مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

تقرير عن: «قراءة في كتاب «أزهار البستان في طبقات الأعيان» للشيخ أحمد ابن عجيبة

نظم مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية بتطوان التابع للرابطة المحمدية للعلماء قراءاتٍ لكتاب الشيخ أحمدَ ابنِ عجيبة: «أزهار البستان في طبقات الأعيان»، الذي حققته دة. اعتماد الخراز، وقدم هذه القراءةَ الدكتورة سعاد الناصر، والدكتورة أسماء الريسوني، والدكتور محمد سعيد البقالي، وذلك يوم الخميس 14 ذي القعدة 1445هـ الموافق لـ 23 ماي 2024م، بمقر المركز.

أدارَ الجلسةَ الأستاذُ الدكتور عبد الرحمن بودرع، ورحب بمحققة الكتاب وبالحضور الكرام أساتذة وباحثين وطلبة.

ثُمّ تناولَت الكلمةَ المُحققةُ، مستهلة حديثها بشكر رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي الدكتور محمد الحافظ الروسي وللدكتور عبد الرحمن بودرع على هذه المبادرة الطيبة، على المجهودات النبيلة التي يبذلها المركز ويسهر على خدمة الثقافة ونشر الوعي بالتراث الفكري والأدبي، العربي عامة والمغربي بصورةٍ خاصة.

تحدثت المحققةُ عن مؤلف الكتاب أبي العباس أحمد بن عجيبة الذي ترك لنا مؤلفات وشروحات في شتى مجالات العلم والمعرفة، مشيرة إلى أن كتاب «أزهار البستان في طبقات الأعيان» لم يحظَ باهتمام كبير بالرغم من تميزه ومكانته بين مؤلفات بن عجيبة؛ فلم تتناوله يد بالتحقيق أو بالدراسة المتأنية الدقيقة رغم تفرده بعدة خصوصيات، وذكرت أن تحقيق أزهار البستان ودراسته كان موضوع أطروحتها التي حصلت بها على شهادة الدكتوراه تحت إشراف الشيخ الدكتور عبد الله المرابط الترغي رحمه الله. وأضافت أن اختيار تحقيق هذا المؤلَّف كان من اقتراح والدها الدكتور عبد القادر الخراز رحمه الله تعالى، وتحدثت أيضاً عن الصعوبات التي اعترضتها أثناء إنجازها هذا العملَ، ثم ما تضمنه محتوى الكتاب من تراجم أعلام فقهاء المذهب المالكي الذين ينتمون إلى مختلف البلدان الإسلامية شرقا وغربا من القرون الهجرية الأولى إلى عصر المؤلف، وأشارت المحققةُ إلى أن المؤلف ابنَ عجيبة رحمه الله قَسم الكتابَ إلى تسعة أبواب خصها لصنفين من الطبقات: الصنف الأول: ترجم من خلاله لطبقات العلماء وهم الفقهاء والمحدثون  والحفاظ والقضاة والقراء وهواة الرسم والمفسرون، أما الصنف الثاني: اقتصر فيه على تراجم طبقات الأدباء واللغويين والبلاغيين والنحويين، وقد ذكر المؤلف في المقدمة موضوع الكتاب ومنهجه. وختمت المحققةُ كلمتها بشكر كل من أسهم في طبع هذا المؤلَّف النفيس الذي يعدُّ ذخيرةً من ذخائر تراثنا المغربي، راجيةً أن يكون المجهود ثمرة تضاف إلى كل الأبحاث العلمية التي تُبذل لإحياء التراث الفكري والثقافي من تراثنا الإسلامي عامة، والمغربي بصفة خاصة.

أما القراءة الأولى للكتاب فقدمتها الأستاذة الدكتورة سعاد الناصر التي عبرت عن سعادتها بوجودها مع ثلة من العلماء الأجلاء والأساتذة والحضور الكرام، للاحتفاء بصدور تحقيق مؤَلَّف ثمين، وفي هذا المقام ذكرت المحاضرة أن اختيار المحققة تحقيقَ التراث في مسيرها العلمي يعد اختيارا موفقا لما في تحقيق المخطوط من فوائدَ شتى على أكثر من صعيد، واستنادا إلى الأهمية الكبيرة التي يمثلها هذا التراث من حيث أنه يعبر عن هوية الأمة وثقافتها وروحها وفكرها، إضافة إلى أن هذا التراث يوفر مادة معرفية متعددة المجالات متصلة بمختلف جوانب الحياة مما يصلح أن يكون منطلقا لفتح مجالات واسعة من البحث والدراسات، كما أشارت الدكتورة سعاد الناصر إلى أن اختيار الباحثة مجالَ التراجم والطبقات يكشف عن مدى الوعي لمكانة كتب الطبقات في التراث العربي والمغربي، وأضافت أن علم التراجم انبثق عن العديد من العلوم المتعلقة بوجه الخصوص عن علم الإسناد، وأشارت كذلك إلى أن علم التراجم يعد فرعا من فروع علم التاريخ الذي يحتاج إليه العالم وطالب العلم على السواء؛ إذ به يَعْرِف المتأخرون أحوال من تَقَدَّمهم من الرجال والعلماء من أهل الفضل، وذكرت أن الكتاب الذي بين أيدينا يدخل في هذا المجال فهو يفيد طلبة العلم خاصة في مجال التعريف بعلماء المالكية، ثم وقفت المحاضرة عند الشيخ  أحمد بن عجيبة مؤلف الكتاب فذكرت أنه يعد أحد أعلام التصوف السني في القرن الثاني عشر الهجري بالمغرب، فقد كانت مواقفه تعبر عن مميزات المدرسة الدرقاوية في شمال المغرب باعتبارها مدرسة مستقلة عن باقي الطرق الصوفية التي عُرفت بوسط المغرب وجنوبه وشرقه، وأشارت كذلك إلى أن المؤلف عرف بكثرة تآليفه وتنوعها منها المطبوع وأغلبها لا يزال مخطوطا، وقد ألف في علم التفسير وعلم القراءات والحديث والرجال والفقه والعقائد واللغة والسلوك، وحظي الشيخ بن عجيبة بألقاب وأوصاف تنم عن تقدير له وعرفان بعلمه وفضله وتشير إلى ما بلغه من منزلة رفيعة، وذكرت أن أغلب مؤلفاته يغلب عليها الاهتمام بتفسير القرآن الكريم والشروح ومن أبرزها: «البحر المديد في تفسير القرآن المجيد»، بالإضافة إلى كتاب «أزهار البستان في طبقات الأعيان» فهو من أهم مؤلفات الشيخ أحمد بن عجيبة، ثم تحدثت عن عمل محققة الكتاب، فذكرت أنها قسمت بحثها إلى قسمين: قسم التحقيق ارتكزت فيه على منهجية علمية قامت على قراءة متأنية من أجل تحقيق النص وتقديمه بصورة قريبة إلى النسخة الأصلية للمؤلِّف، وقد توفرت المحققة على أربع نسخ مخطوطة من الكتاب اعتمدت في تحقيقها على المخطوطة التي رأت أنها الأقرب إلى الصحة والوضوح، مستعينة في ذلك بنسخ أخرى من أجل ضبط الكلمات ومعالجة بعض الفراغات والبتر، ووضعت مجموعة من الشروح والتعاليق والتوضيحات تيسيرا لقراءة النص، ثم عملت على ضبط النصوص الشعرية وتوثيقها كما حرصت على تخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ثم ذيلت الكتاب بمجموعة من الفهارس. ثم قسم التقديم الذي استهلته بمقدمة بينت فيها جهودَ العلماء قديما وحديثا في التراث المغربي والعربي، وأهمية هذا الكتاب وعلو شأن مؤلفه في شتى مجالات العلم والمعرفة، ثم قسمت هذا التقديم إلى ثلاثة فصول.

أما القراءة الثانية للكتاب فقدمتها الدكتورة أسماء الريسوني التي تطرقت في ورقتها إلى أنه لما كان العمل الذي قامت به المحققةُ هو التحقيق فإن ذلك قد يثير تساؤلات كثيرة، علماً بأنّ التحقيقَ فنّ وصنعةٌ أو صناعةٌ وليسَت علماً.

وانطلاقا من ذلك ذكرت أنها ستبحث عن مظاهر الصنعة فيما أنجزته المحققة، كما أن ورقتها ستنصب في الكشف عن أمرين أولهما: ضبط معايير الاشتغال، وثانيها: الوقوف على مكامن الإبداع والإتقان والمهارة.

ومن خلال الأمر الأول ذكرت المحاضرة أن الوعي المنهجي عند المحققة يتجلى في أمور ثلاثة: هي المقدمة، صناعة الفهارس، وخدمة النص المخطوط، وقد فصلت المحاضِرة القول في هذه العناصر الثلاثة. وأضافت أن هذه المعايير تهدف إلى خدمة النص المخطوط وتُبين مدى تمكن المحقق من الأدوات المعرفية والمنهجية واللغوية، كما تبرز قدرته على القيام بهذا العمل الشاق الذي يتطلب الجمع ما بين أمرين أسهلهما صعب.  وذكرت أن هذا ما يقودها إلى معاينة الأمر الثاني في عمل محققة  “أزهار البستان في طبقات الأعيان” والمتعلق بمدى المهارة والإبداع انطلاقا من اعتبار أن التحقيق صنعة بالأساس، فهي ليست عملية تقنية بل هي عملية تتطلب الاجتهاد والمهارة؛ وهنا مكمن الاختلاف بين تحقيق وآخر وما بين محقق وآخر، وفي هذا المنحى أشارت الدكتورة أسماء الريسوني إلى أن المتن المحقق مميز جدا؛ فهو يحفل بالنصوص الأدبية والأحداث التاريخية وبالطُّرف العلمية والإشارات الصوفية، وهو ما يجعل نشر الكتاب  وإخراجه من رفوف المكتبات إلى دور الطبع حدثا بحد ذاته لقيمته العلمية في التأريخ للحركة الثقافية ببلادنا. وفي معرض حديثها أضافت المحاضرة أن التحقيق عمل شاق لا يستطيع القيام به إلا ذوو الهمم، مشيرة في ذلك إلى كون وجود بعض الإشارات الخجولة التي تنبئ عن أن المحققة ذات قدرة على التدخل في النص ومحاورة ما جاء فيه كما تشي عبارة «بالمثل»، إذ تحلت المحققة بالجرأة العلمية وتخلت عن خجلها الإنساني المعهود فيها وتوسلت بكفاياتها اللغوية المعرفية واتبعت توجيهات والدها رحمه الله. وختمت الدكتورة أسماء الريسوني ورقتها بشكر الدكتورة اعتماد الخراز على تحقيق إحدى ذخائر التراث المغربي الفذ والنفيس.

أما القراءة الثالثة للكتاب فقد قدمها الدكتور محمد سعيد البقالي الذي صدر كلامه بأن كتاب «أزهار البستان في طبقات الأعيان» يدعونا إلى استحضار السياق الثقافي والحضاري للمغرب خلال المرحلة التي ألف فيها الشيخ أحمد بن عجيبة مؤلفه هذا، فذكر أن هذا الكتاب يجد أصوله وجذوره في كتابات أخرى كتبت قبل القرن الثالث عشر، حيث وجد المؤلف في نفسه رغبة في تخليد أسماء الرجال وتراجمهم والتعريف بهم، فالكتاب حسب قوله أحد نتاجات المناخ الديني والفكري والثقافي والصوفي في المغرب، الذي عرف ميلاد حركات صوفية تعكس الطابع الاجتماعي الذي يتماشى مع هذه الحركات، والتي انتشرت في كل بقاع المغرب وعلى امتداد قرون فأصبح المغرب موطنا للتصوف والمتصوفة والطرق الصوفية، وأشار المحاضر إلى أن عصر المؤلف يعد من محاسن الدولة السعيدة (الدولة العلوية)، ثم ذكر أن الشيخ بن عجيبة كرس حياته لخدمة العلم والتصوف والتفسير والقراءات. وفي هذا الشأن ذكر المحاضر أن الكتاب اعتنى فيه صاحبه بعلماء المالكية منذ نشأتهم إلى عصره، ففيه ترجمة لشيوخه من العلماء مستفيدا من مادة ترجمية وافية كانت قبل عصره، وقد كانت الترجمة عنده تعمد إلى تتبع آثار المُترجَم لهم في حياتهم ومسيرهم لتتصل بذكر مناقبهم وشمائلهم، وهذا ما جعل هذا المؤلَّف ثمرة من ثمرات ثقافة الشيخ أحمد بن عجيبة، ذاكرا في ذلك أن المؤلِّف بنى كتابه على منهج ذي أبعاد ثلاثية، وقد كان الشيخ واعيا بالمنهج الذي سيصدر عنه في تصنيف التراجم فقد سلك مسلكا زمنيا، وأضاف المحاضر أن الكتاب من ناحية أخرى يجيب على مجموعة من الإنشغالات والهواجس التي أراد الشيخ أن يجيب عنها من خلال هذا المصنف النفيس ومن خلال التراجم التي أتى على ذكرها، وذكر أن معرفة بواعث التأليف أولا هي مسألة حتمية للدارس وهي إحدى مداخل القراءة للمتن من الداخل، كما أشار المحاضر إلى أن دوافع تأليف الكتاب قد تكون دينية وعلمية في الآن ذاته واستدل بذلك على كلام المؤلف من الكتاب.

وأضاف الدكتور محمد سعيد البقالي أن ما استوقفه من الكتاب هو عنوانه، حيث يأخذ العنوان نصيبا وافرا من الاهتمام والعناية من قبل المؤلف، من أجل صياغته وتطريزه وجعله ذا بنية ترنمية نغمية، تستوجب التوقف مليا أمام قدرة المغاربة على نسج عناوينهم وإحكام صنعتها مبنى ومعنى وسجعا، كما ذكر المحاضر أن المؤلف اعتمد في بناء كتابه على مصادر مكتوبة وأخرى شفهية تتصل في أغلبها بتراجم القرن الحادي عشر. ثم ذكر كذلك أن المحققة أولت أهمية خاصة  لمنهج التحقيق مؤكدة أن الدقة والعمق في المعارف بعيدا عن الترتيب والمنهج غير كافيين، ومن جهة ثانية أشار المحاضر إلى أن المحققة أعلنت منذ الصفحات الأولى من الكتاب عن الدوافع والدواعي التي دفعتها لتحقيق الكتاب، ثم تحدث عن الرموز التي اعتمدتها المحققة للتفريق بين المنقول والمستدرك من النسخ المتاحة، كما عملت على إضاءة مجموعة من الجوانب الهامة للمتن المحقق بمقدمة خصصت للحديث عن المؤلف ميلادا ونشأة وتتلمذا ومشيخة، ثم استحضر المحاضر نصا ينم عن  التكوين الصوفي للمؤلف، وأفاد المحاضر أن المحققة تطرقت للإرهاصات الأولى لأدب التراجم حتى تضع الكتاب في سياقه وإطاره المعرفي.

وخلص المحاضر إلى أن كتاب أزهار البستان  كتاب جامع عمل من خلاله الشيخ ابن عجيبة على التفاعل مع العصر الذي عاش فيه، فهو حامل لثقافة تقليدية انعكست على فكره وتراثه في مقابل الثقافة المتجددة كما يقول الدكتور محمد العمري، إلا أن إثبات جدارته من خلال هذا المصنف لم يمنعه من أن يكون مشاركا في هذا العلم والعمل حرصا منه على أن يدلو بدلوه في علم سبقه إليه العلماء من خلال إجراء تصنيف الأعلام والتراجم، ولئن كان الشيخ وجد أمامه مادة جاهزة فإن جهده استفرغ في جعلها في طبقات معتمدا منهجا واضحا في ذلك، وإذا كان السعي من هذه التراجم إلى تحقيق أغراض ومقاصد صوفية فإنها تعمل كذلك على تقديم هذه الغاية في خدمة الوعظ والتلقين وإقناع المريدين  الذي يبقى في المقام الأول مطلبا ضروريا وشرطا أساسيا تقيم عليه الترجمة الصوفية صرحها. وختم المحاضر ورقته بأن الكتاب يمكن أن يكون مادة بحثية في التاريخ والشعر والأدب وغيرها من الطرائف التي أتى بها كتاب أزهار البستان في طبقات الأعيان.

ثم أعقب هذه القراءاتِ مناقشةٌ علمية شارك فيها مجموعة من الأساتيذ والطلبة والباحثين الذين حضروا هذا اللقاء العلمي، فكانت الكلمة الختامية لمحققة الكتاب اعتماد الخراز التي أجابت عن بعض ما اكتنف تقديمَ الكتابِ من غموض أسهم في إثارة الأسئلَة. وقد أغنت هذه المناقشة الرصيد العلمي لهذه القراءة وفتحت آفاقا جديدة للبحث، خاصة في قراءة التراث المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق