مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقدية

تقرير عن أعمال الملتقى الثالث للفكر الأشعري بالمغرب في موضوع: “الفكر الأشعري المغربي من المرينيين إلى السعديين: دلالات الاستقرار وسؤالات التحول”

مايو 11, 2022

بعد حفريات معرفية عن الأسس التاريخية للأشعرية في المغرب، وتتبع لمعالم التأسيس والترسيم في الملتقى الأول، وبعد محاولة علمية في تركيب صورة عامة عن الحضور الأشعري في الأندلس في الملتقى الثاني، ارتأت الرابطة المحمدية للعلماء ممثلة في مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية أن تنظم الملتقى الثالث للفكر الأشعري بالمغرب بتنسيق مع جامعة عبد المالك السعدي والمدرسة العليا للأساتذة (مرتيل)، وذلك يومي الأربعاء والخميس 10-11 شوال 1443هـ/ الموافق لـ 11-12 ماي 2022  لمواصلة البحث العلمي في مسار العقد الأشعري وتتبع أطواره وتشكلاته التاريخية في الغرب الإسلامي، حيث نقف عند محطة ما بعد الموحدين، وقد حُصـر مجال الدراسة بين العهدين المريني والسعدي، من أجل استجلاء الأوضاع العقدية في هذه المرحلة التاريخية المستشكَلة بين الدارسين والمؤرخين، والاستجابة لما تطرحه من قضايا وتساؤلات.

انطلقت أعمال هذا الملتقى في رحاب المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل بجلسة افتتاحية ترأسها الدكتور أحمد السنوني (الأمين العام المساعد) نيابة عن فضيلة الدكتور أحمد عبادي (الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء)، وجاءت كلمته تمهيدا تاريخيا للفكر الأشعري وتطوراته الكبرى في المغرب انطلاقا من التوجهات المذهبية السنية الأثرية وميول أهل هذه الناحية إلى التمذهب بمذهب الإمام مالك، والبدايات المبكرة لتكوين طبقة مغربية عالمة أخذت الأسانيد الأولى لمذاهب أهل السنة الأشعريّة عن تلامذة الإمام أبي الحسن الأشعري، متتبعا بعد ذلك الأطوار التاريخية التي تقلب فيها هذا الاعتقاد، مبرزا أهم صور نشاطه الفكري في العهود موضوع الملتقى وأشهر أعلامها.

وفي  كلمته التي ألقاها نائبه الدكتور جمال الدين بن حيون أعرب رئيس الجامعة الدكتور بوشتى المومني عن احتفائه بالشـراكة العلمية مع الرابطة المحمدية للعلماء واعتزازه باحتضان الملتقى، مُشيدا بالدور الذي تضطلع به في الخدمة العلمية للثوابت الدينية، ومقدرا جهودها في تعزيز وسطية النموذج المغربي واعتداله في التدين والتساكن والتعايش، كما عبر عن سعادته وتقديره للثقة فيما تقدمه الجامعة من عطاء علمي مستمر خدمة لقضايا الوطن.

من جهته رحب الدكتور زهير العمراني (مدير المدرسة العليا للأساتذة) بأشغال هذا الملتقى، منوها بموضوعه وبالاختيار المغربي الواعي لنموذج مذهبي في التدين تطبعه سمة المرونة والاعتدال، مما جعل البحث في هذا المذهب والاعتناء به عبر تتبع مراحله والكشف عن خفايا عصوره وامتداداته الجغرافية من  علامات نصـرة الحق وتكريس قيم الوسطية والاعتدال.

 وعن الإطار العام للملتقى تحدث الدكتور جمال علال البختي (رئيس مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية) مبرزا مجريات العمل فيه ودواعي اختياره ومسوغات موضوعه وإشكالياته وقضاياه، ومدى الحاجة العلمية الملحة في استكمال تركيب الصورة التاريخية المغربية الشاملة لمسيرة الفكر الأشعري في هذا البلد، عارضا لمجمل التساؤلات حول مكانة وطبيعة ومضامين هذا الفكر في هذه المراحل التاريخية.

اختصت الجلسة العلمية الأولى بالمدخل التاريخي والتوثيقي، أبرز فيها مسيرها المؤرخ الدكتور عبد العزيز السعود أهمية التاريخ وعلاقته بالنشاط الفكري للذات، وحاجة الدول للتدوين التاريخي،  ومنها دولة المرينيين التي برزت كتب التاريخ في عهدهم، كما يرجع إليها الفضل في تسجيل تاريخ دول المغرب الأقصـى إذ أن جل المراجع عن تاريخ الأدارسة حتى الموحدين لم يبق منها في الغالب إلا ما كتب في هذا العهد. وقدم المتدخل معطيات علمية مفصلة عن كبرى المراجع التاريخية في هذا العصـر،  كما بين استعانة السلاطين المرينيين بالمؤرخين الأندلسيين من الذين وفدوا عليهم مثل لسان الدين ابن الخطيب، ومبرزا كذلك الدور العلمي لابن خلدون في هذه المرحلة مبينا أهم معالم مشـروعه التاريخي وإشكالياته وأحكامه على العصـر، ولم يغفل الباحث قضية انحطاط العصر المريني المتأخر والوطاسي، مبينا مسوغات من قال بذلك، ومنبها إلى جوانب أخرى مضيئة، فهذا العصر بحسب رأيه لم يكن بتلك الصورة الحالكة من الناحية الفكرية والعلمية فالنشاط التعليمي لم يتوقف حتى في وقت التعبئة للجهاد ضد الغزو الأجنبي.

وفي المداخلة الثانية بعنوان «الفكر الأشعري المغربي من المرينيين إلى السعديين: المصادر والببليوغرافيا» قدم الأستاذ محمد أمين السقال (مركز أبي الحسن الأشعري) مساهمة ببليوغرافية تجلي عن مصادر الفكر الأشعري في مغرب ما بعد الموحدين. وقد صدَّرها بتوطئة شدَّد فيها على أهمية الاشتغال بالببليوغرافيات في البحث العلمي المتخصص، مبينا أن استئناف النظر في القضايا الكلامية في الغرب الإسلامي يستلزم أولا إدراك الموروث العقدي والكلامي المغربي؛ بالتعرف إلى رجالاته ومصنفاته، والإحاطة بموضوعاته وإشكالاته.. وهذا لا يتأتى إلا بالقيام بمسح ببليوغرافي لأسماء المؤلفات التي صُنفت في علم الكلام الأشعري. ثم عرض الباحث للهيكلة العامة التي انتظمت  ما سماه بـ”تصنيف موضوعاتي” للأعمال المجرودة في كتاب “المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية” للدكتور خالد زهري؛  جاءت في عشرة أقسام وتحت كل قسم أجناس موضوعاتية تضم ما يناسبها من العناوين، اختار منها جملة من النماذج تبين عن مقصد العمل وأهميته. ثم ختم مداخلته بعرض جملة من الخلاصات عن أهم الموضوعات التي استبدت باهتمام علماء الأشعرية في المغرب محصيا ما ألف فيها ومتسائلا بخصوص بعضها عن مسوغات الاهتمام بها كالمقدمة العقدية لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومرشدة ابن تومرت وموضوع الهيللة.

وتحت عنوان «الحضور الأشعري بالمغرب من المرينيين إلى السعديين» قدم الدكتور وسام رزوق (مديرية التربية الوطنية/وزان) أهم دلالات استقرار المذهب وعوامل استمراره في هذه المحطة، انطلق فيها من مفهوم الترسيم الذي عرفه العصـر الموحدي وما حمله من دلالات سياسية لا تعكس الحقيقة التاريخية كما تجلت في الصـراع الأثري الأشعري في نهاية العصر المرابطي،  وعن هذه الحقيقة التاريخية شدد الباحث أنه بعد تناسل الكثير من الدراسات الأشعرية يلزم إعادة النظر في كثير من الأحكام والإطلاقات التي همَّت التأريخ للحضور الأشعري بالمغرب، مثل دعوى عدم انتشار علم الكلام بكثرة على العهد المريني، ووسم العصـر الوطاسي بالانحطاط الفكري، وإلحاق صفة الجمود الفكري بالعهد السعدي. وبعد عرض عام للحضور الأشعري في هذه العصور، أبرز المتدخل أهم دلالة في هذا الحضور والتي رآها في اكتمال معالم الخريطة الفكرية الناظمة للهوية المغربية، ليصبح ثابتا من ثوابتها، وينصهر مع مقوماتها وبنيتها الثقافية، وليتجاوز المشروعية الكلامية إلى المشروعية الحضارية؛ وهو الأمر الذي تأكد مع كل العصور بعد الموحدين؛ ولم يكن بعدهم عصبية لتحقيق مآرب الإمارة والملك، بل عاملا في دوامها وصلاحها، لاشتماله على العقيدة الصحيحة، المستتبعة لصلاح العمل، ومن تم صلاح الرعية.

وفي مداخلة الدكتورة إكرام بولعيش (مركز أبي الحسن الأشعري)، تعقبت في كلمتها بعنوان: «امتدادات الأشعرية في مغرب ما بعد الموحدين» دلالات سؤال امتداد الأشعرية ما بعد الموحدين من حيث تأثره بالسيرورة التاريخية تطورا ووظيفية، وفتحت آفاق البحث في أسبابه ومقوماته على أبعاد تاريخية وفكرية وسياسية تعيد للبحث في هذه المراحل ما بعد الموحدين من تاريخ الفكر بالمغرب قيمة تضاهي تلك التي حظيت بها المراحل السابقة، المرابطية والموحدية؛ إذ الحديث عن الامتداد بصفة عامة يبدأ من سؤال امتداد الدعوة أو الفكرة الدينية التومرتية، ثم يعرِّج على البعد الفكري الأشعري وهو على مستويين؛ الأول يقتضي الفصل بين العقيدة التومرتية والأشعرية الموحدية، والقصد إلى النظر في برهانية السلالجي وشروحها باعتبارها انعكاساً لامتداد أشعرية السلالجي في العصور اللاحقة، والدافع إليه دعوى بعض الباحثين أن السلالجي كان من الذين أسهموا في حركة نشر مؤلفات المهدي وشيوع طريقته، وأنه كان متصديا لتعليم عقيدة ابن تومرت. أما المستوى الثاني فيتمثل في مدى تبني مرحلة ما بعد الموحدين مذهب المتقدمين أو المتأخرين وتجلياته، وذلك من جهة تتبع مضامين النصوص الكلامية المغربية والبحث في مدى متابعتها لمنهج المتقدمين في التقعيد العقلي وهو قيام العملية الاستدلالية على طريق اللزوم، في حين أن المؤشر على اتباع منهج المتأخرين وعليه يحكم بالانتماء إلى الفترة المتأخرة، مخالفةُ المتقدمين بإبطال العلاقة اللزومية والتأثرُ بالمنطق اليوناني الأرسطوطاليسي أو الرواقي.

وعن البناء الهندسي للنصوص الكلامية في هذه المرحلة التاريخية، قدم الدكتور خالد زهري (كلية أصول الدين/تطوان) محاضرة تنتمي لما سماه بـ«هندسة الكلام»، فعلم الكلام في منظوره مجموعة حقول، أكد على تعددها وحصرها في: حقل الدرس، وحقل التجديد، وحقل أنثروبولوجيا الكلام، وحقل المصادر، وحقل التوثيق، وحقل التاريخ، وحقل الأعلام، وحقل فقه الكلام، وحقل روح الكلام. والقصد من هذه الهندسة ـ بحسب تعبيره ـ التعامل مع النصوص الكلامية على مستويين؛ أولا الكشف عن البنية الخارجية، المتمثلة في النظام المنطقي الذي يجعل النصوص الكلامية متعالقة فيما بينها، وهو الذي يُسمَّى عند الببليوغرافيين بــ “الببليوغرام، “والثاني هو الكشف عن البنية الداخلية، من خلال تفكيك تلك النصوص، للوقوف على البنية المنطقية والاستدلالية للمضامين العقدية، واستخراج آليات الاشتغال التي استُعمِلَت في تنظيمها وترتيبها واستنتاج النتائج من مقدماتها، وكذا الوقوف على طرق المتكلمين في التوسُّل بتلك الآليات، وفي كيفية التعامل مع موارد الأحكام العقلية. وبيّن المحاضر أن الأول يهدف إلى اكتشاف النظام المنطقي الذي يحدد طبيعة العلاقة بين النصوص الكلامية المختلفة. أما المستوى الثاني، فإنه يهدف إلى الوقوف على النظام المسؤول عن صناعة التقعيد داخل النص الواحد، وهي صناعة لا يمكن تصورها إلا من خلال دعائم عرضها الدكتور في ثلاث، وهي وضع القاعدة وإنزالها والاستدلال بها، وقد مثَّل لذلك بنموذج الهبطي الصغير (1001.هـ) أبرز أعلام هذه المرحلة التاريخية، متتبعا بالتحليل البناء الهندسي الذي شيَّد من خلاله هذا العلَم مشروعه العلمي، ومفكِّكا بأدوات وتقنيات منطقية كل الأنساق الكامنة في مؤلفاته.

أما الجلسة العلمية الثانية فقد تطرقت للأشعرية في فضاء الفترة من خلال عرض أعلام ومؤلفات، قام بتسييرها الدكتور فؤاد بن أحمد (دار الحديث الحسنية/الرباط)، واستهلها الدكتور محمد الزباخ (مديرية التربية الوطنية/طنجة) بموضوع عن ابن البناء العددي (ت.721هـ) متكلما وفيلسوفا، تتبع فيه التمظهرات الفلسفية والكلامية في كتاب “مراسم طريقة في فهم الحقيقة من حال الخليقة”، مع الشرح الذي قام به المؤلف لهذا الكتاب. وقد أبان المتدخل عن بعض الشروط الموضوعية والمحددات الذاتية التي دفعت لإخراج هذا المصنف، مع ذكر خصائصه الأسلوبية العامة وتصميمه العام، ثم عرج على تحليل ما استند إليه ابن البناء من أساس معرفي يتعلق بمصادر التلقي ومناهج الاستدلال، وبناء كلامي يتعلق بوجود الله وصفاته، وأيضا بطبيعة العالم وقدمه. وقد حاول الباحث أن يربط من خلال تحليله للكتاب بين المؤلف والمدرسة الأشعرية، حيث أكد أن ابن البناء كان وفيا للمدرسة الأشعرية بصفة خاصة، ونمط التدين المغربي بصفة عامة.

وعن شخصية علي بن محمد العبادي أحد أعلام الأشعرية المغمورين في القرن الثامن قدمت الدكتورة نبيلة الزكري (مديرية التربية الوطنية/تطوان) في ورقتها قراءة في سيرته ومواقفه العلمية والسياسية وتتلمذه على سعيد العقباني (ت.811هـ) والشـريف التلمساني (ت.771هـ)، كما أبانت عن منهجه في عرضها لخصائص شرحه لمتن البرهانية، مع الوقوف على مذهبيته الكلامية التي رأتها في مجموعة من الملامح مثل القول بوجوب النظر على المكلف، وبعدم جواز إيمان المقلد وتأويل الصفات الخبرية، وتبني نظرية الجوهر الفرد، والقول بالأحوال، والقول بالكسب الأشعري، وتجويز رؤية الله في الآخرة، وعدم تكفير مرتكب الكبيرة، وعدم قبول الاحتجاج بخبر الآحاد على المستوى العقدي، وقد استجلت ذلك من خلال عقد مقارنة علمية بين شرحه وشرح شيخه العقباني على البرهانية، وقد كشفت من خلال هذه المقارنة عن مجموعة من المستويات، كالمستوى المنهجي والمضموني والاستدلالي والكلامي، التي يتوافق فيها العبادي مع شيخه أو يتميز عنه.

وحول لحظة الإجماع السني في سياق السنوسي تحدث الدكتور أحمد كوري السالكي (ج.ع.إ. العيون/موريطانيا) عن الفكر السنوسي بوصفه محل إجماع في المناطق السنية، من ظهوره حتى العصر الحديث، فالباحث اعتبره تلخيصا وافياً ووفيّاً للعقيدة الأشعرية، ومن أدلته على هذا الإجماع اعتماده في المراكز العلمية في العالم الإسلامي في مغربه ومشرقه على السواء، وكثرة شراحه ومحشيه مغاربة ومشارقة، وقلة مخالفيه من معاصريه فمن بعدهم. وقد حاول المتدخل أن يعالج مفهوم الإجماع من منطلق تسليط الضوء على الاختلاف بين السنوسي وخصومه، بداية من العلاقات الشائكة بينه وبين معاصريه خصوصا ابن زكري والمغيلي والعقباني والراشدي، وميز الباحث في كل هذه الاختلافات بين نوعين: اختلاف مبعثه شخصي يرجع إلى الحسد والمنافسة بسبب المعاصرة، واختلاف مبعثه المسائل العلمية في مناحيها الصوفية والفقهية والعقدية. وتوقف مع كل اختلاف مُحررا محل التنازع فيه وكاشفا عن أهم المسائل التي استدعته مع عرض حجج كل طرف. منتهيا إلى أن مخالفات هؤلاء للسنوسي في مجملها لم تكن ذات أثر يذكر في الفكر السني بحسب تعبيره، إما لأنها خلافات شخصية أثارتها المنافسة والمعاصرة، أو خلافات فقهية ناتجة عن الخلاف في الاجتهاد، أو خلافات عقدية هي أقرب إلى اللفظية منها إلى المعنوية، وأشهرها مسألة إيمان المقلد.

وفي موضوع «مشروع السنوسي العقدي ومحاولة توطينه في بيئة عصـره الكلامية» سعى الدكتور الحسن إزيكي (باحث بدار الحديث الحسنية/الرباط) إلى استكشاف محيط السنوسي (ت.895هـ) الكلامي، بحثا عن جذور مشروعه العقدي ودواعيه، حيث بيَّن مسوغ تفضيله مفهوم المشـروع العقدي بدل الكلامي، وقد تطرق الباحث إلى تميز الغرب الإسلامي في الفترة المدروسة بغياب المخالف، هذا الأمر جعل بعض العلماء ينادي بالاكتفاء في علم الكلام بما هو واجب عيني على كل مكلف، ويشمل هذا النداء العامة، كما قامت جهود نظرية وعملية ـ إضافة إلى ذلك ـ تهدف إلى محاولة تحديد ذلك القدر الواجب على المكلف وجوبا عينيا، وتقديمه له سهلا ميسرا، وقد خلص الباحث من النظر في هذه الجهود إلى أن أغلبها لا يرى الاكتفاء بعقائد مجردة، بل لا بد من الاستدلال عليها، ولا يسمح بالتقليد إلا ضرورة، ومن خلال هذا السياق وطّن الباحث مشروع السنوسي العقدي، الذي انصب ـ من وجهة نظره ـ على الجزء الواجب وجوبا عينيا من علم الكلام، وقد رأى جدته تتلخص في أمرين أساسيين؛ أمر نظري يتمثل في تنصيصه على وجوب النظر على عامة المكلفين، وأما الأمر الثاني فهو عملي، ويتجلى في تقديم القدر المذكور من العقائد على المكلف وتسويره بالحكم العقلي، بجعل هذا الحكم مدار علم الكلام.

واختتمت الجلسة العلمية الثانية بورقة الدكتور عبد العلي بلامين (باحث بمركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك/فاس) في موضوع «الفكر العقدي عند أبي حامد محمد العربي الفاسي الفهري (ت.1052هـ) من خلال نظميه: “المراصد” و”التلقيح”»، وقد عالج موضوعه من خلال تمهيد تاريخي عرَّف فيه بالشيخ أبي حامد محمد العربي الفاسي وشيوخه وتلامذته ومؤلفاته، ثم عرج على التعريف بنظميه؛ “مراصد المعتمد في مقاصد المعتقد”، الذي استوعب فيه جميع مباحث العقيدة المشهورة، بداية من العلم وأقسامه، والحكم العقلي وأقسامه، والحكم بقسميه عند الأصوليين، ثم انتقل فيها للحديث عن أول واجب على المكلف، ثم نصب أربعة مراصد رئيسة ضمنها قواعد العقائد؛ فأفرد المرصد الأول لما يرجع إلى ذاته تعالى من الصفات، وخصّ المرصد الثاني لباقي صفاته تعالى، وجعل المرصد الثالث لأفعاله جل وعلا، وأفرد المرصد الرابع الأخير للرّسالة وما أخبرت به (النبوات والسمعيات). أما “تلقيح الأذهان بتنقيح البُرهان على مقاصد المعتقد من مراصد المعتمد” فهو لمن رام الاستزادة من الأدلة والبراهين اليقينية المتعلقة بمسائل المراصد. وبخصوص فكر العلامة العربي الفاسي من خلال هذين النظمين، فقد رأى الباحث أن الشيخ ينسلك في الاختيارات المذهبية كما برزت في مطلع نظم ابن عاشر، كما جمع بين مسالك النظار ومسالك السادة الصوفية في التدليل، ومن خصائص فكره تعاضد العقل والنقل، كما أبان عن اهتمامه بالخلاف العقدي الفروعي وتصوره الشامل لمذاهب أهل السنة العقدية.

في الجلسة العلمية الثالثة التي ترأسها الدكتور أحمد مونة (كلية أصول الدين/ تطوان)، قدم الدكتور عبد الله التوراتي (الكلية المتعددة التخصصات/الناظور) مداخلة تحت عنوان: «مركزية عَقْدِ الرسالة في الدرس الكلاميّ بالمغرب في القرنين 7و8هـ»، حيث اتجه جماعة من العلماء المعتنين بالأصليْن إلى التأليف في علم الكلام انطلاقًا من «عَقد الرسالة»، مثل أبي بكر الخفّاف الإشبيلي (حيًّا.688هـ)، وناصر الدين المشدّالي (ت.731هـ)، وابن سلامة الأنصاري (ت.746هـ)، وغيرهم. وقد استهلها بالحديث عن حال علم الكلام بالمغرب في القرن السابع والثامن للهجرة حيث تميز فيه أعلام كبار أمثال ابن دهاق وأبي يحيى الإدريسي وابن دوناس وابن بزيزة والخفاف. ثم انتقل إلى بيان تصدير عَقْدِ الرسالة في الدرس العقدي: الدلائل والشواهد، ومنها: إفراد عَقد الرسالة بالشرح والتفسير، وطريقة تدريسه من طرف الفقهاء، ووجود طرر كلامية في بعض هذه الشروح. ليصل إلى معقد البحث المتعلق في النظر في عقد الرسالة والذي طارت شهرته بين اتجاهين: اتجاه المتفقهة واتجاه المتكلمة، انطلاقا مما أبرزه ابن أبي زيد القيرواني بنفسه من أنه ضمَّن كتابه الرسالة فصولًا في الاعتقاد من واجب أصول الديانات، مما نخلص به إلى أنَّ عَقْد الرسالة – كما يقول المتدخل- قد أضحى مركز الدرس الكلامي في القرن السابع والثامن من الهجرة ببلاد المغرب وما جاورها من البقاع.

المداخلة الثانية قدمها الدكتور محمد الصادقي (كلية الآداب/فاس) في موضوع: “علم الكلام عند أبي الحسن علي اليفرني الطنجي بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين من المتكلمين”، انطلق في بدايتها بتقرير ما دأب عليه المغاربة من الاهتمام بطريقة المتقدمين انطلاقا من كتابي “التمهيد” و”الإرشاد” للجويني شرحا واختصارا، وهي طريقة عابها اليفرني حين استشعر مواطن الضعف في فكر نظرائه المغاربة الذين ظلوا متمسكين بطريقة المتقدمين التي كان قد تجاوزها المشارقة منذ عقود من الزمن، تجلت في تأليفه الكلامي “المباحث العقلية في شرح معاني العقيدة البرهانية” الذي يندرج ضمن طريقة المتأخرين. ثم عدَّد بعض المبادئ التي اعتمدها اليفرني في هذا الكتاب ليبني حجية رأيه، ومنها: – إدخال المنطق في علم الكلام، مراجعة قاعدة اطراد الأدلة وانعكاسها،  خلط الكلام بالفلسفة.. وقد خلص المتدخل إلى تأكيد انتماء كلام اليفرني إلى طريقة المتأخرين، وتقييم عمله المتمثل في تأليف كتاب المباحث العقلية تطويرا وتجديدا للأشعرية المغربية وتخليصها من نظيرتها المشرقية وحمولتها الفلسفية المكثفة.

المداخلة الثالثة بعنوان: “إيضاحات حول نسبة شرح للمرشدة إلى السنوسي استدراكات وافتراضات جديدة”، عرضها الدكتور إلياس امحرار (باحث في علم الكلام/فرنسا)، تمحورت مداخلته على تحقيق نسبة كتاب: «الأنوار المبيّنة المؤيدة لمعاني عقد عقيدة المرشدة» إلى محمد بن يوسف السنوسي (ت.895هـ) من خلال ملمحين اثنين: أدلة من خارج النص؛ تتعلق بسيرته البيبليوغرافية وما تضمنته عبارة: (ومنها شرحه للمرشدة رأيته مكملا بخطه)، وما يرجع إلى وهم المفهرس والناسخ التي تشير إلى أنه ليس للسنوسي. وأدلة من داخل النص؛ تنطلق من دراسة المصادر المعتمدة لدى المؤلف، ودراسة الأسلوب ومقارنته مع أسلوب السنوسي. وقد خلص الباحث في نهاية المداخلة إلى القول أنه صار شبه واضح أن هذا الشرح ليس من تأليف السنوسي، كما لا يمكن الجزم في تعريف مؤلِّفه، مما يُحتاج معه إلى المزيد من البحث والتحري لضبط ذلك، مع الإشادة بدور تلمسان ونواحيها في تعليم وتدريس مرشدة المهدي بن تومرت.

وتحت عنوان: «النقد الكلامي في المصنف العقدي المغربي (تقييدات مجموعة للإمامين؛ المنجور والقصار على شرح الصغرى أنموذجًا)» قدم الدكتور عبد المولى اموراق (مديرية التربية الوطنية/تطوان) مداخلته بغرض إيضاح ما عسُر من قضايا كلامية طالت مضامين «العقيدة الوسطى» لأبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (ت. 895هـ)، باعتبارها خلاصة النظر الكلامي المغربي في القرن التاسع، وفيها اختياراته، التي حوت تفاصيل مشروعه الفكري والكلامي، وتصدى لها العالمان الجليلان: أبو العباس؛ أحمد المنجور (ت. 995هـ)، الذي يشهد له تراثه بعلو الكعب وسعة الاطلاع، وأبو عبد الله؛ محمد بن قاسم القصّار (ت. 1012هـ)، الذي عُرف بعلمه وتحقيقه.. وأهم ما تضمنه هذا التقييد: – تقديم شروحات ضافية للعقيدة الصغرى، والإجابة عن إشكالات كلامية، وما تضمنه التقييد من غنى مادته وثرائها، ثم الوقوف على تحرير محل النزاع في بعض القضايا. وليخلص إلى بيان نتيجة ما انفرد به هذا التقييد من تعدد الأنظار حول معاني الصغرى بين الإمامين المقيدين، وإبراز بعض أوجه النقد فيه وبيان فوائدها، والوقوف على إبراز بعض الإشكالات الكلامية فيه.

أما المداخلة الأخيرة فأعدها الدكتور الجيلالي قدوري (باحث في علم الكلام/تطوان) في موضوع  «العقيدة الأشعرية بسوس في العهد المريني والوطاسي؛ أعلام وقضايا»، مبتدئا فيها ببيان القصد المتمثل أولا: في التأكيد على الثابت الأشعري في حواضر السوس المغربي وقُراه، وثانيا: تنوع خدمة المذهب الأشعري بسوس خلال العهد المريني والوطاسي؛ تدريسا، وتأليفا، وخاصة في “تقييد البيان لمعاني مسائل عقيدة البرهان” لعبد الرحمن بن سليمان الكرامي السملالي(ت. قبل 882هـ). وقد أكد الباحث أن الدرس العقدي الأشعري كان اختيارا علميا لعلماء المغرب الأقصى، ولم يكن ترفا فكريا أو فرضا بالقوة من لدن السلطة السياسية، ولهذا وجدناه ضمن مقررات المواد العلمية التي تُدَرّس في قرى وحواضر المغرب منذ زمن بعيد، مفصِّلا في تتبُّع سلسلة الأعلام الأشاعرة الذين ألَّفوا في هذه المادة العلمية. ومركِّزا على أعلام العهد المريني والوطاسي ومنهم عبد الرحمن بن سليمان الكرامي ومؤلَّفه باعتباره من بين المؤلفات العقدية السوسية الأولى على طريقة الأشاعرة.

استأنف الملتقى أعماله في يومه الثاني بجلسة رابعة في محور “أشعرية المغرب من 541هـ إلى 1022هـ: القضايا والمضامين والإشكالات”.

وافتتحت هذه الجلسة ـ التي ترأسها الأستاذ الدكتور عبد المجيد الصغير ـ بمداخلة للأستاذ محمد الراضي (باحث بمركز أبي الحسن الأشعري) بعنوان: «تفاعل أشاعرة الغرب الإسلامي مع كلام الفخر الرازي» رام منها تحقيق مقصدين اثنين؛ أولهما تتبع اللحظات الأولى لدخول أفكار فخر الدين الرازي إلى الغرب الإسلامي أوائل القرن السابع الهجري، والثاني رصد وجوه  تفاعل علماء هذا الصقع مع بعض آراء الرازي قبولاً أو نقدًا تلقيا أو ردًّا. وقد خلص الباحث، استنادا إلى النصوص والمعطيات التاريخية على قلتها، إلى أن آراء الرازي كانت قد دخلت الغرب الإسلاميّ قبل العقد الخامس من القرن السابع الهجريّ. وتوفر لنا بعض النصوص التاريخية لهذه اللحظة صورة عن تلقي أسانيد الرازي المهمة من قِبل بعض الأعلام المغاربة كابن زيتون والغماري. وبخصوص المقصد الثاني بيَّن المتدخل كيف أن الفترة الممتدة من القرن السابع الهجري إلى التاسع الهجري قد عرفت، من خلال ما وقف عليه من نصوص كلامية، ألوانًا من التلقي لآراء ونظريات الرَّازي الكلاميّة، بين القبول والرفض والتردد والانتقاء، أو لنقل بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين، إلى أن هيمنت طريقة المتأخرين في المرحلة السنوسية.

في المداخلة الثانية أبرز الأستاذ يوسف احنانة (المجلس العلمي المحلي/تطوان) قيمة «إسهامات آل الهبطي في نظرية الأحوال»؛ فبيَّن أولا منزلة هذه النظرية ضمن المنظومة الكلامية، وبخاصة ما تعلق منها بموضوع الصفات وتنزيه الله تعالى عن التعدد والتشبيه. وقد أشار، في هذا الصدد، إلى سياق ظهور هذه النظرية عند المعتزلة على يد أبي هاشم الجبائي ومسالك التفاعل معها في المذهب الأشعري شرقا وغربا؛ حيث يبدو ـ حسب الأستاذ احنانة ـ  أن أغلب أشاعرة الغرب الإسلامي قالوا بالأحوال خصوصا من شراح “الإرشاد” للجويني و”البرهانية” للسلالجي، وصولا إلى السنوسي وشراح عقائده. أما بخصوص إسهامات آل الهبطي (أبو محمد عبد الله (ت.963هـ) وابنه أبو عبد الله محمد (ت.1001هـ)) فقد أشار المتدخل إلى سياق اكتشاف رسالتهما في مجموع، ونوه بجرأة إقدامهما على موضوع يتطلب الخوضُ فيه التمكنَ من مسائل الكلام جليلِها ودقيقها، ثم عرّج على الرسالتين فعدد مباحثها وبيّن وجهَ ارتباط رسالة الإبن برسالة الأب، لينتقل بذلك إلى عرض  مضامين الرسالتين بنوع من الإجمال لمواقف المثبتة للأحوال والنفاة لها، ولعلاقتها بمفاهيم الوجود والعدم وارتباط كل ذلك بالوحدانية وتنزيه الصفات الإلهية.

وفي مداخلة بعنوان: «من قضايا النبويات بالغرب الإسلامي بعد القرن السابع الهجري؛ قراءة في نماذج من تفاعل العقيدة مع الفكر والمجتمع» استشكل الدكتور يوسف بنلمهدي (جامعة قطر) معالم من تفاعل مسائل النبوة مع الواقع المغربي في تمظهراته الفكرية والاجتماعية. وقد مهّد لهذا المقصد بمبحث أول أجمل فيه القول عن موضِع النبوات داخل هندسة البحث العقدي سواء في المنظومة الكلامية المعتزلية أو في نظيرتها الأشعرية، وأشار فيه إلى قوة حضور موضوع النبوة في الفكر الأشعري المغربي لدى رواده عن طريق التأليف فيه في كتب مستقلة أو ضمن مباحث العقائد في مؤلفاتهم الكلامية. ومن هذا الموروث المغربي في موضوع النبوات ركز المتدخل على جملة قضايا شغلت اهتمام أشاعرة المغرب، منها؛ حقيقة النبوة بين المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة والفروق بينها وبين الولاية وهل هي وهبية أم كسبية؟ ثم علاقة النبوة بالمعجزة بين التقرير العقدي والتدليل الكلامي، ومنها موضِع النبوة داخل الجدل الديني بين المتكلمين وأتباع الديانات التوحيدية الأخرى. ثم ختم الباحث مداخلته بتناول موضوع انتحال النبوة في المغرب من منظور التاريخ الاجتماعي.

وفي المداخلة الرابعة والأخيرة من هذه الجلسة اشتغلت الدكتورة لطيفة الوردي (مديرية التربية الوطنية/القنيطرة) بموضوع: «الصراع العلمي حول قضية الهيللة بالمغرب؛ من القرن 8هـ إلى 11هـ: الجذور والخلفيات والنتائج». ابتدأت المتدخلة بعرض جملة من الأحداث والمواقف بخصوص مدلول شهادة التوحيد وما يترتب على معرفتها أو جهلها من ثبوت الإيمان أو انتفائه؛ فتحدثت عن فتوى فقهاء بجاية الشهيرة في هذا الباب (منهم الشيخ أحمد بن عيسى، وأحمد بن إدريس، وعبد الرحمن الوغليسي) وذلك في القرن الثامن للهجرة، وكيف تفاعل معها  العلماء  بعد ذلك في القرن اللاحق كالسنوسي والونشريسي وعلي السجتي، إلى أن احتدم الجدال بين الهبطي واليسيثني. وقد اجتهدت الباحثة في الكشف عن الخلفيات الإيديولوجية لهذا الجدال الذي تحول إلى صراع عنيف بين الأنصار والأتباع. ثم ختمت مداخلتها بتقديم أهم نتائج النقاش العلمي حول قضية الهيللة.

وتكللت هذه الجلسة بمحاضرة للدكتور عبد المجيد الصغير في موضوع: «الحروب والجوائح وإشكالية تقويم الدرس الكلامي في العصر المريني». وبعد أن قدم المحاضر إلمامة بالشأو الذي بلغه علم الكلام إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في المشرق والمغرب قبل المرينيين بفضل روح الحوار والجدال التي سادت بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم وبينهم وبين المخالفين في الملة والدين، والإلماع إلى ما ميز العصر الموحدي في الغرب الإسلامي من  احتفاف بعلم الكلام وانفتاح حضاري.. بعد هذه التوطئة قدم الدكتور الصغير تقويمه للدرس الكلامي في العهد المريني وفق رؤية تربط علم الكلام بالتاريخ السياسي والاجتماعي؛ فبين بالاعتماد على دراسات متخصصة الآثار الجسيمة التي خلفتها الحروب المتواصلة والجوائح المرحلية ـ التي عصفت بالمغرب منذ معركة العقاب (609هـ) ـ على الفكر والثقافة وما أحدثته الاضطرابات السياسية من تأثير كبير على الإنتاج الفكري والفلسفي. على أن هذه الاضطرابات وما نجم عنها من تردٍّ للأوضاع السياسية والاجتماعية والعمرانية قد دفعت العلماء أيضا إلى القيام بمراجعات نقدية عميقة سواء للتاريخ والعمران كما هو الشأن عند ابن خلدون أو  للشريعة عند الشاطبي. وقد توقف المحاضر مليا مع تقويم ابن خلدون لعلم الكلام وربطه بسياقه التاريخي، ثم عرج على كتاب “المباحث العقلية” لأبي الحسن اليفرني معتبرا إياه عملا متميزا لم يحظ بما يستحقه بسبب المناخ الفكري العام الذي طبع هذه الفترة من عصر المرينين، تماما كما هو الشأن بخصوص مقدمة ابن خلدون وموافقات الشاطبي، وهو المناخ الذي توسع  الدكتور الصغير في إبراز تمظراته وأثرها على الإنتاج الفكري.

وتتميما لمضامين المحاور السابقة انعقدت الجلسة العلمية الخامسة من اليوم الثاني للملتقى بتنسيق الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي (كلية الآداب/ تطوان)، ضمت خمس مداخلات قدمت قراءات صوفية واستشراقية لجوانب من الأشعرية المتأخرة بالمغرب، وفي مفتتحها مداخلة الدكتور إلياس المراكشي(المدرسة العليا للأساتذة/مرتيل) الذي جعلها  تحت عنوان: “ملامح الدرس الأشعري عند صوفية المغرب بين المرينين والسعديين”،  حيث استشكل مدى تأثر أعلام الصوفية في العصور الثلاثة بتقلبات أوضاعها السياسية والاجتماعية، وانعكاس ذلك على علاقتهم بعلم الكلام في استدلاله على العقائد اليقينية التي بها ينضبط الفكر ويستقيم السلوك، مع اعتبار الخصوصيات العقدية للعصور الثلاثة. من أجل ذلك عرض المتدخل آثار التحولات السياسية على المناهج العقدية والسلوكية التي اعتمدها الصوفية في محاولاتهم الإصلاحية، وأبان عن تجليات المناهج العقدية في فكرهم التربوي، ومدى إسهاماتهم في مدارسة المنهج الأشعري باعتباره منهج أهل السنة الأكثر قبولا وانتشارا في ربوع العالم الإسلامي ومنها بلاد المغرب.

وتأكيدا على ضرورة توسيع آفاق البحث في الفكر الأشعري المتأخر، وتقديم رؤى مختلفة حوله، ركزت المداخلات التالية على الدراسات الاستشراقية في اهتمامها بمؤلفات هذه المرحلة ومعالجتها لبعض قضاياها العقدية، استهلت بمداخلة الدكتور فؤاد بن أحمد (دار الحديث الحسنية/الرباط) تحت عنوان: «درس الاستشراق وتجديد النظر الكلامي الأشعري المغربي المتأخر»، كشف من خلالها عن بعض الخلفيات التاريخية التي كانت وراء رمي المغرب بالتخلف في علم الكلام، وقدم لذلك بنماذج من السرديات المعاصرة عن مصير علم الكلام بالمشرق والمغرب، ثم ألف مقاربته بشكل أساسي من مناقشة مجموعة مختارة من الأعمال الدراسية الحديثة والقديمة المؤرخة لتطور الكلام بإفريقية بين القرنين السابع والثامن/الثالث عشر والرابع عشر. وتأتي هذه المداخلة في سياقين؛ الأول، تكميلي لمداخلة تلقي أفكار الرازي بالغرب الإسلامي بعد الفترة المذكورة؛ الثاني، تبيّن وضع علم الكلام، عمومًا، والمغربيّ تحديدًا ضمن السردية التاريخية القائلة بفكرة “انحطاط” الأفكار في السياقات الإسلامية، وهي السردية التِي أبدى المتدخل جوانبَ منها ومن مراجعاتِها الحديثة في درس تاريخ الأفكار بالغرب المعاصر، مؤكّدًا على كونِ نصوص علماء الكلام بالغرب الإسلاميّ، على الأقل، مساعِدةً في فتق سرديات تاريخية أكثر إنصاتًا للنصوص.

المداخلة الثالثة للدكتور بلال أشمل(كلية أصول الدين/ تطوان) موسومة بـ:«لماذا شنع الناس على عبد الله الترجمان وقد كان من أفاضلهم؟ في التحفة وسيرة مؤلفها»، نبه ابتداءً إلى الجدل الكبير الذي أثارته شخصية “أنسيلمو تورميدا” – المعروف باسم “عبد الله الترجمان”- حولها، واختلاف الناس في حقيقتها اختلافا شديدا؛ فمن عَدّهُ مؤمنا  أُكْرِهَ على اعتناق الإسلام، وحافظ على نصرانيته سرا، ثم ندم على ذلك، وصار يدعو إلى النصرانية جهارا فلقي الشهادة، ومنهم من سلكه في عداد المسلمين المهتدين بنور الإسلام، بعد أن صحّ لديه ضلال معتقده النصراني، فصار من “المتكلمين” المسلمين، وعُرف بـ”الشيخ الجليل”، ونسبوا إليه تصنيفا في الرد على أهل الصليب. وما بين هؤلاء وأولئك، وُجد أناس شنَّعوا عليه ما يزري بمروءته، وأخذوا عليه مآخذ تسقطه من رتبة العلماء الأمناء. من هذا المنطلق حدد المتدخل معالجة الموضوع في جهتين؛ الأولى بيان الأسباب الحاملة للتشنيع على الترجمان، والثانية حشد الأدلة المشككة في صحة نسبة “التحفة” إليه، إذ الكتاب أصل التشنيع، إلا أن ثبوت النسبة أو نفيها، لا ينفي صحة التشنيع على الرجل.

ولمزيد من التخصيص على مستوى موضوع محور الجلسة، جعل المتدخل الرابع الأستاذ سعيد الهبطي(باحث في الفكر الأشعري/ألمانيا) ورقته حول: «الأشعرية المتأخرة في كتابات المستشرقين الألمان: الإمام السنوسي أنموذجا»، أطلعنا من خلالها على أهم الكتابات الألمانية وبيّن طبيعتها والغاية منها، باعتبارها – حسب ما توصل إليه – السبّاقة للتعامل مع مؤلفات الإمام السنوسي على نحو مباشر، ودراستها خارج السياق الإسلامي، خصوصا كتابيه “أم البراهين” و”المقدمات”، وذلك لاعتبار محورية الإمام السنوسي وتأثيره الفكري في الأشعرية في العصور المتأخرة، وفي إطار ذلك قدم المتدخل أولا نظرة عن السياق التاريخي والأثر الفكري للإمام السنوسي، مشيرا إلى صورة المذهب الأشعري في الكتابات الألمانية ما بين منتصف القرنيين 19 و20، ثم خصص الحديث عن فولف وأول ترجمة أوروبية “لأم البراهين”، ثم  دراسة هورتن لأثر الفكر اليوناني في كتابات الأشعرية المتأخرة؛ وقد اختار لهذا الغرض ثلاثة نصوص، اثنان منها -“أم البراهين” والمقدمات”- للإمام السنوسي، فيما ثالثها “كفاية العوام فيما يجب عليهم من علم الكلام” للإمام الفضالي، وهذا النص الأخير وإن لم يكن للسنوسي إلا أنه لا يخرج في شكله ومضمونه عن “أم البراهين”، كما صرح بذلك مؤلفه الذي  جعل محور البحث فيه هو الإمام السنوسي.

وختاما لمحور الجلسة، جعل الدكتور يوسف مدراري(مديرية التربية الوطنية/المحمدية) مداخلته تحت عنوان: «منجز الأكاديميا الغربية في دراسة وتحقيق التراث الكلامي لمحمد بن يوسف السنوسي»، ومهد لها بالإشارة إلى تقييم بعض الدراسات الاستشراقية لعلم الكلام مقارنة بعلم اللاهوت المسيحي، والبحث عن أصوله غير الإسلامية، منبها إلى أنه بالرغم من مجهود رواد الاستشراق في الاعتناء بالنصوص العقدية الأشعرية خصوصا من جهة تحقيق أمهات المؤلفات الأشعرية، فإن الفكر الأشعري لم يحظ باهتمام الدراسات الاستشراقية كما هو الحال بالنسبة للمعتزلة، وظلت ندرة شديدة في الدراسات التي تتناول المذهب الأشعري حتى حدود نهاية القرن التاسع عشر، ويُرجع المتدخل الأمر إلى الموقف السلبي للإصلاحية العربية من الأشعرية التي اعتبرتها من أهم ركائز التقليد، وفي المقابل وجدت في التراث المعتزلي بغيتها وتبنت العديد من أفكاره. وعن موقف الأكاديميا الغربية من التراث الكلامي المتأخر -وهو شق أول للورقة-، ذكر المتدخل أن خالد الرويهب أشار إلى بعض أسبابها، وبين السياق الغربي للتعرض للفكر الكلامي المتأخر. حيث انتشرت بعض الطروحات الخاطئة في الكتابات الغربية عن علم الكلام خصوصا تلك التي قدمها كل من جورج قنواتي ولوي غاردي اللذين ادعيا أنه بينما كانت الثيولوجيا المسيحية في القرون الوسطى تعمل على فهم وتعميق الإيمان، كان علم الكلام مجرد وسيلة للدفاع ضد المبتدعة وضد المشككين من الأديان الأخرى، وهذا أدى إلى اعتبار جوزف فان إس علم الكلام ومنهجه يقوم على الجدل أكثر من كونه تفكيرا وغوصا في قضايا الدين والإيمان معززا بذلك رأي الروهيب. فيما قدم الشق الثاني من المداخلة منهج تعامل الدراسات الأكاديمية الاستشراقية مع التراث العقدي المغربي من خلال نموذج تراث محمد بن يوسف السنوسي.

وتُوج الملتقى بعقدِ أعمال الجلسة الختامية بتسيير الدكتور بدر العمراني (كلية أصول الدين/تطوان)، الذي أتى على ذكر بعضٍ ممَّا ميّز أشغال الملتقى من نقاشات علمية رفيعة، منوهًا بجهود الجهة المنظمة مركز أبي الحسن الأشعري في تنظيمه بصورة مستمرة ودورية.وأعقب ذلك تلاوة البيان الختامي مع جملة من توصياتِه من قِبل الدكتور إلياس المراكشي (المدرسة العليا/مرتيل)، وتمثلت في :

  • طباعة ملخصات المشاركات والمداخلات في كتيبات صغيرة الحجم -ورقية ورقمية- وإتاحتها مجانا للطلبة والباحثين.
  • ترجمة أعمال الملتقى إلى لغات أخرى.
  • الدعوة إلى تنظيم ملتقى علمي خاص بـالإنتاجات الأشعرية الأمازيغية بمختلف لهجاتها.
  • إنجاز موسوعة لأعلام الأشاعرة في المغرب وإنتاجاتهم العلمية.
  • إنجاز دراسة ببليوغرافية موسعة للمؤلفات الأشعرية في الغرب الإسلامي.
  • الكشف عن مشروع الملتقى الرابع للفكر الأشعري لأجل التعبئة وشحذ همم الباحثين.
  • فسح المجال لدراسة المذاهب العقدية الأخرى في ملتقيات مقبلة.

في السياق نفسه، وضمن نفس الجلسة، أعطيت الكلمة الختامية لمؤسسة المدرسة العليا للأساتذة، حاضنة النشاط، من خلال كلمة مديرها الدكتور زهير العمراني الذي قدم إطارًا عاما حول مدى أهمية وجوهرية مثل هذه الملتقيات العلمية في الرفع من جودة النقاشات الأكاديمية، منوهًا بالشراكة الجامعة بين المدرسة العليا للأساتذة ومركز أبي الحسن الأشعريّ، وهي الشراكة التي تجلت في احتضان الملتقَى الثالث للفكر الأشعريّ باعتباره تجسيدًا للاحتفاء المعرفيّ بتاريخ الأشعرية في الغرب الإسلامي، مبْديًا استعداد المؤسسة لاحتضان الملتقى الرابع للفِكر الأشعريّ.

وقبل ختام الجهة المنظمة؛ ألقى الدكتور بلال أشمل (كلية أصول الدين/تطوان) كلمة باسم الأساتذة الباحثين المشاركين في الملتقى، وأبدت الكلمة تنويهًا بقيمة المشاركات العلمية المقدمة في الملتقى والتعقيبات التِي وازتها، شاكرةً الجهة المنظمة على تنظيمها الجيّد من جميع النواحي. ورفعت الجلسة الختامية بـكلمتين جامعتين باسم كل من الرابطة المحمدية للعلماء ومركز أبي الحسن الأشعري؛ حيث قدّم الدكتور أحمد السنوني، الأمين العام المساعد للرابطة، شكره الكبير لمشاركات وتدخلات الباحثين في الملتقى، واضعا الملتقى ضمن سياقه المعرفي العام وسياقه الواقعي المهم، ومعربًا عن جميل امتنان الرابطة لجهود كل الفاعلين في إنجاح الملتقى والرفع من قدره العلميّ. وضمّنت كلمة الدكتور جمال علال البختي، رئيس مركز أبي الحسن الأشعريّ، شكرًا عامّا لكل الطلبة الذين احتفوا بمداخلات الملتقى وكل ما سجلته من معطياتٍ متخصصة، وشهدته كل جلساته من مداولات نقاشية أعقبتها وأثرت من محتواهَا، مبشرًا بقربِ صدور أعمال الملتقى ورقيًّا في قادم الأيام، وحثًّا الباحثين الشباب على مزيد العناية بإشكاليات تاريخ الفكر الأشعري بالغرب الإسلاميّ.

1004

1006

1005

1007

1008

1009

1010

1011

1012

1013

1015

1016

1017

1020

1019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق