الرابطة المحمدية للعلماء

النظام القضائي في الإسلام من خلال كتاب

الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية للشيخ قاضي الاستئناف الشرعي محمد المرير

نظمت مجلة الإحياء ملتقاها السادس حول موضوع “النظام القضائي في الإسلام من خلال كتاب: الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية” للشيخ قاضي الاستئناف الشرعي محمد بن محمد المرير ” يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2014م، الموافق لـ27 ذي الحجة 1435ﻫ، بقاعة الاجتماعات بمقر الرابطة المحمدية للعلماء، وذلك بمشاركة السادة الأساتذة: د. محمد الكتاني ود. عبد الغفور ناصر ود. جعفر بلحاج وذ. أحمد المرير  ودة. مجيدة الزياني ود عبد الحميد عشاق الذي أسهم في العناية بهذا الكتاب وإعداده للنشر بدار الحديث الحسنية، ود. عبد السلام طويل الذي نسّق وأدار فعاليات هذا الملتقى.

بعد أن تم استعراض أهم قضايا ومحاور هذا السفر المرجعي الهام الذي يستمد قيمته من النفس الإصلاحي التجديدي العميق الذي تميز به، ومن السياق الحضاري لإنتاجه؛ حيث شكل استجابة تاريخية مبدعة للتحدي الذي مثله “مشروع ونموذج التحديث الغربي” الذي جاء في ركاب الاستعمار، ليشكل بذلك “صدمة حداثة حقيقية”، أبرز السادة المشاركون تميز هذا المؤلف بمنـزع نقدي رصين، وبوعي شديد بالخصوصية وشرعية الاختلاف المذهبي على امتداد ربوع الأمة الإسلامية، في إطار من الإيمان الراسخ بوحدة المذهب المالكي بالنسبة للمغاربة..

 كما أبرزوا تميز النظر العلمي للشيخ المرير بالرصانة المنهجية، والجمع بين النظر الفقهي والأصولي والمقاصدي من جهة وبين العمل القضائي من جهة أخرى، والسعي إلى تجاوز واقع التجاور بين منظومتين ومرجعيتين متباينتين لا تفاعل ولا تواصل بينهما..

كما أوضحوا أن منظومة القضاء تستبطن بُعدين؛ بُعد قيمي تصوري ومعياري أحكامي يستمد مرجعيته من النص التأسيسي كتابا كريما وسنة صحيحة، وهو بعد يتميز بقدر كبير من الرسوخ والثبات، وبُعد مؤسساتي نظمي وإجرائي فني متغير ومتطور ونسبي؛ يتغير بتغير السياقات والتجارب والظروف والأحوال…

وفي انتظار أن نقدم للسادة القراء تقريرا تفصيليا بمجمل ما جاء في هذا الملتقى العلمي الهام، نضع بين أيديهم الأرضية التي تأسس عليها النقاش في هذا الملتقى:

إذا ما استعدنا مسار تغلغل التشريعات والبنيات المؤسسية الغربية الوافدة على العالم العربي الإسلامي في ركاب الاستعمار، الذي عمل للتمكين للنموذج التحديثي الغربي من خلال مفهوم الدولة الوطنية (Etat Nation)، فسوف يتبين لنا مبلغ الإرباك والتحدي الذي أحدته للمنظومة الإسلامية التقليدية؛ فقها وتنظيمات، مرجعية ومنظومة قيم.

فمع أن التجديد في البنيات المؤسسية؛ الإدارية والقضائية يندرج ضمن دائرة الاجتهاد التي تتسع باتساع دائرة العفو، أو ما جرى التعبير عنه بمنطقة “الفراغ التشريعي” وفقا للكليات المقاصدية المبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، إلا أن السياق الاستعماري التغريبي، وما مثله من تحد مادي ورمزي كاسح للذاتية الحضارية للأمة، جعل عملية الاجتهاد والتجديد تتم وهي محفوفة بالعديد من المكاره..

 وما استتبع ذلك من فرض لأولوية الدفاع عن الأصول والثوابت المميزة للمعتقد والذات والهوية؛ فبدل المضي قدما في عملية الاجتهاد والتجديد وجدت الأمة نفسها، منحشرة في موقف الذود عن مجرد الوجود من خلال “الدفاع عن أصل وجود المؤسسات الإسلامية في التعليم والقضاء والفكر وغيرها”، وذلك في مواجهة اطراد زحف التشريعات الغربية، وانحسار الشريعة الإسلامية الأمر الذي مكن لهيمنة التشريع الغربي على مختلف الأنظمة؛ القضائية، والتجارية، والعقارية، والجنائية..

ورغم الاستجابة والممانعة التي مثلتها تجربة “مجلة الأحكام العدلية”[1]، و”ملتقى الأبحر”[2]، وموسوعة “الفتاوى الهندية الشاملة”[3]، و”لجنة تدوين الفقه الإسلامي” بالمغرب وغيرها، إلا أن تسرب النظم القانونية الوافدة في القوانين ونظم المحاكم، كان “مبعثا للانفصام في النظام القانوني ومنشأ للازدواجية فيه” في الحال والمآل[4].

وفي هذا السياق، سبق لعلال الفاسي أن أبرز كيف أنه “لم يكن يخطر ببال أحد من المناضلين الأولين، أن القانون الذي وضعه الفرنسيون لمقاصد استعمارية، سيصبح المتحكم في كل النشاط الإسلامي في المغرب؛ فبمجرد ما أعلن الاستقلال وتكونت الحكومة الأولى، أصدر جلالة المرحوم محمد الخامس أمره بتأسيس لجنة لتدوين الفقه الإسلامي استعدادا لجعله القانون الرسمي للدولة في جميع المحاكم التي أخذت تسير في طريق التوحيد.

ولم يكن يخطر ببال جلالته ولا ببالنا نحن أعضاء لجنة التدوين، الذين شرفهم جلالته بتعيينهم لأداء هذه المهمة، أن عملنا سيقتصر على مجرد الأحوال الشخصية. والدليل على ذلك أننا اشتغلنا في قسم الأموال بعد إنجازنا للأحوال، ولكن قسم التشريع بالكتابة العامة الذي (كان) يشرف عليه فنيون فرنسيون أوقف أمر البت فيه، وترتب على ذلك أن توقف سير التدوين في بقية أبواب الفقه الأخرى”.

“ثم حدث، يضيف الفاسي، أن عرضنا على البرلمان المغربي وقت انعقاده مشروع قانون بتوحيد المحاكم والقوانين في المغرب صادق عليه النواب بالإجماع وأصبح نافذ المفعول، فكان من المنتظر أن تؤسس لجان على الفور لإعادة النظر في القوانين التي قرر تطبيقها على المغاربة، لنسخها بقوانين مغربية تمثل مقتضيات الشريعة الإسلامية طبقا لروح التشريع المغربي وما فيه من اختيار ومن عمل، ولكن الأمر جرى بعكس هذا..

ليخلص، رحمه الله، إلى القول: “لو سايرنا التشريعات التي وضعها المستعمرون في كل من الهند وأندونيسيا والعالم العربي وإفريقيا، لاستخرجنا منها حججا دامغة على أن مقاصد المستعمرين في تلك التشريعات لم تكن إلا هدم الكيان الوطني، وفسح المجال للاستعمار الرأسمالي الأجنبي. وفيما أعطيناه من نماذج من القوانين التي وضعها المستعمرون في بلادنا ما يبين الحقيقة ويدل على ما وراءه”[5].

وهو ما جعل من الاستقلال القانوني والقضائي مطلبا ملحا لرموز الحركة الوطنية وعلماء الأمة على امتداد العالم الإسلامي. وذلك على هدي الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية، بعد أن وقر في يقينهم أنه “لو وطئت أكنافها وعبدت سبلها، لكان لنا (من تراثها الجليل) ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا وقضائنا وفي تشريعنا..”[6].

وهو الاستقلال الذي راهن الفقيه الدستوري عبد الرزاق السنهوري، وهو يسهم في صياغة مشروع جديد للقانون المدني للعراق بعد استقلاله، أن يتحقق من خلال: استمداد أحكامه من القانون المقارن، أي من الكسب التشريعي الكوني بعيدا عن التبعية القانونية الفرنسية، وأن تقتصر الاستفادة من القانون المقارن على الصياغات الفنية للنصوص والأحكام سعيا لفصم العلاقة بين النص ومرجعيته الحاكمة..

وبذلك “يخلى بين النص المأخوذ وبين البيئة التي سيطبق فيها، فيحيا حياة (وطنية) خالصة، ويخضع لتفسيرات المحاكم والفقه من خلال تفاعله مع هذه البيئة الوطنية”. مع الحرص على الأخذ بما استقرت عليه أحكام المحاكم الوطنية وشروح الفقهاء في اتصالها التلقائي الوثيق بتراث ومرجعية وواقع الأمة في تعدديته وتنوعه وغناه. ومع ما يقتضيه ذلك من مواكبة علمية مضطردة وانفتاح على مختلف المذاهب والاجتهادات الفقهية المعتبرة، بما لا يخل بانسجام الهيكل التشريعي العام[7].

وهو الوعي الذي نجده لدى الشيخ المرير كما نجده لدى العلامة علال الفاسي في كتابه “النقد الذاتي” الذي ألفه إبان الفترة الاستعمارية، وفيه يؤكد أن مصلحة الوطن “تقضي بوضع قانون مغربي عام يطبق في سائر المحاكم المغربية وعلى جميع الساكنين في البلاد، وتكون مصادره الأساسية الشريعة الإسلامية والأعمال المغربية مع الاستعانة بالقانون الفرنسي والأجنبي/ويحمل، بعد مصادقة الجلالة الشريفة عليه وبعد إفتاء العلماء، بأن ما فيه من مواد كلها قابلة للاندراج تحت الأصول العامة للفقه الإسلامي اسم “القانون الإسلامي المغربي”[8].

 وفي هذا السياق، تندرج محاولة الشيخ المرير الذي طالما تشوف إلى نظام قانوني وقضائي يعبر عن شخصيتنا الحضارية وهويتنا الوطنية، مثلما يعبر عن عقليتنا ونفسيتنا وذاكرتنا الجماعية. لقد كان من السباقين، على غرار عبد الرزاق السنهوري وعلال الفاسي، للدعوة إلى الاستقلال القانوني؛ الفقهي والقضائي انطلاقا من إيمانه الراسخ بصلاحية الشريعة الإسلامية ومرونتها وقابليتها للتطور.

وهو الإيمان الذي يتأسس على حقيقة أن “في الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادئ لا تقل في الرقي والشمول، وفي مسايرة التطور، عن (أرقى) النظريات الفقهية التي نتلقاها اليوم عن الفقه الغربي الحديث”، وأن الفقه الإسلامي “لا تقل عراقته في ذلك عن عراقة الفقه الروماني، وهو لا يقل عنه في دقة منطقه وفي متانة الصياغة وفي القابلية للتطور. وهو مثله صالح لأن يكون قانونا عالميا بل كان بالفعل قانونا عالميا..”[9].

غير أن يقين الشيخ المرير في صلاحية الشريعة لا ينفك عن إيمانه بضرورة الاجتهاد والتجديد الذي بهما تتحقق هذه الصلاحية وتكون. وفي هذا السياق لا يخفي اندراجه ضمن الزمرة القليلة المواجهة للفئة الكثيرة المترددة، بل والمناوئة للاجتهاد والتجديد على هدي الشريعة ومقاصدها سعيا لاستعادة المبادرة الحضارية في إنتاج الأفكار والنظم والمؤسسات المنبثقة من الإسلام ومنظومة قيمه في انفتاح راشد على الكسب الإنساني في غناه وتعدد مصادره.

لكن على قلة  هذه الزمرة فإن الشيخ المرير يؤكد أن حجتها غالبة؛ وذلك “بقولها الحق لو وجدت مستمعا لقولها، ومطيعا لأمرها، وهو الرجوع في ذلك إلى ما أسسه الأئمة المجتهدون وحرروه، والمحافظة على ما فرعوه من أحكام الجزئيات وقرروه، مع الإطلاع على مقاصد الشريعة أصلا وفرعا، وفهم ما سبقت لأجله فرقا وجمعا، ثم النظر فيما تفرع من الأقوال وجمع أطرافها، واختيار الراجح من الآراء، وتقليل ما أمكن من تباينها واختلافها، وإيداع الخلاصة في ديوان يجمعها، وإبرازها في مؤلف واسع العبارة، يصونها من التعقيد ويمنعها، حتى يكون ذلك من أوثق المراجع، التي يعتمدها القاضي والمفتي والمطالع”[10].

وهو ما حاول تنزيله من خلال مؤلفه موضوع ملتقانا هذا؛ “باذلا غاية الجهد في تتبع نشأة هذه المحاكم، وما أحرزته أيام تأنقها وزهرتها، ثم ما منيت به بعد من الضعف والذبول، حتى تقلص بردها الضافي، وشيب وردها الصافي، وأصبحت ألقابا فخمة في غير موضعها، وشيب وردها الصافي، وأصبحت ألقابا فخمة في غير موضعها، وأسماء شريفة واقعة غير موقعها”[11].

وبذلك فقد حدد موضوع كتابه في إصلاح النظام القضائي الشرعي وجعله مواكبا ومستجيبا للتطورات والتحديات التي يفرضها النظام القضائي الحديث كجزء لا يتجزأ من بنية ومفهوم الدولة الحديثة، التي جاءت بمؤسساتها وهياكلها وقوانينها ونظامها المعياري في ركاب الاستعمار، مع ما يستلزمه ذلك من جهد في التأصيل والتأويل.

وفي هذا الإطار، أوضح القاضي المستشار طارق البشري، كيف تفاعلت ثلاثة عوامل منذ القرن التاسع عشر، وترتب على تفاعلها إحداث حالة من الاضطراب والاختلال العميق في المنظومة التشريعية للمجتمعات العربية والإسلامية بمختلف هياكلها ونظمها ومؤسساتها: أولها؛ جمود الوضع التشريعي المستمد من الشريعة الإسلامية، وهو الوضع المتوارث من قرون الركود السابقة عن صدمة الاستعمار التي مثلت العامل الثاني.

ولعلها الحقيقة التي جعلت علال الفاسي يخلص، قبل استقلال المغرب، إلى أن “المشكلة الأولى التي تعترض تطور القضاء في المغرب هي مشكلة القوانين الجنائية والمدنية وموقفهما من الفقه الإسلامي ومن المحاكم الشرعية. ومن الحق أن نعترف بأن الجمود وحده هو الذي ترك القضية تتكيف على هذا الشكل”.

 غير أن الفاسي يوسع دائرة ومفهوم الجمود ليشمل ” جمود كل من فقهاء الإسلام المعاصرين وجمود رجال القانون الأجانب الذين أبوا إلا تركيز فكرهم ضد الشريعة؛ بحيث إذا كان طبيعيا أن يجمد رجال القانون، ولو جمودا اصطناعيا من أجل المصالح السياسية والدبلوماسية التي يريدون نجاحها لأممهم، فليس من المعقول أن لا يكون لرجال الفقه الإسلامي من المرونة ما يسهل عليهم مجابهة الحقائق العصرية بكل أشكالها”[12].

وثالثها؛ ما اقتضته حيثيات وظروف “الصحوة الاجتماعية السياسية من طروء الحاجة الماسة لإصلاح الأوضاع والنظم وتجديدهما، الأمر الذي يستوجب إصلاحا وتجديدا مناسبين في الهياكل والنظم التشريعية”، غير أن أسلوب الإصلاح المتبع كرس حالة من الاختلال والاضطراب أفرزت وضعا قانونيا ومؤسسيا مطبوعا بالازدواجية؛ وذلك بـ”إبقاء القديم على ركوده وإنشاء الحديث بجانبه وعلى غير انبثاق منه ولا تفاعل معه”[13].

الأمر الذي اقتضى البحث عن سند لمنظومة القيم والمؤسسات الحديثة في المرجعية التأسيسية الإسلامية؛ بحثا لها عن نوع من المشروعية والفاعلية، من خلال آلية الاجتهاد؛ استنباطا واستقراء، قياسا واستصحابا، تأصيلا وتأويلا، وذلك درءا لكل أشكال النشاز والتعارض بين المنظومتين. مع ما يكتنف ذلك من مشكلات منهاجية وتاريخية.

ومع أن الشريعة الإسلامية تستمد مصدرها الأول من الوحي، إلا أنها “لم تغفل الاستفادة في تفاصيلها من أي قاعدة أو مادة فقهية أجنبية أو حتى من أعراف البلاد التي دخلها الإسلام إذا كانت تندرج تحت أصل شرعي عام. وهذا ما يفسر كثيرا من التغاير الواقع في تطبيق الشريعة بحسب العصور والأزمنة؛ الأمر الذي يدل على أن أسلافنا اعتمدوا قبل كل شيء على أصول الفقه العامة التي أجمعت الملل والنحل عليها، ثم لم ينظروا إلى أقوال الفقهاء والأئمة إلا كمادة يستقى منها إلى جانب غيرها من المواد للاحتفاظ بالتقدمية الشرعية في البلاد؛ ولقد كان لهم في مادتي “الاستحسان” و”المصالح المرسلة” ما فسح لهم المجال الواسع في ميدان التطور الفقهي إلى حد يفوق كل الطاقات التي يملكها رجال القوانين في الأمم الأخرى[14]“. 

وفي هذا المعنى يخلص الشيخ المرير إلى أن “الحكومة الإسلامية يصح أن يقال فيها ديمقراطية بالمعنى العصري؛ أي مبناها على المساواة، وعدم الأثرة والتفضل بين أفراد الأمة.. ويصح أن يقال فيها “دستورية” دستورها وقانونها القرآن وصحيح السنة وإجماع علماء الأمة مما استخرجوه منهما. ويصح أن يقال فيها “نيابية”؛ أي للأمة الحق في مراقبة أعمال الخليفة، وأن على الخليفة المشاورة فيما يهم من مصالح الأمة”..

ومقتضى ذلك، فيما يتصل بإصلاح القضاء وتجديد نظمه، أن “ما لا يتم العدل إلا به فيعطي ما للعدل من حكم ومن قيمة”، وهكذا فإن وجوب أحكام الشريعة لا يتحقق إلا بالطاعة القائمة على الاختيار؛ “لأن ذلك في مصلحة المطيع نفسه وفي مصلحة المجتمع؛ إذ الغاية من عمل الفرد هي إكمال سموه النفسي، والغاية من آثار عمله في المجتمع هي المساعدة على تحقيق المثل الإنساني الأعلى. ولهذا السر نفسه أشرك الإسلام أبناءه في الاجتهاد في الدين والاستنباط من أصوله العامة؛ فوضع الأسس الأولى لمشاركة الفرد في إنتاج القانون الذي يجب عليه أن يطيعه”[15].

وفي هذا الإطار، يقول الشيخ المرير: “فإذا أردنا في هذا القطر تنظيم مسائل الفقه المنتشرة في الكتب والدواوين، وجمعها في ديوان جامع بعد التنقيح والترتيب، واختيار حسن التبويب وأحدث الأساليب، وتجنب ركيك العبارة، وحذف ما لا يحتاج إليه من الأقوال والخلافات، والاقتصار على الراجح أو المشهور أو ما به العمل، والتماس المخارج والطرق الصحيحة للحوادث الجديدة التي جاء بها الوقت مع مراعاة الأعراف والعوائد، التي لا تضاد الشريعة في المصادر والموارد، فأي مانع من ذلك يمنعنا؟ أو أي صارف معتبر شرعا أو عقلا يصرفنا؟ ما يمنعنا والله إلا خمول أو جمود يؤولان بالشريعة إلى الإهمال، ويؤديان بأحكامها إلى الاضمحلال”[16].

ومع حماسة الشيخ المرير ودعوته للاجتهاد والتجديد إلا أنه يعتقد، مع ذلك، أن “أصول القضاء الإسلامي وأسس القانون الشرعي تامة بنفسها، محكمة بالتنظيم في نسجها، لا تحتاج إلى تكميل ولا تنظيم؛ لأنها من الدين، والدين وحي من الله أوحاه إلى رسوله، وما فارق الرسول، صلى الله عليه وسلم، هذه الدنيا حتى ترك الشريعة واضحة المناهج، عذبة الموارد، كاملة متيسرة المسائل، سهلة المقاصد، كفيلة بمصالح الدين والدنيا، مؤسسة أصولها على قواعد محكمة ومثل عليا”[17].

وهو ما يجعلنا نتساءل:

1.عن حدود ومغزى هذا الاجتهاد والتجديد؟

2.وهل منظومة القضاء الشرعي التقليدية كفيلة بمواكبة التطورات التي يعرفها عالمنا المعاصر بكل تناقضاته وتعقيداته دون إحداث ثورة عميقة في بنيتها وهياكلها ووظائفها؟

3.هل يمكن إحداث تغيير وتطوير عميق في منظومة العدالة دون إحداث نفس التغيير والتطوير في بنية الدولة التي تستلهم المعيارية الإسلامية في الحكم؟

4.وهل أزمة النظام القضائي والقانوني في العالم العربي الإسلامي راجعة في أصلها إلى الاستعمار أم أنها، أبعد من ذلك، نتيجة طبيعية لمسار تاريخي من التراجع الحضاري الشامل والمركب الذي عرفته الأمة ولا تزال؟ وأن الحل إنما يكمن في خلق الشروط الموضوعية والذاتية اللازمة لاستئناف النهضة الحضارية للأمة وليس في الإمعان والإصرار على استبقاء التنظيمات القديمة، والسعي عبثا لبث الروح فيها بمعزل عن تحقيق هذا الاستئناف الحضاري؟

5.إذا كانت التنظيمات والمؤسسات بمختلف أشكالها، بما فيها مؤسسة الخلافة، تنظيمات تاريخية تتحدد قيمتها وفاعليتها بمدى انبثاقها وتعبيرها وانسجامها مع روح وطبيعة العصر الذي تفعل فيه، فكيف لنا أن نجزم أن”أصول القضاء الإسلامي وأسس القانون الشرعي تامة بنفسها، محكمة التنظيم في نسجها، لا تحتاج إلى تكميل ولا تنظيم”؟

6.ما حدود الثابت والمتغير في التنظيمات الإسلامية التاريخية؟

7.ما حدود الذاتي/الإيديولوجي والموضوعي/العلمي في الموقف الدفاعي للفكر الإسلامي الحديث عن الذات المنهزمة حضاريا في مواجهة الآخر/الغرب المتغطرس حضاريا؟

8.كيف لنا أن نميز بين ما هو قيمي معياري متصل بالأحكام القطعية الموجهة لفاعلية الأمة في تدبيرها لشأنها العام، وبين ما هو أذاتي إجرائي مؤسسي يمثل خلاصة الكسب الإنساني في الترجمة التنظيمية لمنظومة القيم والمعايير والأفكار بهذا الصدد؟

9.كيف لنا أن نستمد ونستلهم معيارية الحق والعدل والحرية والمساواة والشورى كما يستبطنها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، في بناء نماذج تنظيمية تستوعب الكسب الإنساني المعاصر وتتجاوزه؟

لمقاربة هذه الاستشكالات وغيرها كثير ندعو فضيلتكم للإسهام معنا في ملتقى الإحياء انطلاقا من مدارسة كتاب الشيخ القاضي المرير، رحمه الله، رحمة واسعة. خاصة في ضوء ما تشهده بلدنا من إصلاحات واسعة في مجال العدالة بمختلف أبعادها؛ (القضاء، المؤسسات المعنية بتعزيز وحماية الحريات العامة وحقوق الإنسان، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، مؤسسة الوسيط..).

الهوامش


[1]. تقنين شمل نظام المعاملات المدنية غير التجارية، صاغته لجنة ترأسها أحمد جودت باشا سنة 1876، بعد أن استغرقت في إنجازه زهاء سبعة أعوام، واستقت أحكامه، بشكل أساسي، من كتب ظاهر الرواية في المذهب الحنفي..

[2]. مصنف فقهي من جزأين أعده الشيخ إبراهيم الحلبي.

[3]. وهي الفتاوى التي أعدها فقهاء الهند بتكليف من السلطان محمد أورنك زيب عالمكير، وذلك في القرن السابع عشر، وقد تضمنت ستة مجلدات في العبادات والمعاملات والعقوبات..

[4]. المستشار طارق البشري، “الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي”، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1996، ص12-15.

[5]. علال الفاسي، “دفاع عن الشريعة”، الرباط: مطبعة الرسالة، ط4، 1999، ص16-18.

[6]. عبد الرزاق السنهوري، نقلا عن المستشار طارق البشري، م، س، ص19.

[7]. المستشار طارق البشري، “الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي”، م، س، ص20.

[8]. علال الفاسي، “النقد الذاتي”، منشورات دار الكشاف للنشر والطباعة والتوثيق، بيروت، القاهرة، بغداد، 1966، ص175.

[9]. عبد الرزاق السنهوري، م، س، ص24.

[10]. الشيخ محمد بن محمد المرير التطواني، “الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية”، مؤسسة دار الحديث الحسنية، اعتنى به وقدم له: د. عبد الحميد عشاق ود. رشيد كرموت، الرباط: طوب بريس، ط1، 2011،  ص102.

[11]. المرجع نفسه، ص103.

[12]. علال الفاسي، “النقد الذاتي”، م، س، ص175.

[13]. المستشار طارق البشري، “الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي”، م، س، ص6.

[14]. علال الفاسي، “النقد الذاتي”، م، س، ص174.

[15]. المرجع نفسه، ص173.

[16]. الشيخ محمد بن محمد المرير التطواني، “الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية”، م، س، ص237.

[17]. المرجع نفسه، ص236.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق