مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

تداخل وجهات نظر النساء المناضلات: مسارات نحو حركة نسائية بلا حدود

فاطمة الزهراء الودغيري

 

 

شهدت عاصمة الأنوار أيام 16 و17 و18 نونبر 2012 تنظيم ندوة دولية بعنوان “تداخل وجهات نظر النساء المناضلات: مسارات نحو حركة نسائية بلا حدود”، حيث سهر “التجمع النسائي من أجل المساواة” CFPL على تنظيم هذه التظاهرة، والتي طغى عليها الحضور النسائي، في مقر متواضع تابع لمركز الدراسات ومبادرات التضامن الدولي CEDETIM.

لقد عرفت الحركات النسائية بفرنسا قطيعة وخلافا عميقا على إثر الجدل الذي أُثير في المجتمع الفرنسي بشأن قرار منع ارتداء غطاء الرأس الإسلامي سنة 2004. وفي هذا السياق وإيمانا من “التجمع النسائي من أجل المساواة” بقيم الديمقراطية والمساواة والحرية، أعيد تنظيم هيكلة التجمع بناء على أرضية اعتُمدت في الجمع العام المُنعقد في 4 أبريل 2004، وسطرت مجموعة من الأهداف يجدر بنا الإشارة إليها، وهي كالآتي:

–         محاربة جميع أشكال التمييز التي تتعرض لها النساء، والسعي نحو تحقيق المساواة في الحقوق؛

–         رفض فكرة إرساء نموذج موحد لحرية النساء وتحريرهن؛

–         احترام الاختيار الحر للنساء، ولاسيما من خلال إدراج الحق في ارتداء غطاء الرأس أو في عدم ارتداءه في نفس المخطط؛

–         رفض قوانين الإقصاء التي تهين النساء وتعاملهن كمواطنات من الدرجة الثانية، أو تعتبرهن غير مرغوب فيهن أو من طائفة أقل أهمية، بسبب انتمائهن الاجتماعي أو الثقافي أو الديني أو السياسي؛

–         رفض القوانين والتفاسير المقيدة للحرية، وإعداد خطاب بديل وإعادة النظر في المفاهيم المؤسسة لمجتمعاتنا على ضوء النضال النسائي؛

–         محاربة الاستغلال السياسي والإعلامي لقضية النساء؛

–         تعميق التفكير وتحليل آليات التمييز في جميع المجالات من أجل إعداد أدوات ناجعة للنضال.

–         تنظيم تعليم شعبي من أجل النساء ومع النساء؛

–         النضال من أجل تحرير النساء مع احترام اختياراتهن (السياسية والاجتماعية والدينية والجنسية…) ورفض ممارسة أية سلطة، سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية أو جنسية، تنكر عليهن هذا الحق؛

–         تسهيل مشاركة النساء في النقاشات والحياة السياسية لإسماع صوتهن، والسماح بتشارك النساء الأفكار والتجارب عبر خلق علاقات مع الفاعلين والفاعلات على المستوى المحلي؛

–         إقرار وبناء تفكير مشترك، والتبادل والتضامن مع النساء على المستوى الدولي؛

–         تعزيز التعريف بالأفراد والأفكار على المستوى السياسي والاجتماعي والجهوي وبين الأجيال.

توافدت نساء من مختلف القارات (إفريقيا، أمريكا، أمريكا اللاتينية، أوروبا، آسيا،…) إلى هذه التظاهرة ليُعرِّفن بنضالهن من أجل الحق في العيش بكل إنسانية وكرامة مهما كان انتماؤهن الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي، حيث تناضل هؤلاء النساء من أجل حركة نسائية جماعية مستمدة من محيطهن وثقافتهن ومسارهن، ومن أجل حقهن في حركة نسائية عالمية تتجاوز الحدود.

افتتحت أشغال هذه الندوة في 16 من نونبر بكلمة ترحيبية ألقتها عضوات “التجمع النسائي من أجل المساواة” أمام مختلف المشاركات، تلاها تقديم للبرنامج.

ثم نُظمت في اليوم الثاني والثالث من الندوة (17 و18 نونبر) نقاشات على شكل مائدتين مستديرتين بعنوان: “التحرر والانتماء: النساء في عملية التغيرات السياسية والاجتماعية“.

اندرجت جل المداخلات في سياق فرض الاستعمار نموذجا للتحرر وإعطائه صفة “العالمية”، حيث وضعت قواه نظاما اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا يقلل من قيمة الشعوب المستعمَرة، وقد تزامن ذلك مع إنتاج خطاب عنصري وإظهار الآخر المستعمَر مختلفا عن المستعمِر على المستوى العرقي والثقافي، فأثر بشكل كبير على مختلف أشكال التحرر النسائي.

في هذا الاتجاه جاءت مداخلات كل من أميناتا تراوري Aminata Traoré  من مالي وباولا باتشيتا Paola Bacchetta من الولايات المتحدة الأمريكية وسويلي كارنيرو Sueli Carneiro  من البرازيل وميشيل سيبوني Michèle Sibony  من فرنسا وأسماء المرابط من المغرب، اللواتي رفضن هذا النظام وكشفن عن نضال نسائي شق طريقه بصعوبة في قلب أنظمة عديدة مهيمنة غير مقبولة في مجملها.

كشفت مداخلة السيدة أميناتا تراوري المتميزة والمؤثرة عن الوضع المأساوي الذي تعيشه مالي، واستغلال العنف الذي تتعرض له النساء لتبرير التدخل في البلاد، والحروب الطامعة في ثرواتها. أكدت أميناتا أنه “كلما كان مرفوضا من الناحية الإنسانية تقسيم أراضي مالي وفرض ما يُسمى “بالشريعة” على سكان المناطق المحتلة، كلما كان استغلال هذا الوضع، بما في ذلك عدم الدفاع أخلاقيا عن مصير النساء، غير مقبول على المستوى السياسي”.

يجب على نساء مالي وجميع نساء العالم اللواتي يعتبرن أنفسهن معنيات بهذه القضية، أن يرفضن أشكال الأصولية الثلاثة؛ الدينية والاقتصادية والسياسية، وأن يواجهن بالرفض الحرب بالوكالة التي تلوح في الأفق.

توجهت أميناتا تراوري بنداء استغاثة إلى المجتمع الدولي لكي لا يصادق مجلس الأمن على قرار يسمح بنشر القوات بمالي، لأن عواقب هذا الإجراء ستكون وخيمة وكارثية على منطقة الساحل بأكملها. 

وفي نفس المائدة المستديرة، برزت مداخلة الدكتورة أسماء المرابط التي اندرجت في إطار موضوع الجلسة التي اختير لها عنوان “التحرر والانتماء: توافقات و/أو صراعات الولاء“. بيَّنت من خلالها أن “النساء المسلمات يتأرجحن اليوم بين “التحرر” و”التمسك” بما هو ديني بهدف التحرر من إيديولوجية مهيمنة تمنح نفسها حقا أحادي الجانب في العالمية، وأيضا إيديولوجية إسلامية تقليدية تمتنع عن خوض أي إصلاح…”. بالإضافة إلى ذلك، اقترحت أسماء المرابط “من جهة، فهم الآخر انطلاقا من نظامه المرجعي الخاص به، ومن جهة أخرى إنجاز نقد ذاتي حقيقي داخل العالم الإسلامي… وإعادة صياغة مقاربة جديدة لقضية النساء والإسلام عبر الرجوع إلى نظرية الإنسان التي تُعتبر محورية في الرسالة الروحية للإسلام”.

وأشارت أسماء المرابط إلى أن “الإسلام الروحي لا يطرح مشكلة، وإنما هو الإسلام المؤسساتي الذي استُغل لتحقيق مجموعة من الأغراض على مر قرون من الحكم السياسي الاستبدادي”. كما اعتبرت أن “الرسالة الروحية التي جاء بها الإسلام قد أُفرغت من معناها العميق وتم استبدالها بمجموعة من الأحاديث الموضوعة والآراء الفقهية والتفاسير الإنسانية التي تكرس للخضوع للاستبداد والجهل الثقافي والانهزامية الفكرية، والتي تروج لمبدأ الجبرية “.

واستمر النقاش بخصوص مشاركة النساء في الثورات العربية والتغيرات السياسية والاجتماعية. وروت الباحثة زهرة علي في مداخلتها المتميزة تجربتها الخاصة بصفتها امرأة عراقية؛ بالإضافة إلى مداخلة إيفون نغويل Yvonne Ngoyl من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفايقة مجاهد Faika Medjahed  من الجزائر وأمل بن سعيد من تونس.

وترى جميع المتدخلات أن النساء شاركن مشاركة كاملة في الثورات العربية وكسرن جدار الصمت، بغض النظر عن الوضع الفوضوي الذي أعقب تلك الثورات، وبذلك برز في الأفق وعي جديد للنساء العربيات المسلمات.

واختُتمت هذه الندوة بخلاصة قدمتها إسمهان شودري Chouderet Ismahane ومونيك كرينونMonique Crinon باسم ” التجمع النسائي من أجل المساواة” حيث أبرزتا أن أهداف الندوة قد تم تحقيقها بنجاح، وأنه بالإمكان في ختام هذه الندوة التصريح دون شك بالآتي:

–         لم نعد حاليا أمام حركة نسائية واحدة غربية مهيمنة، وإنما أمام عدة نضالات نسائية مستمدة من السياق الثقافي والاقتصادي والسياسي الخاص بكل مجتمع.

–         لا شك أن الحركات النسائية السوداء[1] والإسلامية تحظى بمكان في النضال النسائي.

–         لا تتعارض الديانات، ولاسيما الدين الإسلامي، مع ظهور الحركة النسائية، حيث تُشكل الديانات المُحرَرة من القراءات المُسَيسة والمذهبية مصدر قوة مع ظهور الوعي السياسي والاجتماعي.

–         لا يجسد الإلحاد ورفض الدين قيم التحرر والحرية.

–         يجب احترام استقلالية النساء عندما يستعملن مصطلحات تتلاءم مع ثقافتهن المحلية من أجل التعريف بنضالهن، مثل مصطلح “الحركة النسائية” الذي يُعتبر مصطلحا غريبا، وبالتالي مستوردا في أغلب المجتمعات العربية الإسلامية.

–         يمكن أن تجتمع جميع هذه النضالات النسائية على مرجع مشترك، لكن يجب أن تبقى في تطور دائم.

 


[1] Féminisme noir: يٌقصد بها حركة نسائية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نشطت فيها نساء من أصل إفريقي-أمريكي.

 

نشر بتاريخ: 10/12/2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق