوار عناصر الأسرة الواحدة، وكيف ترعى دلالاتها طبائع المخاطبين وما يليق بهم لحسن الاجتماع على المنهج الرباني.

 وكشفت الورقة أيضا أن فهم المفردات القرآنية عامل مساعد في استخراج المنهج القرآني في بناء السلوك الإنساني داخل الأسرة، وهذا ما ظهر واضحا في مداخلة الدكتور محمود خليل أبودف من جامعة غزة، حيث بحث في ورقته “التوجيهات التربوية من خلال خطاب الآباء للأبناء في القرآن الكريم وكيفية الاستفادة منها في تطوير الدور التربوي للأسرة المسلمة في واقعنا المعاصر” فالأستاذ الفاضل وظف تخصصه في أصول التربية الإسلامية لكشف المجالات الأساسية للتوجيه التربوي في القرآن الكريم، والتي حددها في المجال الإيماني والمجال التعبدي والمجال الاجتماعي، واستظهر جملة من الاتجاهات السلوكية المتضمنة في تلك التوجيهات بما يفيد في إرشاد الآباء لمسلك التربية السليمة، واقترح آليات لتطوير الدور التربوي قال إنها تستجيب لتحديات الواقع المعاصر.

هذه العلاقة التي يسعى القرآن الكريم إلى بنائها بين الآباء والأبناء تحتاج إلى وسط معافى مبني على فقه سليم يسهم في تثبيت الألفة والتفاهم والانسجام بين الزوجين، وكان هذا الجانب محور المادة التي قدمها الدكتور إبراهيم عيسى صيدم عضو رابطة علماء فلسطين والمتخصص في علم التفسير، حيث قرّب الحاضرين من نموذج لـ “الحياة الزوجية كما تصورها سورة التحريم” واعتبر أن لهذا النموذج أهمية بالغة في ترشيد العلاقة الأسرية. وقد كشفت ورقته عن بعض الأسباب التي تؤدي إلى الخلافات الزوجية، فسعى من خلال السورة المدروسة إلى بيان سبل علاجها. وخلص في الأخير إلى أن الدراسات القرآنية لابد أن تمد الباحث –متى نالت حظا من الاهتمام- بما فيه النفع للناس وما يصلح أحوالهم ويقيم لهم المعاش.

 

وهذا النموذج الذي عرضه الدكتور صيدم مستخلصا من سورة التحريم صور جانبا من جوانب التوجيه القرآني للأسرة، على أن من هذا التوجيه ما يشير إلى الوظائف الكبرى والوظائف الفرعية لأفراد الأسرة، ومنه ما يفيد في الإعداد والتنشئة وفق المنظور القرآني العام للحياة والإنسان. ولكي يسلم استثمار هذه التوجيهات يحتاج الباحث إلى تركيب المشاهد الأسرية المبثوثة في النصوص ليستعين بذلك على استخلاص المعرفة منها، وهذا بدوره يحتاج إلى استحضار جملة من الآليات والأدوات والقرائن.

ولقد أحسن الدكتور عمران سميح نزال، الباحث الأردني المتخصص في الدراسات الإسلامية والفكر السياسي، حين لفت الأنظار إلى قيمة السياقات التاريخية التي وردت فيها التوجيهات التربوية، وذلك في معرض تقديمه لخلاصة ما درسه من “مشاهد أسرية في سورة مريم، دراسة معرفية واجتماعية” حيث أوضح أن السورة المذكورة تتضمن ثماني صور أسرية، تتحدث عن الأسس المعرفية للعلاقات الاجتماعية، وترشد إلى ما يصلح الحياة الاجتماعية للإنسان، وأشار فضيلته إلى أن هذه الصور بمثابة الرمز والنموذج المقدم للاحتذاء.

ولقد استصحب الدكتور نزال في اجتهاده تقدم تاريخ نزول الآيات التي جعلها محور درسه، حيث قال إن لهذه الآيات دلالات اجتماعية كان لها دور في توجيه المجتمع الإسلامي الناشئ إلى بناء الأسرة الرصينة التي أراد الله تعالى أن تكون نواة المجتمع السليم، حتى تسري سلامة المجتمع إلى عموم الأمة الوسط، ولتكون الأمة بدورها نواة العالم الآمن والعادل. ورفعت الجلسة بعد تعقيبات الدكاترة المكلفين بالورقات التعقيبية، وبعد نقاش من قبل الجمهور.

بعد الغداء كان موعد الحضور مع حصة جديدة من المداخلات، سعت إلى تركيب مجموعة من الهدايات القرآنية والتوجيهات النبوية داخل موضوعات منسجمة تقرّب التصور الإسلامي للأسرة من حيث وظائفها في بناء الشخصية المسلمة والأمة المتماسكة الشاهدة.

وقد ترأس هذه الجلسة الدكتور أمين القضاة عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، فقدم الكلمة أولا للدكتور ماهر حسين حصوة من جامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بالإمارات، ليتحدث عن “مقاصد الأسرة وأسس بنائها في الرؤية الإسلامية” حيث بيّن أن أحكام الأسرة تقصد حفظ النوع البشري وتسعى إلى تحقيق مقصد الإفضاء الجنسي والنفسي معا، مثلما تقصد تحقيق التماسك الاجتماعي ومقصد الشهادة على الناس. وركز الدكتور ماهر في مداخلته على أهمية النظر إلى مقدمة الزواج من خطبة ومهر وولاية وكفاءة وما إلى ذلك، من زاوية ما تحققه من مقاصد شرعية. كما نبّه على ضرورة تصحيح بعض المفاهيم الاجتماعية المتعلقة بالمعايير، من جمال ودين وكفاءة ونسب وما يتعلق أيضا بالحقوق البينية داخل الأسرة. ونبّه على دور الأسرة النووية في بناء الأسرة الممتدة والغاية الكامنة في توسيع صلة الرحم من النسب إلى الصهر، وامتداد ذلك إلى بناء الأمة.

ومن جهتها عالجت الأستاذة مونية الطراز، الباحثة بمركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، موضوع الأسرة من حيث هي بناء، وقاربت “البناء الأسري وأهلية الزوجين مقاربة شرعية مقاصدية” وخلصت في مقاربتها إلى أن هذا البناء له دعائم تحفظه من الانهيار، منها كون الزواج ميثاق غليظ يشبه الميثاق الذي يجمع الله تعالى بأنبيائه، ومنها كون بر الوالدين واجب مقدس، قُرن في القرآن الكريم برباط العقيدة الذي يشد المؤمن إلى خالقه، ومنها كون صلة الرحم رباط متين، به تمتد الصلات إلى الأباعد فيتحقق بذلك تماسك الأمة. ولا يمكن للبناء الأسري أن يستقيم دون توفر شرطين اثنين في المقبلين على الزواج، أولا: شرط الوعي بعظمة الوظيفة الأسرية، ثانيا: شرط الكفاءة والأهلية الكفيلة بإنجاز المطلوب.

وبالمثل أكّدت الباحثة على أهمية تخليص بعض المفاهيم من الشوائب، مثل مفهوم النسل حتى لا يبقى رهينا بمقصد الإكثار دون اعتبار لصفة الصلاح الواجبة في المستخلف، وأهمية استحضار الأهلية الكافية لواجب الإعمار على المنهج الرباني كلما جرى الحديث عن الزواج، وهذا يستدعي بحسب الباحثة التوجه إلى إنجاز فقه عمراني في باب الأسرة يدفعها إلى تحقيق المبتغى.

يتبع …

 

نشر بتاريخ: 9 / 05 / 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق