مركز الدراسات القرآنية

المدخل البلاغي وأثره في القرآن الكريم: فهما وتدبرا واستمدادا

نظم مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء بتعاون مع شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية ندوة علمية في موضوع: “بلاغة النص القرآني” يومي الثلاثاء والأربعاء 25 ـ 26 جمادى الأولى 1433هـ الموافق لـ 17 ـ 18 أبريل 2012م، شارك فيها ثلة من الأساتذة والباحثين، بحضور فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، وأعضاء المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء.

اليوم الأول: الثلاثاء 25 جمادى الأولى 1433هـ/17 أبريل 2012م

استهلت الجلسة الافتتاحية للندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها كلمة الدكتور محمد أزهار نائب العميدة المكلف بالبحث العلمي بالنيابة عن السيدة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فكلمة فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء الدكتور أحمد عبادي، ثم كلمة الدكتور أحمد نصري رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، أعقبتها كلمة الدكتور محمد المنتار رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء.

وكان الهدف من هذا اللقاء العلمي؛ هو تعميق البحث في هذا المدخل العلمي واستثماره في الاستمداد من الوحي، وفي فهمه وحسن تدبره؛ بإتاحة الفرصة للتداول حول موضوع في غاية الأهمية والراهنية في آن؛ وهو بلاغة النص القرآني، مع استحضار الجهود المتميزة التي قام بها علماء الأمة الذين كان النص القرآني يشكل القلب النابض لما يقدمونه من جهود.

وانتظمت أشغال الندوة حول ثلاثة محاور:

ـ المحور الأول: بلاغة النص القرآني عند المفسرين: المجال والتوظيف.

ـ المحور الثاني: البلاغة القرآنية والتفسير: مداخل منهجية.

ـ المحور الثالث: أثر الدرس البلاغي في فهم القرآن الكريم وتدبره.

وتوزعت أعمال الندوة على ثلاث جلسات علمية في يومين، فضلا عن المحاضرة الافتتاحية التوجيهية، التي تميزت بها الندوة في الجلسة الافتتاحية، لفضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء تحت عنوان «عربية القرآن الكريم»، والتي حددت معالم السير في مقاربة موضوع بلاغة النص القرآني، وفتحت آفاقا بحثية منهجية ومعرفية في هذا المجال.

وكان فضيلته قد تناول الموضوع من مداخل ومقاربات متعددة؛ أولها: المدخل الذي ينطلق ويصدر من الإيمان المبرر الراسخ بأن هذا القرآن كلام الله، ومنطلق ثان: هو الانطلاق من النص ذاته، من أجل إثبات إعجازه وأنه نص موحى به من لدن العليم الحكيم العلي القدير، ومدخل واقعي: ينطلق من واقع الحال حيث تَنزّل هذا القرآن المجيد وطبيعة القوم الذين تنزل عليهم، ومدخل من الجانب الإحصائي الرياضي؛ بحيث تحصى الكلمات الواردة في هذا القرآن المجيد، والتي تتفرع من جذر لغوي معلوم، ثم تُتتبّع هذه الكلمات وهذه التجليات بمنهج علمي واضح من أجل تجلية أن هذه العربية وإن كانت عربية فإنها عربية متسامية، عربية القرآن المجيد؛ لأنها اكتسبت سموها من سمو وعلو وتَعالِ المتكلم لهذا القرآن المجيد الله جل جلاله.

ويمكن أن تكون هذه المقاربة ـ يضيف فضيلته ـ مقاربة فيها البحث عن المدلول الراهن في لحظة النزول، وكيف أن هذا المدلول توسع عبر العصور، لكنه لم يتنطع ولم يتأبَّى ولم يتمنع عن احتواء اللفظ القرآني له بطريقة من الطرق، أو مقاربة تحاول الوَشْجَ والوَصْلَ والنَّسْجَ بين مختلف هذه المقاربات.

وشدد على أن الإنسان وجب أن يكدح لكي ينال من الكتاب المسطور الفوائد، ولكي يستنطقه بما أتاه الله عز وجل من مواءمة مع هذا القرآن؛ حتى ينقدح الزند الذي يستشف من عربية القرآن المجيد قدرته على الهداية للتي هي أقوم، ثم ختم محاضرته التوجيهية بخطوات ومراحل منهج الدراسة المصطلحية، التي كتبت بمنهجها ووفقه جملة من الرسائل والأطاريح العلمية القيمة.

الجلسة الثانية: «بلاغة النص القرآني عند المفسرين: المجال والتوظيف».

وقد عرضت فيها ثلاث ورقات؛ قدم الدكتور أحمد نصري رئيس شعبة الدراسات الإسلامية وأستاذ التعليم العالي بالمحمدية، الورقة الأولى بعنوان: «الدرس البلاغي عند المفسرين ـ أبو حيان الأندلسي أنموذجا»، تحدث فيها عن الدور الريادي للعلماء الأندلسيين والمغاربة، خصوصا في علم البلاغة القرآنية، ممثلا لذلك بالعالم الأندلسي أبي حيان (تـ 745ﻫ)، معددا أسباب اختياره له في أربعة أسباب رئيسة، ليتناول بعد ذلك الذوق البلاغي عنده في مبحثين بلاغيين كبيرين؛ الأول بعنوان: الالتفات، والثاني بعنوان: الاقتصاد في اللفظ مع وفاء المعنى، رام من خلالهما بيان طريقة أبي حيان وأسلوبه في تفسير القرآن؛ طريقة توازي القدامى في التعاطي مع النكت البلاغية في آيات الذكر الحكيم إلا أنها تخالفهم في الاتجاه.

وجاءت ورقة الدكتور عبد العزيز كارتي أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، بعنوان: «التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية»، ذكر فيها أهمية الموضوع ودواعيه، وتحدث عن توجيه القراءات تعريفا وتقويما، وخصص قسما مستقلا للدراسة التطبيقية؛ إذ أبرز أهم ما توافر من وجوه البلاغة من خلال توجيه القراءات القرآنية المتواترة، بالإضافة لتعرضه لبلاغة الوقف في تنوع الدلالة، وأهمية تنوع القراءات في حل إشكال قد يعرض في فهم آية من القرآن الكريم، وعن أهمية القراءات في إثراء المعنى وتوسيع الدلالة، بإظهار توقيفية القراءات وأنه لا مجال للاجتهاد فيها، من خلال المقارنة بين الآيات المتشابهة النظم والتي تعددت القراءات في بعضها دون الآخر، والأسرار البيانية لذلك.

وقدم الدكتور رشيد العلمي أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، ورقة بعنوان: «اللغة ومقتضياتها الترجيحية لدى مدرسة التفسير بالأندلس»، أكد فيها على ضرورة توظيف علوم اللغة والبلاغة وغيرها في فهم كلام الله، ثم تحدث عن أهمية المرجحات العلمية للترجيح بين أقوال المفسرين من خلال ما أنتجته المدرسة الأندلسية في التفسير، مكتفيا بعرض بعض المرجحات اللغوية والبلاغية التي وظفها كل من القرطبي وابن العربي، وقد تشكلت ورقته من تسع لبنات، كل لبنة من هذه اللبنات عضدتها الشواهد والأمثلة من تفسيري القرطبي وابن العربي؛ اللبنة الأولى: الترجيح بمعاني مفردات اللغة، واللبنة الثانية: الترجيح بالعرف اللغوي، واللبنة الثالثة: الترجيح بمقتضى اللغة والمعنى، واللبنة الرابعة: الترجيح بالمعنى، واللبنة الخامسة: الترجيح بتقارب المعاني، واللبنة السادسة: الترجيح بالمجاز، واللبنة السابعة: الترجيح بالارتباط بالآية، واللبنة الثامنة: الترجيح بمراعاة سياق الآية، واللبنة التاسعة: الترجيح بالتأمل في الآية.

الجلسة الثالثة: «البلاغة القرآنية والتفسير: مداخل منهجية».

وعرضت فيها أوراق ثلاث؛ قدم أولاها الدكتور عبد الجليل هنوش أستاذ التعليم العالي وعميد سابق بكلية الآداب بمراكش، وكانت بعنوان: «البلاغة والتفسير: مقدمة منهجية»، رصد فيها ارتباط البلاغة بتفسير القرآن الكريم، واعتبر أن علم التفسير من أهم العلوم التي تتميز بالتداخل المعرفي وبالنظر الموسوعي، وأن المعرفة اللغوية معرفة استراتيجية في العملية التفسيرية، تفوق في أهميتها وقوتها غيرها من المعارف اللازمة للمفسر، وختم ورقته بجملة من الملاحظات المنهجية، خلص منها إلى أن استئناف النظر في بلاغة النص القرآني من شأنها أن تغني علمي البلاغة والتفسير معا، فأسرار التفسير وأسرار البلاغة مستمدان من معدن واحد، ومجتمعان على أصل واحد.

وأتت ورقة الدكتور محمد إقبال عروي أستاذ التعليم العالي بالمغرب ومستشار سابق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، بعنوان: «آليات منهجية في استثمار الدرس البلاغي لتحليل النص القرآني» سعى فيها إلى تقديم مجموعة من الآليات التي يراها الدارس أساسا معرفيا ومنهجيا للقول العلمي في كيفية استثمار الدرس البلاغي في خدمة النص القرآني، ومن ضمن الآليات التي ذكرها: الآلية الأولى: اعتماد أصول الفن البلاغي دون فروعه وتفريعاته، الآلية الثانية: اعتبار الذوق والتلقي أساس الاستثمار البلاغي، الآلية الثالثة: تكاملية الدرس البلاغي مع غيره من الآليات والمناهج، الآلية الرابعة: الاحتكام إلى «المناسبة المقامية» في الاصطلاح البلاغي، الآلية الخامسة: نقد ثالوث البلاغة ونبذه.. وختم بالإشارة إلى أن  هذه الآليات التي اختصت الدراسة بتحليلها إنما هي آليات ينتظر منها فتح حوار جاد حول واقع الدراسات البلاغية العربية وآفاقها، وذلك كله بغية أن تظل البلاغة وصلة وذريعة إلى الكشف عن جماليات الخطاب القرآني وتأثيره في وجدان المتلقين.

وقدم  الدكتور عبد الله الرشدي أستاذ التعليم العالي بدار الحديث الحسنية بالرباط، ورقة بعنوان: «مكون البيان في كتب التفسير بين مقتضى سؤال القراءة وواقع الدرس البلاغي»، برهن فيها على صحة دعوى، صاغها في نقطتين اثنتين؛ الأولى: أن مكون البيان أصيل في كتب علم التفسير، على اختلاف أطواره التاريخية، ومدارسه واتجاهاته، والثانية: تفاوت حضور مكون البيان في مصنفات التفسير بين القوة حينا، والضعف حينا آخر. واستدل على صحة هـذه الدعوى باعتماده على متن تفسيري يضم أثـرين عظيمين مـن مصنفات هذا العلم، هما: “جامع البيان عن تأويل آي القـرآن” لأبي جعفر محمد بن جـرير الطبري (تـ310هـ)، و”الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الملقب بجار الله (تـ538هـ).

وأعقبت هذه الجلسة مناقشات وتعقيبات، أسهم فيها الحوار الجاد والآراء العلمية الرصينة والتعقيبات العلمية الهادفة، أضفت على اليوم الأول من الندوة جوا من الحيوية والنشاط.

اليوم الثاني: 26 جمادى الأولى 1433هـ/18 أبريل 2012م.

الجلسة الرابعة: «أثر الدرس البلاغي في فهم القرآن الكريم وتدبره».

اندرجت في هذا المحور ست ورقات؛ تصدرتها ورقة الدكتور عبد الكريم الواطي أستاذ التعليم العالي بالمحمدية، بعنوان: «مآخذ البيان في فهم القرآن الكريم»، جاءت في تمهيد وخاتمة بعد مباحث ثلاثة، فبعد التذكير بغاية إنزال القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكونه مبينا ومبلغا لما في الذكر الحكيم والدعوة إلى التفكر في آيات الله تعالى، انتقل إلى التعريف بالبيان في اللغة والاصطلاح، ثم تناول إجلاء أنواع المآخذ، أي المسالك والطرق المتبعة لبيان القرآن، محددا لها في أربعة: مأخذ بيان الله تعالى = البيان بالقرآن، مأخذ بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وهي أجلى مهامه بعد التبليغ، مأخذ بيان الصحابة لكونهم عرب خلص، مأخذ اجتهاد المؤهلين من العلماء للخوض في هذا الحقل المعرفي، وختم بضرورة بحث المسلم القاصد لفهم بيان القرآن أن يستهل بالمأخذ الأول ثم يثني بمعاشرة السنة النبوية لكونها أنوار هادية لفهم الكتاب، وأن لا يغفل عن أقوال الصحابة الكرام، وأن يستعين بآراء المجتهدين.

وقدمت الدكتورة زهرة الكحلي أستاذة التعليم العالي بالمحمدية، ورقة بعنوان: «بلاغة الإيجاز في القرآن الكريم» بينت فيها معنى الإيجاز في اللغة، وكونه من خاصيات الأسلوب القرآني المتجلي أساسا في الأمثال والقصص، وتناولت بالدرس والتحليل موقفين اثنين من قصتي إبراهيم وأم موسى عليهما السلام في سورة القصص، توقفت فيهما على مواضع الإيجاز بنوعيه: الحذف، والقِصَر أو القَصْر، وفي بيان تقاطع الآيات موضوع القراءة في قصة إبراهيم عليه السلام مع العناصر الثلاثة المكونة لفن القصة: (المقدمة والعقدة و الخاتمة)، وفي بيان المقدر في مواطن الإيجاز في هذه الآيات، وختمت بإجلاء مواطن الحذف في قصة أم موسى التي جاءت في أمرين ونهيين وبشارتين؛ فكانت بذلك آية في تكريس الأوجه البلاغية في القرآن الكريم.

وجاءت ورقة  الدكتور عبد العزيز الخطيب أستاذ التعليم العالي بدار الحديث الحسنية بالرباط، بعنوان: «دلالات الألفاظ، وسر الكلمة: (دمدم) نموذجا»، قدم من خلالها تصوره لمقاربة الألفاظ القرآنية واستكشاف أسرارها وبلاغتها على المستويين الصوتي والدلالي، حيث نبه على كون اللفظ القرآني مجالا خصبا و ثريا للبحث والدراسة، إن على المستوى الصوتي أو التركيبي اللغوي، أو الصرفي أو الدلالي، فأجلى المنهج الذي يوصى به ويحبذ اتباعه؛ إذ يعمد الباحث إلى اللفظ القرآني فيرحل به إلى عالم اللغويين لينظر ما أضفوا عليه من المعاني قبل أن يعيده إلى موطنه في النص القرآني لعله يجد فيه امتدادا تطبيقيا لمختلف دلالات اللفظ اللغوية، وتطرق وفق المنهج المذكور إلى دراسة لفظ (دمدم) على وزنها الرباعي (فَعْلَلَ) المختلف فيه بين مدرسة البصرة والكوفة، ثم أعاد اللفظ إلى القرآن، فشرع يمثل لهذه المعاني من آيات الكتاب الحكيم، مبرزا أن جل دلالات اللفظ اللغوية توجد لها صور في القرآن الكريم.

وجاءت ورقة الدكتورة فاطمة الزهراء الناصري أستاذة باحثة بمركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء، بعنوان: «الترادف في القرآن بين منظور منهجية القرآن المعرفية ودعوى القراءات المعاصرة» فككت فيها كلمات العنوان، لتسطر على كون الترادف في اللغة ليس تطابقا بل تتابعا، وعلى كونه في الاصطلاح تطابق الدلالة واختلاف في اللفظ، مدافعة عن استحالة الترادف في القرآن لكون مصدره واحدا أي من عند الله تعالى، وأشارت إلى جملة منكريه، ثم عرجت على عدد من القواعد التفسيرية التي تصلح أن تكون سندا لرفض الترادف في القرآن الكريم، فخلصت إلى أن القول بالترادف يؤسس لضرب إعجاز اللفظ من بناء نظرية النظم، ثم دحضت دعاوى القراءات المعاصرة للقرآن الكريم، ممثلة لذلك بنموذج الحاج حمد أحد أقطاب هذه المدرسة التي لا تقول بالترادف في القرآن الكريم، وردَّت زعمه كون اللفظة لا يتغير معناها بتغير السياق، بتقريرها أن النص محكوم بنظم اللغة التي ينتمي إليها، والسياق معتبر وأحمد وفي لغة القرآن أقر وأوكد.

وجاءت ورقة الدكتور محمد لهلال أستاذ التعليم العالي بالمحمدية، بعنوان: «الوظائف التداولية الداخلية في سورة الأنعام»  ليستأنف الكلام من حيث انتهت الدكتورة الناصري، ولِيُلِحَّ بدوره على ضرورة العناية بالسياق وشروط التواصل، وعلى أن اللسانيات بنظرياتها المتعددة بإمكان بعضها تقديم خدمات مهمة لدراسة بلاغة الخطاب القرآني الذي اقترحه عنوانا للندوة بدل “النص القرآني” لاعتقاده أن النص جامد بينما الخطاب متحرك، فالتفاعل اللغوي تؤطره أنساق التواصل، ولمستقبِل الخطاب تأويلات تؤشر على أن ثمة تفاعل بين اللغة والأدوار التي تقوم بها في المجتمع، ثم تطرق إلى الدراسة الوظيفية للغة فبيَّن أن منها وظائف تركيبية (فاعل/مفعول)، ووظائف دلالية (علاقة الحامل بالمحمول)، أي: استعمالات الحمولة الدلالية لألفاظ اللغة، التي قدم لها ترتيبا خاصا؛ حيث جعل البعد الصوتي في آخر مستوى بعد البعدين التركيبي والدلالي، ولفت النظر أخيرا إلى كون مشروع اللسانيات الوظيفية في حاجة كبيرة إلى فرش نظري يؤطره ويستهدي به.

وقدم الدكتور عبد الله بنرقية أستاذ باحث في الدراسات الإسلامية ورقة بعنوان: «فعالية البلاغة في التفسير» استعرض فيها خصوصيات النظم القرآني، إذ لم يرتب على موضوعات، ولا وفق زمن النزول، ولا على تتابع القصص، وثنى بالتنصيص على خطط المفسرين وألوان التفسير؛ تفسير حسب ترتيب المصحف وهو كثير، تفسير مع الاهتمام بالبعد الدعوي،  تفسير موضوعي يجمع آيات الموضوع الواحد، تفسير تجزيئي حيث تشطر السورة الواحدة إلى مقاطع، ثم عرج على نموذج الدراسات البلاغية من خلال الآية: 44 من سورة هود؛ آية من 19 كلمة استأثرت بعدد كبير من الأسئلة البلاغية، حاول بعدها الإجابة عن كيفية تصور العلماء لفكرة انسجام النص القرآني رغم اشتمال السورة الواحدة على قضايا ومباحث متشعبة، حيث أورد أن من العلماء من اهتم بدراسة وحدة السورة كالشاطبي وعبد الله دراز وغيرهم، وأكد على أن إدراك مقصد السورة يلزمه العناية بعلم التناسب في القرآن، وهو أرجى علم يذلل الصعاب، ويدل على الطريق الأقوم لبلوغ المراد.

وأعقبت هذه الجلسة مناقشات وتعقيبات، أسهم فيها علماء وأساتذة مختصون ومتابعون مهتمون، بالحوار الجاد والآراء العلمية الرصينة والتعقيبات العلمية الهادفة.

وختمت أشغال الندوة بجلسة ختامية، كانت فيها كلمة للسيدة رشيدة نافع عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، وكلمة للسادة الأساتذة المشاركين قدمها بالنيابة عنهم الدكتور عبد الجليل هنوش، وكلمة للدكتور أحمد نصري رئيس شعبة الدراسات الإسلامية، وكلمة للدكتور محمد المنتار رئيس مركز الدراسات القرآنية، تلا فيها جملة من التوصيات العلمية التي أسفرت عنها الندوة، من أبرزها:

1. تحويل التواصل العلمي حول بلاغة النص القرآني إلى ورش عمل مع الطلبة والباحثين لاستخلاص العوائق والمشكلات المتصلة باستثمار الدرس البلاغي في تحليل النص.

2. ضرورة العناية البالغة والمستدامة باللغة العربية وعلومها من حيث كونها وعاءً للقرآن الكريم وعلومه، ولارتباطها الوثيق بكتاب الله من حيث الفهم والاستمداد.

3. إعادة صياغة مقررات علوم البلاغة وخصوصا بلاغة النص القرآني واستثمارها في الدرس الجامعي.

4. الاهتمام بالدرس البلاغي في ارتباطه بالدراسات التفسيرية والدراسات القرآنية.

5. توجيه الرسائل الجامعية (ماستر ـ دكتوراه) للبحث في مجالات بلاغة النص القرآني في جوانبها المنهجية والمعرفية.

6. الانفتاح العلمي على الدراسات اللسانية الحديثة في علاقتها مع الدراسات البلاغية.

7. إعادة اكتشاف التراث اللغوي العربي القديم ودراسته وتداوله علميا ووظيفيا.

8. فتح وحدة ماستر بنفس رؤية الندوة تحت عنوان “بلاغة النص القرآني”.

9. تحويل الندوة إلى لقاء سنوي يعمق النقاش في مجال بلاغة النص القرآني؛ يرصد جهود الأمة في هذا المجال، ويظهر إسهامات أعلامها.

10. طبع بحوث الندوة ووضعها بين أيدي الباحثين في الجامعات ومراكز البحث المتخصصة وبناء الأبحاث والدراسات عليها في شكل مشاريع علمية

رفعت بعدها أكف الدعاء لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، ثم تلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق