مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

تقرير حول قراءة في أعمال الدكتور عبد الرحمن بودرع

في إطار سلسلة المحاضرات الشهرية نظم مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية التابع للرابطة المحمدية للعلماء  بتعاون مع فريق البحث الأدبي والسيميائي، وملتقى الدراسات المغربية والأندلسية، قراءات في أعمال د.عبد الرحمن بودرع، شارك فيها كل من الأساتذة:

– د. عبد الرحمن بودرع

– د.محمد الحافظ الروسي

– د.عبد اللطيف شهبون

– د.عز الدين الشنتوف

– د.عبد الرحيم الإدريسي.

 وذلك بقاعة الندوات الدكتور محمد الكتاني بكلية  الآداب بتطوان، يوم الاثنين 25  أبريل 2016 م ابتداءً من الساعة العاشرة صباحا.

وقد ترأس الجلسةَ الدكتور عز الدين الشنتوف مستهلا حديثة بتوطئة موجزة عن المحتفى به في كلمة حول موجَزِه الأكاديمي الذي عكف عليه منذ سنين عدة، في الفكر والمنهج، مشيراً إلى أنه قد آن الأوانُ لأن نؤسس تقاليدَ علميةً للاحتفاء بأساتذتنا الذين رافقونا في أعمالنا ونحن في إطار التعلم، وذلك لكي نعترف بأعمالهم وصنيعهم البيداغوجي والتربوي والعلمي، وذكَّر كذلك أنه من طلاب الدكتور عبد الرحمن بودرع وقد جمعته به آصرة المحبة قبل آصرة العلم، وهذا الأمر مرتبط أساسا بالعرفان الذي تؤسسه هذه الشخصية الوطنية والعربية والدولية في اللغة والبلاغة واللسانيات، هذه الشخصية التي أنجزت مشروعا لا نجده إلا مع قلة من الباحثين والأكاديميين، وهو مشروع دال بسؤاله على مقاصده العليا.

أمّأ الدكتور محمد الحافظ الروسي رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي ورئيس شعبة اللغة العربية وآدابها فقَد ذكَرَ أن سببَ اختيار قراءة أعمال فضيلة الدكتور عبد الرحمن بودرع يرجع لأسباب عديدة منها؛ أن المُحتَفى به  صاحبُ مشروع لغوي وقل أصحاب المشاريع فيمن يكتبون ويُنجزون الدراسات؛ فتجد الكاتبَ يكتب في فنون من العلم لا يكاد يجمعها رابط ولا يُبنَى تاليها على سابقها ولا يكاد يَفرُغُ من قضية حتى ينتقل إلى قضية جديدَة، وأيضا لأنه صاحب تاريخ أكاديمي طويل، فقَد سبق أن دَرَّس بكلية آداب فاس سنة 1982، ثم بدأ مرحلةَ التدريس بكلية آداب تطوان منذ سنة 1982 وهي السنة التي أسست فيها هذه الكلية، وكان الدكتور محمد الحافظ يومئذ طالبا عندَه. ويُعدّ أيضاً من المؤسسين الذين أسسوا شعبة اللغة العربية وأسسوا هذه الكلية، حيث عُرف بعلْمِه وجَلَدِه وجدّيته في الدرس، وكانَ ولا يَزالُ صاحبَ مكانة علمية رفيعة، فهو خبير بالرابطة المحمدية للعلماء، ونائب رئيس مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية.

بعد ذلكَ تكلَّمَ لدكتور عبد الرحيم الإدريسي، وبعد كلمته الترحيبية ذكر أنه أمام رجل عالم مفكر وصاحب مشروع علمي حقيقي يبني أسسه وأصوله على مقاصد هذه الأمة الأولى، لذلك فهو يصل بين المنقطع في زمننا الحديث ويربو على استسهال الشائع، كما أنه في مقابل ذلك يُعدُّ ظاهرةً متميزةً في مسألة القراءة والتمثل والتقويم، وكذلك في إمكانات التأويل والتطوير، في وقت نعيش فيه حيرة بناء التجارب الجادة وهي حيرة نعانيها في صور كثيرة جدا… كما أشار إلى أننا قد نصل إلى إبدالات ونماذج قد تفك أسر سؤالنا المعرفي والعلمي ولكن مع كامل الأسف تسقطنا في القطع والاستسهال والادعاء والتظاهر، وبالاشتغال العلمي والبحث في القضايا المداخل التي يمكن أن نقترب من خلالها إلى مشروع الدكتور عبد الرحمن بودرع، فهي مداخل عديدة مستشهدة بالمظان وفي الوقت نفسه طارحة لسؤال جديد موصول بالأصول وبالقضايا الكبرى، ولكن هذه المداخل لاشك أنها تبحث في معين مجددة للنظر باحثة عن سؤال معرفي وعلمي وهو سؤال اللغة أو بلاغة الخطاب، لكن تتوصل في حدود نسبية معينة الآن للتفكير في بناء مشروع قد يكون له تيار علمي يحاول أن يجدد النظر ويجدد التفكير في هذه القضايا التي أسسها المحتفى به، وطورها  ووجد في سياق تلقيها ظروفا وصعوبات لها صلة بعدم التفاعل والتواصل على مستوى الخطوات الدينية والعلمية وهذا تفسير له صلة بالتداول العلمي في سياق اجتماعي. وفي صلب حديثه ذكر أن هناك عملا استثاره حيث بسط الكلام فيه وهو عمل ينتمي إلى السيرة الذهنية المتمثل في إسعاف الخاطر في تهذيب إتحاف الناظر. ذلك أن الكتاب يطرح تصورا جديدا ومختلفا فيه سؤال التداول وفيه سؤال المقاصد وكذلك فيه سؤال العلم، وكل هذه الأسئلة يستجمعها خيط روحي وهو خيط الذات في مراحل ممتدة ومتقطعة أيضا في حياة الدكتور عبد الرحمن بودرع، ذلك أن التصدي لقراءة واقع السيرة الذاتية أوالذهنية هو القسم الذي يعد تنقيحا وتهذيبا واستكمالا لما فات ذكره في كتابه إتحاف الناظر.

ثم أشارَ إلى أن الكاتب في هذا النص يصطفي حافزه الذاتي والفكري والعلمي وكذلك الإنساني والاجتماعي  من ذاته في تجارب الحياة والقراءة والتأمل ليهتدي بهذا الحافز في مغامرة الكتابة ويستشرف عمق معضلات الحياة، ويستبصر أحوالها في صور سردية تأملية، وهي صور تمتزج بعنصر السرد الذهني وتصوير حنين الذات أو نفورها التي يطل السارد عليها أحيانا من شرفة يتسع باتساعها الكون ويضيق بضيقها حتى يصير كسم الخياط أحيانا، وهي في كل الأحوال صور وسرود منزهة عن آفات الحشو والنمطية، والإيهام واللامعنى والتمحل، مستشرفة بالصور الروحية الإنسانية وما يتفيض منها من عواطف وأحوال، بحذق لغوي يكاد يكون غاية من غايات الكتابة عند الكاتب د.عبد الرحمن. ثم ذكر أن هذا الحذق وهذا الاستشراف يحاوران حدود صنعة السيرة الذهنية في واقع ممارستها بألفة حقة بينه وبين اختياره في الكتابة، لا تصقل إلا ببناء فكري متقد وبصيرة إنسانية تميز صاحبها وما أنجزه في مسيره العلمي المتواصل. حيث لا يفلت السرد الذهني من فيضتهما لحظة واحدة إلى درجة يبدو معها التصوير في الكتابة السيرية مسألة في غاية الشفافية والكمون والإدهاش والفائدة. فقد نحت كاتبُ السيرَة في سياقها مكانَ هذا التعدد والمرونة في مواجهة مكابدات الذاكرة وما يشوبها من عوائق كثيرة تتعلقُ بتصوره الخاص بفعل هذه الكتابة، التي يجب أن تحرص على نقل حقيقة النفس والفكر والأشياء من دون زيادة ولا نقصان في مقابل نزعة التهويل الذي مثل الكاتب السارد لها بالمرآة الحَدْباءِ، ومع ذلك يعترف أن الأمانة في ذلك الثقل هي من المَكْرُمَات الصعاب التي لا يذللها إلا بتجريد الأنا من لبوسها الذاتي والابتعاد عن النفس في التواصل بين الكاتب والقارئ، ما دامت الكلمة قوة نافذة مؤثرة قبل أن تكون مجرد تسوية موضوعية قائمة في ذات الكاتب أكثر من مثولها في ذاتها؛ إنها فعل قبل أن تكون قولاً.

واقترح المحاضر في هذه المناسبة مبدأً سمي في هذه الورقة بمبدأ التصديق مدخلا أولا لقراءة سيرة المُحْتَفى به، وهو مبدأ راسخ في التراث الإسلامي والعربي، ويعني مطابقة القول للفعل وتصديق عمله للكلام. ويقوم على هذا المبدأ أي التصديق على قاعدتين اثنتين: قاعدة المراقبة وقاعدة القصد؛ أما قاعدة المراقبة فيجتهد الكاتب السارد في إمكان تحققها انطلاقا من استنفار سردي كلي لمراقبة الذات والتوجيه الذاتي لسلوك نفسي حتى لا تسقط الكتابة في وهم الواقع والحقيقة الملتبسة أو تمثيل التخييل أو التخييل الذاتي أو الاستيهامات، ولا شك أن هذا كله صيغ محققة في أغلب النماذج التي تلبست جنسا أدبيا سمي بجنس السيرة الذاتية أو السيرة الذهنية.

وبين أن قاعدة المراقبة تتبين في الوصف من خلال مظهرين بنائيين في العمل:

1- البناء بالنسيان أو المحو وهو نسيان الحلقات السيرية في شريط حياة الذات المتتالية وفي روابط الصور المرتجعة ولو اضطر السارد إلى القيامِ بتخيل النقص والتلاشي، ويعمد إلى دخول الحلقات الفارغة إلى الذاكرة بصور ذهنية تستشرف من خلالها الذاتُ موقفَها مما جرى حولها من وقائع ومستحدثات إما تأملية أو تحليلا أو اعتبارا.

2-  البناء الذي يتأمل الكتابة بالكتابة انطلاقا من وعي الذات اليقظ بموضوعها، وبما يقيم بناءها من مكونات وهذه المذكرات أشبه برسالة مستبصر برأسه مستقصر بنفسه.

قاعدة القصد: الساردُ-الذاتُ يَقَعُ داخلَ العمل وهو على معرفة بينة ومسبقة بالظواهر التداولية والنظرية في كتابة السيرة الذاتية، وقد يصرح بها ولا يثبتها وقد يقوم بطيها أحيانا في تفاصيل المحكي السيري، وقد أذعن بهذه القاعدة تقويمان نصيان مختلفان:

الأول هو التساند الذهني والعملي الذي نكتشف حقيقة قصديته في صور تواشيح الغاية العملية من الكتابة مع غاية الإفادة النصية المانعة من السقوط في اللغو حين نحكي كل شيء في السيرة ونتخيل كل ذات في كل المواطن والسياقات.

التقويم النصي الثاني هو الإشارية متى كان التلفظ في السيرة الذهنية لا يضيف في المصطلح، وهذه حقيقة، علما أن السيرة الذهنية في مجملها ترصد المسير الفكري والعلمي، حيث اقتضى هذا التلفظ سردا من سيرة أمس الكاتب وحاضره وتشكيلا لصورته المفعمة بالعمق الإنساني الوجداني.

وفي صلب الموضوع ذكر الأستاذ المحاضر في معرض قراءته أن بهذه الذات يطوح سياق درامي مضمر يقدح كل حين زناد التوتر ويذهب الانكسار الروحي والوجدان ليتمكن من السارد حزن مخيف  تستند به مواطن الفكرة، فهو محزون مما يسوؤه من ظلم وشوق ومما يعتَري الناسَ والمجتمعَ وفئاتٍ من المثقفين والسياسيين.

ومن هذه الزاوية فالسمة الغالبة على شخصية السارد من منظور ثان حالةُ لغة مطوقة بتقطع الذاكرة وتكرار سلوكها يتعذر معها الحكي وتخفق الحكاية داخل الكتابة.

فالسارد يستعرض في معرض شريط حياته فلا يجد فيه كل الحلقات متصلة يفضي بعضها إلى بعض، وما أكثر الحلقات المفقودة التي تلاشت عبر السنين. والحزن من منظور ثالث يتحول إلى فعل بان في الكتابة؛ أي الحزنُ والمقصود به حالٌّ ذاتَ الكاتب التي بها تحقق ممكن الكتابة، حزن يسعى به السارد إلى بلوغ الأقاصي التي تلامسها الذات ليخرج إلى تزامن زمن الكتابة.

وأشار إلى أن سيرة المُحْتَفَى به إجمالا في كتاب إسعاف الخاطر هي رؤى ومواقف وأحوال ذاتية وذهنية وفكرية تتراتب جميعا وتتناسق في شريط سردي مكثف. فالسيرة  على حد قول الدكتور الإدريسي بيئة الوقت عند الدكتور عبد الرحمن بودرع حيث يتعلق خطابها في ما يراه مطلوبا فيه في الحين وحريا لكتابة ظاهرة لغوية فيشغل الكاتب بما هو أولى به في الوقت الذي في حقيقته هو ما يبديه الكاتب وساعد عليه أيضا في زمن الحال والمآل.

وتلا ذلك مداخلة للدكتور محمد الحافظ الروسي مستهلا حديثه عن مشروع الدكتور عبد الرحمن بودرع في توطئة متعلقة بالتجديد حيث عَدَّ كل ما يكتبه الدكتور عبد الرحمن بودرع جديداً كل الجدة. وأشار إلى أنه أخذ بأمور ستة في التجديد هي مَفْهومُ التجديد ومنهج التجديد وأدوات التجديد وضرورة التجديد وشروط التجديد ومجالات التجديد، وهي أمور لا بد من فهمها وإدراكها من أجل أن نجدد تجديدا حقيقيا، فكان مشروعه في دراسة البلاغة القرآنية وبلاغة حديث نبينا صلى الله عليْه وسلم، وهذا مجال صعب جدا يحتاج منك أن تكون عالما بالبلاغة و بالنحو، فلا بد من معرفة باللغة ودلالاتها ومعجمها وما كتب فيها.

كما ذكر أن الأستاذ عبد الرحمن بدأ هذا المشروع أولا في كتابه الإيجاز وبلاغة الإشارة في البيان النبوي وتَلاه بقراءة نصية في بلاغة القرآن والحديث، ولا شك أن هذا المشروع مستمر  ولهذا خصت هذه الكتب بالجديد؛ فهو لا يعرض ما يقوله الأقدمون ولا الغربيون، ولا يعرض محفوظاته الغربية ولا محفوظاته القديمة، وإنما عجن ذلك عجنا ونزل إلى التطبيق وهذا قليل وجوده فيما يكتب الآن.

وفي خضم قراءته أشار إلى كتاب الإيجاز وبلاغة الإشارة في البيان النبوي حيث عدَّه كتفصيل الأمر في كلمة ذكرها عبد القاهر رحمه الله عندما قال: وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق. وهذا الباب الذي بحث فيه الدكتور عبد الرحمن بودرع قل الباحثون فيه مع أنه علامة من علامات الفصاحة  فقد أحسن استعماله وقد ذهب في ذلك مذهب المحدثين. وذكر أن جمهور البلاغيين يَعُدّون الإشارة عيًّا وجمهور المحدِّثين يَعُدّونَها مسألة مغروزة في الفطرة، وما هو معروف في الفطرة لا يمكن أن يكون عيا ولا فهاهة ولذلك ذهبوا مَذهب المُحدثين ثم مذهب أهل العصر، وبحثه في هذا الموضوع فتح لباب جديد.

وعلى حد قول الدكتور محمد الحافظ الروسي يدل الكتابُ على أننا نحتاج إلى وضع بلاغة للإشارة مفصلة فيها لأنواعها من جهة الأداء، وإلى النظر إلى الإشارة في علاقتها بالعبارة، كما اقترح جهات منها جهات العبارة التي لا تقوم مقام الإشارة، وجهة الإشارة التي هي من العبارة مقام التقوية والتوكيد وهذا يستعمل كثيرا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وثم ذكر كتابا آخر للمُحتَفى به، حول الخطاب القرآني ومنهج التأويل؛ حيث قال إنه يضعُ شروطاً للتأويل الصحيح وهي أنه لا بد من الرجوع إلى كتب الأصول وإلى الخلاف الواقع بين الأصوليين فيه وهذا ما فعله الدكتور عبد الرحمن بودرع، ذلك أنه أشار إلى العلوم التي نحتاج إليْها لوضع بحث جاد، فكتابُه هذا بحثٌ جادٌّ مُضنٍ يضطرنا إلى أن نقرأ عشرات الكتب في الأصول لنكتب جملة واحدة. وبعد هذا النظر المضبوط كَتَبَ كتابه ونظر فيما كتبه المعاصرون في التأويل، وعرضه على قواعد العلوم وميز بين التأويل المفيد والتأويل غير المفيد. كما بين الخصائص التي تميز بها الكتاب ومنها:

1- تصحيحه لمذاهب هؤلاء المؤولة الجُدُد.

2- وضع ضوابطَ للتأويل تُضَمّ إلى الضوابط المعروفة عند القدماء.

3-  أسس لفقه البيان القرآني تأسيسا جامعا بين القواعد البيانية القديمة والنظريات اللسانية الحديثة في لسانيات النص خاصة.

4-  كتابُه لبنة في الدعوة إلى تأسيس لتفسير حضاري يكشف الروابطَ بينَ معاني الآيات وروح العصر وسنن الاجتماع ونظم العمران.

5-  الدعوة إلى التجديد في خطته في التفسير والشروع في النظر إلى النصوص القرآنية بمقولات جديدة.

وأشار إلى أن د.عبد الرحمن وظفَ علوما جديدة تضم إلى العلوم القديمة ولا تنفيها ولا تلغيها ولا تستغني عنها، وهي العلوم الاجتماعية والإنسانية بوصفها أدوات ضرورية لفهم الواقع وإدراك أبعاد الإنسان، وهذه الآليات والأدوات تقدم لنا معارف ونتائج وتصبح معه ضرورة شرعية.

ويختم الدكتور محمد الحافظ الروسي بأن هذا العلم الذي قَرأه هو وسَمعه وامتُحِنَ فيه قديما هو أصح علم لمثل هذه الضوابط، وهذا الشغف والجد والصبر الشديد، وما تَلاه من نتائج، كل ذلك لا يكون إلاّ ثمرة التقوى كما في قوله تعالى: « واتقوا الله ويعلمكم الله ».

بعد ذلكَ أُعطيَ الكلمةَ الدكتورُ عز الدين الشنتوف مشيدا بالدكتور عبد الرحمن بودرع، مشيرا في كلمته إلى أن أبحاث الأستاذ عبد الرحمن بودرع تندرج في إطار المعرفة اللغوية كما صرحت بعض مقدمات كتبه، فإنها تندرج من حيث أفقها ضمن تأثير المعرفة استخراجا واستنباطا وتنظيرا، وليس تكريسا أو إعادة لما قيل، وليس انتقاء النص النحوي العربي بعناصره البائنة في زمن معرفي راهن من قبيل التكريم والتقديم بما هو نظر يجدد الصلة بالقول ويبحث عن تقديم جديد يضمن استمرار المنظومة بمعارفها القابلة للتطور. وسعى في هذه الورقة إلى تمثل بحثه وفق موجهات اختزلها فيما يلي:

1- موجه مبادئ المعرفة التي تمثلها رؤى المعرفة اللغوية وقوامها.

2-  موجه الاحتراز المعرفي أو ما يصطلح عليه بالمراقبة الإبستمولوجية.

3-  موجه المراجعة أو النقد الذي يساهم في رَجْعِ المعارف إلى أصولها والمقترحات إلى بنائها العلمي.

كما ذكر الهدف العام لمؤلَّفاتِ د.عبد الرحمن بودرع منذ كتابه الأول الأساس المعرفي للغويات العربية [2000م]، وُصولاً  إلى آخر كتاب لَه: في اللسانيات واللغة العربية، قَضايا ونَماذج [2016]، هو الحفر في الأسس المعرفية والأصول الإبستيمولوجية للغويات العربية. كما  أن هذا الهدف يتقدم نحو نسق مقروء في ضوء سؤال دال يمثل مدخل النظر ولذلك كان الانتباه إلى ضرورة قراءة نسق اللغة العربية في مقدماته المرتبطة بمقاصد التأليف، ويكون ذلك مدخلا لقراءة هذا الموجه الأساس:

أولا: موجه ال يفرض الانتباه الآنف الذكر تصورا مبنيا أساس ضمن عنصرين مرتبطين، مبدأ التماسك والانسجام ومبدأ معاينة التناقض، وقد يتبادر إلى الذهن أن المبدأ الثاني متضمن في الأول بالضرورة، ولكن المخرجات الغائية تشير إلى أن ما يتفرع وما في المقاصد موجب في التمييز. فمبدأ الانسجام والتماسك مؤطر بمقولة الاتصال، ومبدأ عدم التناقض مؤطر في مقولة اللاقطيعة وبمقولتين معا يمكن النظر إلى مشروع تحديث التراث بقراءة جديدة في ضوء التفاعل مع الدرس اللساني. ومما لا شك فيه أن الدراسة تضم التدليل على وجود بنية التعدد والتداخل في العلوم.

وأشار الدكتور عز الدين الشنتوف إلى أن من المبادئ الضرورية أيضا الوقوف عند الأصول بما هو قواعد كلية تبنى عليها الجزئية، إذ كانت الكليات كليات نظرية تتعلق بالأداة الواصفة.

وفي معرض حديثه ذكر أن الأستاذَ المؤلفَ لمس في هذا المسلك  أساسا في ضرورة إعادة ترتيب بنيانها والوقوف عند جهازها وربطها بصورة العلوم المجاورة للنحو ثم الوقوف عند تفاعل النصوص في ثقافة هؤلاء. وكانت ضرورة إدراك المقدمات التي انطلق منها النحاة سبيلا إلى الانتقال من الواقع إلى الاستدلال النظري كي يقف الأستاذ على دائرة استقرار النظر. ومن الشروط الداعمة لتلك المقدمات شرط مراعاة بنية الأخذ ومراعاة بنية المعارف المتعددة وهو ما مثل مرحلة ما قبل إنتاج النص النحوي. ومن مآخذ النظر النحوي في هذا السياق وجود محورين:

محور عوالم الواقع ومحور عوالم النظر وبهما معا وعنهما يتفرع كل من اللسان والنحو، والوضع والصنع. كما ذكر أن المتمعن في هذه المظاهر لا شك أنه منتبه إلى أهم مرتكز يقوم عليه البحث وهو عدم الارتكان إلى ظواهر الانفصال والتحول والانتقال، وبذلك يحدد الأستاذ منطلقات النظر عندَ سيبويه في كتابه؛ إذ يَعُدُّه نصا نحويا تحكمه قوانين النظم والصياغة، بحيث يكون ذلك استكشافا لنظام العربية لأدوات نظرية.

فالحدود والمصطلحات النحوية لغة نظرية في النحو ولذلك هو يوجهنا إلى هذه القراءة دون تصريح ومن هنا كان الحد عند سيبويه بالإحالة على الوقائع وليس انتزاعا للوقائع، كما أن نظام الأصل والفرع مرتبط بتركيب المقولات وسيتخذ قيمته من معيار الأصول والفروع بوصفه كلية من الكليات التي تحكم بنية العربية سواء في أصل تقدير الكلام أو في أصل تنظيم الكلام، فالأول مجموع البنيات الذهنية المقدرة وهي من صنع نحوي  وتلك ليست من معالم النحو ولا من وظيفته. أما الثاني فيقوم بتعيين الوظائف والقاعدة ويتشكل مبدأ آخر بين التأسيس بالتداول تقريبا في ضوء الموازنات التي تقرأ سيرورة الدرس اللساني المعاصر التماسا لمبدأ استمرار الظاهرة اللغوية. ووفقا لذلك ذكرَ المتحدثُ أن المُحْتَفى به التمسَ سؤالا للدراسة بالبحث عن علاقة واضحة بين لغات الأرض اليوم في إطار التواصل البشري بين جهة طبيعية محكومة بقواعد كلية جامعة وباختلاف المراجع إلى عوامل تاريخية وجغرافية وبيئية، ومن جهة التطور العلمية تقارب الشعوب في ضوء الحاجة إلى التواصل.

أما الموجه الثاني وهو موجه الاحتراز عند د. عبد الرحمن بودرع الذي يقوم بتوسيع ما يدرك في النظر إلى المعرفة اللغوية، ذلك أن المعرفة وأصولها سابقة على النظر. ومن مقومات الاحتراز وصفه لبنيان الناظر والمنظور إليه بتوسط الأنموذج.

وذكر الدكتور الشنتوف أن الدكتور عبد الرحمن بودرع أكد على أن الماهية مفهوم ذهني ناشيء عما تتصوره الأذهان لا ما يوجد في الأعيان، وبذلك يمكن الاستغناء عن الحد وهو أمر منسجم مع مبدأ الخصائص العربية من حيث هي لغة محملة بنظام من المعرفة.

وأشار كذلك إلى أن انتباه الدكتور عبد الرحمن بودرع إلى فائدة الحد هي التمييز بين المحدود وغيره وليس التصوير، أدت إلى إدراك الحقائق العلمية من حيث هي طبيعة مستقلة عن الأوضاع والاصطلاحات دون الطبائع التي هي القوى الموجودة في الأشياء. ومن النماذج التي وقف عليها الأستاذ في كتاب سيبويه قاعدة الأصل والفرع حيث أورد مثلا أن النكرة أخف من المعرفة وهي أشد تمكنا لأن الأشياء إنما تكون نكرة ثم تعرف وهو تعليل بأوليتها وأصاليتها وفرعية المعرفة.

ثم أُعْطِيَ الكلمةَ الدكتورُ عبد اللطيف شهبون الذي ذكر أن هذا اللقاء يهدف إلى تكريم علمي رمزي للدكتور عبد الرحمن بودرع، معتبرا أنه يمتلك مشروعا علميا ينهض على مجهود ذاتي لهذا الرجل الذي يمكن أن تلخص حياته في ثنائية العبادة والعمل. وأشار الدكتور شهبون إلى أن المشروع العلمي للدكتور عبد الرحمن بودرع يمثله تأطيره في حقول معلومة وهي حقل اللغة والبلاغة واللسانيات، لكنه يتناول القضايا التي يثيرها في هذه الحقول الثلاث لمواجهَة الحياة المتدفقة، فهو لا يعرض المادة العلمية بمعزل عن ما ينبغي الأخذ به في حياة الناس والدليل على هذا هو كتاب جليل القدر مليء بمعلومات كثيرة وهو كتاب الإيجاز وبلاغة الإشارة في البيان النبوي؛ بوصفه كتاباً مُعلِّما يقدم معرفة كما يقدم طريقة في العَمَل بالمعرفَة. 

كما فصل القول في موضوع الكتاب وهو الإيجاز والبلاغة والإشارة ثم البيان النبوي. ذلك أن الكتاب لا يكتفي بالبسط  أو بعرض مجموع الضوابط والقواعد ذات السمة النظرية المجردة بقدر ما يسعى إلى ربط هذه المفاهيم بما يمكن تسميته بالإجرائية والتطبيق. فالهدف الرئيس من الكتاب النفيس كما ذكر الدكتور عبد اللطيف شهبون، إخراجُ هذه المعارف التي نقرأها مسطورة في مصادر النحو والبلاغة واللسانيات، من السمة التجريدية إلى مجال التطبيق القابل لملاحظة القياس، ومن ثَمّ نجدُ أنّ هذا الجهدَ لا يستطيع أن يقوم به سوى أولي العزم والعلم خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص حديثية شريفة تكتسي قوة عملية فضلا عن قوتها الإنجازية.

وذكر أن الأستاذ عبد الرحمن بودرع انفتح على آخر منجزات الدرس اللساني ليستثمر هذه المادة في بعدها القديم والحديث من أجل الاستفادة منها وتوظيفها  لغاية محددة والتوصل إلى كشف ما يتضمنه الحديث النبوي الشريف من بلاغة وحسن بيان وما اجتمع في هذا الحديث من ضروب الإفادة والتنوير والإجادة وهذه كلها تصدر عن فكرة وسليقة. ثم ذكر أن الدكتور عبد الرحمن بودرع يضعنا منذ البدء أمام رهانه الشخصي وهو رهان الجد والإتيان بالجديد، والذي عنده في هذا الكتاب ذو مَلْمَحَين اثنين: الأول: توسيع مفهوم الإيجاز والخروج به من نطاقه المحصور، نطاق الكلام ونطاق العبارة اللغوية، إلى دائرة الفعل والسلوك، باعتبار أن قيمة اللغة والكلام تكون مرتبطة بالفعل والسلوك في حياتنا التي يصفُها بأنها حياة متدفقة، ولتصبح اللغة والكلام منهجا حياتيا ونمطا أو أسلوبا في التفكير ورهانا في الآن ذاته من أجل المساهمة في نقل الناس من حالة الفوضى في المنهج إلى حالة محكومة بالمنطق. هذا المَدخل الذي يضعه الدكتور عبد الرحمن بودرع لهذا المؤلف  هو التبصرة الأولى  حيث يطرح في القسم الأول من الكتاب جملة من العناصر:

أولا: يضعنا أمام إطار منهجي دقيق لهذا البحث وهذا الإطار هو الخروج من عوالم النظريات إلى فضاء الإنجازات أي الانتقال من لسانيات الظواهر إلى رؤية منهجية متماسكة، ثم التوظيف أو الاستثمار أو الاستفادة العملية الإجرائية لكل النظريات العلمية في مجال اللسانيات، خاصة اللسانيات الإجتماعية والعلوم الإنسانية واللغة والبلاغة، لاستخراج الخاصيات أو السمات الجمالية من نصوص الحديث النبوي، وهي مسألة غير مسبوقة في تاريخ الجامعة العربية.

ومن أجل الاستثمار الفعلي لهذه النظريات لاستخراج الخصائص الجمالية من الحديث النبوي الشريف لا بد من الخروج من النقاش النظري التجريدي إلى بناء روح الإنسان وجوهره؛ أي الانفتاح في هذا الدرس من التفكير في ظاهرة لغوية محدودة فلسفيا، على التناوُل الحضاري لهذا الجانب اللغوي والبلاغي واللساني، واعتماده وسيلة من وسائل الرقيّ بالفكر وبالوجدان الإنساني، ارتقاءً عمليا للكلمة والعبارة والفعل في ارتباط علمي بالسياقات الاجتماعية والثقافية. ثم التحليل اللساني والمعالجة التداولية واستعمال الأدوات البلاغية والأسلوبية واللسانية من أجل وصل البلاغة الحديثة بالقديمَة. كما أشار الدكتور عبد اللطيف شهبون إلى أن الجديد في هذا الكتاب  هو أن هذا من المداخل الموجهة تقوم دليلا على تحليل نماذج من الأحاديث النبوية، وهذا كله يتعلق بالرؤية المنهجية للبحث. فالغاية من البحث الإسهامُ في تغيير النظر  الذي يذهبُ إلى أنّ علوم الآلة مجرد آليات ووسائط للقراءة معزولة عن التوظيف إلى غاية أخرى هي اتخاذُها وسائلَ لاستكشاف ما هو نفسي واجتماعي في النصوص. أما الغاية الثانية فهي غاية تربوية.

ومن جهة أخرى ذكر أن البلاغة النبوية بلاغة شمَّالة تشمل الشكل والجوهر. والمسألة الثالثة ما سماه بحزونة البحث وصعوباته، أو الغوص في بلاغة الحديث النبوي الشريف وهو أشبه بالدخول في مفازة واسعة؛ لأنّ البحث الجاد لا يمكن أن يكون مطبوعا باليسر أو السهولة. وبذلك يكون الدكتور عبد اللطيف شهبون قد ركز على الموجهات الكبرى في الكتاب.

وفي ختام هذا اللقاء العلمي الحافل والماتع أعطيَ الكلمةَ الأستاذُ عبد الرحمن بودرع الذي عبر عن شكره وامتنانه للجميع أساتذة وطلبة ومحاضرين.

وفي نهاية هذا اللقاء، ختمت المحاضرة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم.

وعلى هامش هذه القراءة نُظِّم معرض للكتب احتوى على ذخائر تراثية مهمة من الكتب.

كتب التقرير: هاجر الفتوح وسكينة مناري
في إطار سلسلة المحاضرات الشهرية نظم مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية التابع للرابطة المحمدية للعلماء  بتعاون مع فريق البحث الأدبي والسيميائي، وملتقى الدراسات المغربية والأندلسية، قراءات في أعمال د.عبد الرحمن بودرع، شارك فيها كل من الأساتذة:
د. عبد الرحمن بودرع، ود.محمد الحافظ الروسي، ود.عبد اللطيف شهبون، ود.عز الدين الشنتوف، ود.عبد الرحيم الإدريسي.
 وذلك بقاعة الندوات الدكتور محمد الكتاني بكلية  الآداب بتطوان، يوم الاثنين25  أبريل2016 م ابتداءً من الساعة العاشرة صباحا.
وقد ترأس الجلسةَ الدكتور عز الدين الشنتوف مستهلا حديثة بتوطئة موجزة عن المحتفى به في كلمة حول موجَزِه الأكاديمي الذي عكف عليه منذ سنين عدة، في الفكر والمنهج، مشيراً إلى أنه قد آن الأوانُ لأن نؤسس تقاليدَ علميةً للاحتفاء بأساتذتنا الذين رافقونا في أعمالنا ونحن في إطار التعلم، وذلك لكي نعترف بأعمالهم وصنيعهم البيداغوجي والتربوي والعلمي، وذكَّر كذلك أنه من طلاب الدكتور عبد الرحمن بودرع وقد جمعته به آصرة المحبة قبل آصرة العلم، وهذا الأمر مرتبط أساسا بالعرفان الذي تؤسسه هذه الشخصية الوطنية والعربية والدولية في اللغة والبلاغة واللسانيات، هذه الشخصية التي أنجزت مشروعا لا نجده إلا مع قلة من الباحثين والأكاديميين، وهو مشروع دال بسؤاله على مقاصده العل

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق