مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

تقرير عن الملتقى العالمي السابع للتصوف

دة. ربيعة سحنون

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بوجدة

   نظمت الطريقة القادرية البودشيشية أيام 11/10/09 ربيع الأول 1434ھ الموافق لـ 23/22/21 يناير 2013م، بشراكة مع المركز الأورو متوسطي لدراسة الإسلام المعاصر، وبمشاركة مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، الملتقى العالمي للتصوف في دورته السابعة، بمقر الزاوية الأم بمداغ ناحية بركان، في موضوع: “التصوف والأمن الروحي: الأسس، التجليات، الآفاق”، كما شارك في هذا الملتقى العلمي نخبة من المفكرين والباحثين والمتخصصين، من المغرب وخارجه، من بلدان مصر، والأردن، وفلسطين، والإمارات العربية المتحدة، ولبنان، والجزائر، وتونس، والنيجر، والسنغال، ومن فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا…، وغيرها من البلدان التي كان لها حضور متميز خلال أشغال هذا الملتقى الذي اكتسب صفة العالمية، لجديته في معالجة مواضيع العصر في ربط دائم بالتربية الروحية ودورها في إصلاح الفرد والمجتمع.

    أجمعت آراء المشاركين في هذا الملتقى على أن التصوف هو الجانب الروحي في الإسلام،  والمدرسة التي تُعلِّمُ الإنسان كيف يتعامل مع الأكوان، فقد أرى الإنسان حلاوة الإسلام عبر القرون، فهو مفتاح عودة الأمة إلى النجاح، وهو طريق النصر، وفلسفة حياة لإسعاد النفس، يمتلك من المقومات ما يجعله قادرا على استئصال مكامن الشر.


    إن الأمن الروحي هو نقطة الارتكاز التي تستند عليها جميع أنواع الأمن الأخرى التي ينشدها الإنسان، والتي ما هي سوى تمظهرات خارجية وواقعية لهذا الأمن، ولا يتأتى الأمن الروحي إلا بمعرفة الإنسان لنفسه، ومعرفة الاختلالات الذاتية ومحاولة معالجتها، مع التصالح مع الذات وتحقيق التواصل معها، وعبر هذا التصالح والتواصل الذاتيين يتحققان خارجيا.

     فالتربية الروحية تتصدى لجوهر الإنسان ولبه، وتزكية النفس وإصلاحها، وترتقي بالنفس من أمارة بالسوء إلى نفس لوامة إلى نفس مطمئنة، فيصبح الإنسان بذلك متوازنا، متكاملا، فاعلا ونافعا، متواصلا، منفتحا على عصره، قادرا على إرساء قواعد السلم والسلام: إنه سلم لساني، أخلاقي، سلم في العلاقات، سلم في العواطف والقلوب؛ فالتصوف يساهم في إشاعة قيم المحبة والرحمة وحسن التعايش والتواصل مع الحضارات والأديان، فتنعم بوافر الأمن والأمان.


    وأكد المتدخلون على أن الداعي وراء اختيار موضوع الأمن الروحي هو إعادة الاعتبار للشأن الصوفي كثابت من ثوابت بلدنا من جهة، والأزمات والحروب والمآسي الإنسانية التي يعيشها اليوم العالم المعاصر من جهة أخرى، فقد جاء هذا الموضوع في وقته وحينه، لأن الحاجة ملحة في عصر طغت فيه المادة على الروح، وتقاذفت علينا الفتن من كل حدب وصوب، فالساحة إذا خلت من التصوف ملئت بالتطرف، ولا أمن حضاري بغير أمن روحي، ولا أمن روحي بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين، لأن الدين في أسمى معانيه خلق، ولا دين إلا بالتكامل بين الروح والجسد، وبين العقل والقلب، وبين الدنيا والآخرة، ولا يكون ذلك إلا بالتكامل والتوازن.

    فالرسالات السماوية كلها لها هدف واحد: شخص الإنسان روحا ونفسا وجسدا، وغاية الرسل والأنبياء الرقي بالإنسان من السفاسف والرذائل إلى الأخلاق والسمو الروحي، لأن الأمن الروحي هو الناهض الحقيقي بالحضارات، والحضارة الحقيقية هي التي تجمع بين المدنية والروح، لهذا فالمطلوب هو التطبيق الجاد للتصوف، لأن الأمة اليوم في حاجة لتربية ربانية أخلاقية روحية ترنو إلى الإحسان، وتدعو إلى البناء والفداء والتضحية في كل حين، وفي خدمة الخلق أجمعين.

    شدّد المحاضرون على أن التصوف ضرورة إنسانية، وصحوة فاعلة، ويقظة دائمة٬ تدعو إلى التوافق بين المادة والروح، حتى تتجسد الصوفية بمعناها الحقيقي، وتقوم بتمتين علاقة الإنسان بربه٬ وتسهم في إيجاد روح ناهضة بالحيوية، ورؤية فاعلة تنطلق من المفاهيم الأصيلة للإسلام.
وأوضحوا أن الصوفية تُصلح ولا تُفسد، وتُوحد ولا تُفرق، وتُوجه الناس إلى الإخلاص لله تعالى في كل أعمالها، وتعمل على تحقيق العدل، وتنشئة الأجيال على طاعة الله، وتُجسّد الحب في الله بين الناس، وترسخ التقوى في النفوس، للتحلي بالعفاف والحياء والسعي إلى الخيرات.


    وأبرزوا أن التعاون والتشارك المتبادل من الآليات السليمة التي يرسخها التصوف في النفوس والقلوب والسلوك والاعتقاد والتداول بين الناس، في مناخ ملائم ومفعم بالتعايش السلمي والحضاري بين اختلاف وتنوع الهويات والديانات والخصوصيات٬ مع نبذ كل أشكال التطرف والعنف والتدمير.

    أعرب الباحثون على أن التصوف له دور محوري في تقريب الإنسان من حقائقه الاستخلافية، وانتشاله من براثن الاسترقاق المادي والشهواني الجارف، فهو الذي يغرس في المجتمع الإنساني مكارم التوادّ والتراحم والتعاضد والمحبة والتآلف وحسن التعايش، وهذه القيم تحقق السكينة والاستقرار والثقة المتبادلة، والسلم والسلام، وهذه أهم مقومات الأمن الاجتماعي والحضاري.

    وهو الحاصل –كما أكدت على ذلك أغلب المداخلات- مع المغاربة، حيث شكل التصوف أحد الدعامات الكبرى التي حافظت على الأمن الروحي للمغرب، لأن أهله تمسكوا بثوابت الهوية الدينية والوطنية اعتقادا وتطبيقا، وتعليما ونشرا وتأليفا، وتميزوا بصناعة النماذج الصالحة والتي بصمت تاريخ المغرب بآثارها الخالدة والناصعة، والمرصعة بأخلاق الوسطية والاعتدال، والتسامح والانفتاح على مختلف الحضارات، وحسن التعايش مع مختلف الديانات السماوية.

    ويتحقق كل هذا بالتربية الصوفية، والتجربة الروحية، والممارسة الفعلية، والتي تفتح آفاق الترقية والترقي في مدارج المعرفة والسلوك، فيتخلّق الإنسان بالاستقامة، والسلامة، وحسن المعاملة والتدبير، ويصبح آمنا في ذاته، وفاعلا حركيا في دينامية تحقيق الأمن والسلم لمجتمعه ولعالمه، وبالتالي فاعلا حركيا في إرساء دعائم الحضارة العالمية، بتضافر وتعاون وتكامل مع قوى الخير والحق والعدل والسلام.

وخرج هذا الملتقى العلمي بتوصيات، كان من جملتها:

        • العمل على تنزيل القيم الأخلاقية الصوفية الإسلامية في الحياة بمختلف مجالاتها، من خلال تسخير مختلف الوسائل الممكنة، ومنها الإعلام أساسا، كإنشاء محطة إذاعية وقناة فضائية متخصصة في التصوف.

          • إدراج التصوف في المقررات الدراسية بالمؤسسات التعليمية.

            • توطيد التعاون والتنسيق بين أهل التصوف عبر العالم.

              • الإكثار من اللقاءات العلمية في موضوع التصوف: ماهيته وتأصيله.

                • السهر على طبع أعمال الملتقيات العلمية الخاصة بالتصوف، ونشرها تعميما للفائدة.

                 • الاجتهاد مستقبلا لمزيد من الضبط لأعمال الملتقى كمّاً وكيفا، لعدد الجلسات والمداخلات، والتهييئ المبكر للملتقى.

                    • دعوة القيّمين على الملتقى إلى الانفتاح على غيرهم من المهتمين بالمجال الصوفي، من خلال عقد شراكات تفضي إلى إنجاز أعمال علمية مشتركة، داخل المغرب وخارجه.

                      • توسيع أفق الأعمال العلمية للملتقى، من خلال عقد أيام دراسية في مجموعة من المدن، تعالج بعض محاوره، وذلك إبّان سنة انعقاده.

                        • تفعيل نشر المعرفة الصوفية من داخل الزاوية القادرية البودشيشية، من خلال إغناء مكتبتها الصوفية وفتحها في وجه الباحثين، مع الإسراع في إنجاز جامعة الفتح.

                          • الاجتهاد لتفعيل روح الوسطية والاعتدال في البلاد الإسلامية، وكل العالم، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، لما لذلك من أهمية قصوى في البناء الإنساني فردا وجماعة.

                        ومن المواضيع المقترحة للملتقى المقبل بإذنه تعالى:

                               –  التصوف الإسلامي في سياقاته المعاصرة.

                               –  التصوف: استراتيجية للتواصل.

                               –  التصوف والتنمية: المفهوم، الأسس، التجليات.

                               –  التصوف وفكر الوسطية والاعتدال.

                               –  المرأة والتصوف.

                               –   كونية التصوف: المدارس المغربية نموذجا.

                           

                          اترك تعليقاً

                          لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

                          زر الذهاب إلى الأعلى
                          إغلاق