الرابطة المحمدية للعلماء

الرابطة المحمدية للعلماء تستضيف المفكر والفيلسوف Enrique Dussel

استضافت الرابطة المحمدية للعلماء مساء الإثنين 20 أبريل 2015 بمقرها المركزي بالرباط(أمام مسجد الشهداء)، المفكر والفيلسوف الأرجنتيني الأصل والمكسيكي الجنسية، البروفيسور إنريك دوسل Enrique Dussel ليحاضر في موضوع “فلسفة التحرر”.

المحاضرة عرفت حضور عدد كبير من الأساتذة والباحثين والمتتبعين، والسادة العلماء أعضاء المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء، وحضور كذلك رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي السيد نزار بركة، وعمدة مدينة الرباط السيد فتح الله ولعلو، ومدير المدرسة المولوية، السيد عبد الجليل الحجمري.

افتتح البروفيسور إنريك دوسل محاضرته، التي أدارها فضيلة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، الأستاذ الدكتور أحمد عبادي، بالحديث عن السفر كعامل أساسي للتعرف على الذات، حيث ارتحل كثيرا منذ صغر سنه واكتشف أماكن عديدة، وبعد حصوله على الإجازة في الفلسفة، بدأ رحلة البحث عن الذات والمعرفة والعدالة وتصويب الفكر، واستأنف بحثه بطرحه للسؤال “ماذا يعني أن تكون أمريكيا لاتينياً؟”، ما قاده ليس فقط إلى الحفر في تاريخ أمريكا اللاتينية، بل إلى الكشف عن الجذور المعرفية لمنجزات الفكر المعاصر وتعرية الحضور المصاحب لها منذ عقود.

وأوضح أن نظرية المعرفة الأوروممركزة تُنحي المعرفة الإنسانية إلى مستوى فولكلوري، وتجعل من الحداثة أسطورة التقدم التي جعلت من الفكر الغربي إله يعبد أو صنم من الأصنام التي يصعب هدمها حتى على المستوى النفسي، وفي نفس السياق لاحظ المفكر الأرجنتيني أنه من الواجب إعادة النظر في النظرة الشمولية للمعرفة، معتبرا أنه منذ حدوث ما سُمّي “باكتشاف” أمريكا اللاتينية، والتاريخ أخذ مساراً وحيدا لكنه ليس بالضرورة المسار الوحيد والناجع، مؤكدا أن الامتياز والتفوق الذي تحظى به المعرفة الغربية جاء نتيجة إبادات جماعية خلال القرن السادس عشر ضد اليهود والمسلمين الأصليين في غزو الأندلس، ضد الهنود الحمر السكان الأصليين في غزو الأمريكيتين، ضد الأفارقة المختطفين من إفريقيا والمستعبدين بعد ذلك في الأمريكيتين.

وبين الفيلسوف الأرجنتيني أن المعرفة الإنسانية لا مركز لها، لأن العالم بالنسبة للفيلسوف يتأسس على بُنى ونُظم عقلانية تحوي في عمقها الكثير من أوجه التشابه، مما يضعنا أمام سؤال محوري حول التاريخ المشترك للمعرفة الإنسانية والذي لا يبدأ فقط من الفكر المتمركز لأوروبا التي قسمت العالم إلى أصناف محددة، وحاولت من خلالها صياغة معنى للعالم بموجوداته، بل يستمر في ديمومة تتنفس “التعددية” واصطلح عليه بـ”diversalité” كمشروع عالمي لإنهاء استعمار الحداثة والفكر الأوروبي المتمركز على ذاته، مشيرا إلى أن الفلسفة ليست مجرد شطحات لغوية، ولا تقتصر فقط على محبة الحكمة، بل هي مراس للتعرف على الذات في نسق يرتبط بالسياق المؤسس لها بالدرجة الأولى.

وأبرز فيلسوف الأخلاق والسياسة الذي يعنى كذلك بالفكر المناهض للاستعمار في أمريكا اللاتينية، أن المنطق الاستعماري الذي قامت عليه الدول الأوروبية هو أبعد من الاستعمار نفسه فهو مجموعة قيم مشكلة لأيديولوجية ولدت مع العالم الاستعماري الحديث منذ القرن 16، مشيرا إلى أن المنطق الاستعماري تجاوز مفهوم الاستغلال الاقتصادي المحض لخدمة هذا الأخير، لذلك فهذا المنطق، يضيف المحاضر، يؤسس للمركزة الأوروبية لتصبح القوة المحركة للتفرقة الدينية والعرقية وأيضا المعرفية.  

وبسبب هذه العقلية الإمبريالية الاستعمارية يقول السيد دوسل، غض معظم الباحثين الغربيين الطرف عن الإنجازات الكبرى في تاريخ الحضارة التي اضطلع بها الشرق وبصفة خاصة الصين، فيحسبون التأريخ بدأ بالإغريق وانتهى بأوروبا الحديثة، في حين أن الصينيين هم أول من اكتشف الورق قبل أزيد من ألفي سنة، وقد صار هذا الاكتشاف سببا للتوسع الكبير في استخدام الكتاب، وسهولة حفظه، وشهدت حركة النسخ والتدوين تطورا كبيرا في الصين وفي المناطق المتاخمة لها، التي تخضع لتأثيرها الثقافي بشكل مباشر، ومن تمة ينتهي الفيلسوف إنريك دوسل، إلى أن التطور والتفوق الحضاري انطلق من الصين وليس من إنجلترا كما هو مشاع ومنتشر على نطلق واسع.

ومن تمة، يؤكد المحاضر، أن اليونان ليست النموذج الأصلي للثقافة اللاتينية الأمريكية، وأن النسق الفكري يرتبط بالأساس بنظام القوة، وأن الفلسفة تاريخيا ليست بالأساس يونانية وليست النموذج الأصلي والنهائي للمعرفة بمضامينها، وأن كل تعيين للحدود بين الأسطورة والخطاب الفلسفي القطعي لا يسعى سوى لتعريف الفلسفة على أنها يونانية.

وبذلك يكون السيد دوسل، قد وضع تحت مطرقة النقد والهدم كل أِشكال الهواجس التي حركت وصاحبت الخطابات المعرفية منذ قرون باتجاه مرجعية عقلانية وحيدة وممركزة، وقد استثمر في طرحه جواهر الإشكالية الكونية، معتمداً على مجموعة من الأسئلة الأنطولوجية التي صاحبت الجنس البشري”homo sapiens” خلال تطوره النوعي الذي يعود الفضل فيه بالأساس إلى التطور الدماغي الذي صاحبه تطور لقدرات الوعي والوعي الذاتي، والإمكانات اللغوية، والأخلاقية والاجتماعية، فلقد واجه الكائن البشري الواقع في شموليته من أجل السيطرة عليه وإنتاج وتطوير الحياة البشرية في ظل المجتمع، وبالتالي، يضيف إنريك دوسل، لا مندوحة من تأكيد على أن النزعة الأوربية ما هي إلا نزعة عرقية تدعي بأن التعميم الكوني خاص بها وبالتالي فهي تخلط بين الكونية المجردة والهيمنة العالمية الملموسة المستمدة من موضع أوروبا بوصفها المركز.

ويرى مؤسس فلسفة التحرر، أن النسق العقلاني للنظريات الأوربية والأمريكية يقدم مجموعة من البديهيات لصياغة المعرفة التي انبنت عليها مجموعة من المجتمعات والمشاريع الفكرية اليوم واعتبرتها الوحيدة، مما منحها نوع من الشرعية من جهة، وهمش أنحاء العالم بعد أن عمم فلسفاتها وتقاليدها، لذلك بات من الضروري إعادة إنتاج المعرفة في سياقات إقليمية، كما انطلق المفكر الأرجنتيني دوسيل من القوانين المصرية القديمة للفراعنة، لتفسير العلاقة بين المعرفة والقوة وكيف بنيت هذه الأخيرة على امتداد العالم، فالنواميس الفرعونية برأيه، أسست نسقاً عقلانياً لتبرير العبودية، واستعملت في ذلك براديغم معرفي عقلاني ينبني على رؤى دينية، أو ما اصطلح عليه بـ”البراديغم المعرفي لموسى” الذي أسّس لنسق وصاغ معنى لقوانين محددة، وطرح السؤال أنه ليس المهم طرح السؤال هل يدخل هذا في إطار تاريخي أم لا، بقدر ما يتطلب الأمر تحليل النظام الشمولي الذي كان سائداً في مصر القديمة التي قبِلت بعبودية العبد.


كما حلّل المفكر الأرجنتيني هذه الأخيرة في سياق النظام الفرعوني، الذي كان يعتبر نفسه نظاماً كاملاً لأنه من وحي فرعون، والذي اعتبره العباد إلهاً، وبيّن هنا أن العبودية ليست فطرية بل مختلقة من قبل آلهة خلقها الإنسان بنفسه ولنفسه.

وبخصوص الحضارة العربية الإسلامية، ذكر الفيلسوف إنريك دوسل أن سيطرة العرب خلال القرون الوسطى على الطريق البحرية التجارية المارة من حوض البحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، جعل الدول الأوروبية وخاصة الإسبان والبرتغال يضطرون للبحث عن منافذ أخرى من أجل الوصول إلى الأسواق التجارية في كل من الهند والصين، وهو ما تأتى لهما عبر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح واكتشاف الأمريكيتين، مبينا أن هذا الاكتشاف شكل نقطة تحول كبيرة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية جعل مركز القوة ينتقل بشكل مباشر من يد العرب إلى الغرب.

يشار إلى أن الفيلسوف والمفكر إنريك دوسل ولد في الأرجنتين، وانتقل إلى منفاه في المكسيك سنة 1975 قبل أن يصبح مواطنا مكسيكيا، كما يشار إلى أن البروفيسور دوسل، شخصية بارزة على المستوى العالمي، يشتغل في مواضيع الأخلاق والفلسفة السياسية والفلسفة اللاتينية الأمريكية، وهو أحد مؤسسي فلسفة التحرر Philosophie de Liberation، كانت له لقاءات مع العديد من المفكرين الفلاسفة المرموقين في القرن العشرين، الذين أسهموا في إرساء مبادئ “الفلسفة الملتزمة” كما دفعه تفكيره النقدي للحداثة إلى إرساء مفهوم جديد يحمل إسم “الحداثة العابرة للثقافات”، له ما يزيد عن 50 كتابا و500 مقال مترجم إلى أكثر من 6 لغات في الفلسفة والسياسة والتاريخ والدين.

بين سنتي 1969 و1973، بدأ مرحلة تفكير مثمرة توجت بنشر إصدارات مهمة، وقد كانت حياته معرضة للخطر ومنعت كتبه وصودرت سنة 1975 وتم نفيه إلى المكسيك، خلال العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، انخرط دوسل في مجموعة الحداثة/الاستعمار- Modernity/Coloniality، وتعد أهم مجموعة تعنى بالفكر المناهض للاستعمار في أمريكا اللاتينية.

والفيلسوف والمفكر Enrique Dussel حاصل على دكتوراه في الفلسفة من مدريد سنة 1959، إجازة في علوم الدين (المعهد الكاثوليكي، بارس 1965)، دكتوراه في التاريخ من جامعة السربون سنة 1967، ودكتوراه شرفية من كل من جامعة فرايبورغ بسويسرا سنة 1981، وجامعة سان أندريه، لاباز بوليفيا سنة 1995.

أحمد زياد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق