مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

الدكتور محمد مفتاح يحاضر في مركز ابن أبي الربيع السبتي بموضوع: «نظرات في مناهج التحقيق»

في إطار سلسلة المحاضرات العلمية التي ينظمها مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية، نظم المركز محاضرة بعنوان: «نظرات في مناهج التحقيق» ألقاها الدكتور محمد مفتاح وذلك يوم الثلاثاء 13 جمادى الآخرة 1440 هـ الموافق لـ  19 فبراير 2019م.

 افتتحت المحاضرة بكلمة لرئيس المركز فضيلة الدكتور محمد الحافظ الروسي الذي شكر المحاضر ورحب بالحضور، وأشار إلى أن المركز يهدف من خلال هذه المحاضرات إلى التطرق لمواضيع دقيقة يحاضر فيها علماء متخصصون.

استهل الدكتور محاضرته بالحديث عن المقومات الأساس التي يجب أن تكون للباحث قبل أن يقدم على التحقيق، وأشار في هذا السياق إلى أن التراث الإسلامي أكبر تراث موزع في العالم وهو تراث غني جدا، ولم يحقق منه سوى جزء يسير. وتساءل الدكتور في هذا الشأن عن عدم إقدام العرب على تحقيق هذا التراث وأجاب أن سبب ذلك يرجع إلى أن التراث فيه الغث والسمين، لذلك وجب أن لا نقدم على نشر كل التراث وإنما الأهم فالأهم.

وقد قسم  الدكتور  حديثه عن مناهج التحقيق إلى ثلاثة أقسام أولها التحقيق عند القدماء، وثانيها التحقيق عند المستشرقين، وثالثها التحقيق عند المعاصرين.

فبالنسبة للمحور الأول من المحاضرة خصصه للحديث عن القسم الأول وهو في منهج التحقيق عند القدماء، إذ نجد عناية القدماء بالتحقيق مرتبط بكلام الله والحديث النبوي الشريف، ومن منهجهم في التحقيق استعمال النسخ الدقيقة وكذلك منع التلفيق بين الروايات والحرص على معارضة المخطوطات، فالآمدي مثلا كان يرجع إلى النسخ القديمة ويحقق الأبيات الشعرية، كما كان أبو عبيد البكري حريصا على انتقاء المخطوطات واستطاع من خلالها أن يستدرك على القالي الكثير من الأمور. وأشار في هذا المحور إلى نقطة مهمة وهي أن اليونيني هو أول من فتق باب التحقيق عند القدماء، حيث وضع رموزا للنسخ المخطوطة التي كان يستخدمها.

وقد تطرق في المحور الثاني من المحاضرة إلى منهج المستشرقين في التحقيق، وبين في البداية أن المستشرقين ارتبط علمهم بالعلم اليوناني واللاتيني، ووضح أيضا أن التراث الاسلامي ليس وحده التراث الذي حقق بل حقق أيضا التراث اليوناني، ومن منهجهم في التحقيق أنهم لا يضعون الهوامش في أسفل الصفحة وإنما يضعونها في خاتمة الكتاب، ومن منهجهم أيضا الاعتماد على المقابلة الكثيرة بين النسخ، وكذلك وضع هامش للمقابلة وهامش للتعليقات.

وقد قسم الدكتور محمد مفتاح المستشرقين إلى ثلاثة أقسام والأول منها من كان لا يتقن اللغة العربية، والثاني من كان له علم  وإدراك كبير ولكنهم كانوا يتعصبون ضد الدين الاسلامي، والثالث علماء منصفون.

ثم انتقل المحاضر إلى المحور الثالث بعنوان منهج المعاصرين في تحقيق النص، وأشار في البداية إلى أن أول من ألف في الجانب النظري للتحقيق هو العلامة عبد السلام هارون من خلال كتابه الموسوم بـ «تحقيق النصوص ونشرها» وهو أول كتاب عربي في هذا الفن.

ثم تساءل المحاضر عن الأسس التي اتبعها المعاصرون في تحقيق النصوص وأولها اختيار النسخ وهو أمر يتم عبر مراحل منها جمع النسخ المخطوطة والتمييز بينها، ثم التفاضل بين النسخ، ثم فحص النسخ وهو أمر ضروري بالنسبة للمحقق وكذا التمييز بينها لأن الكثير من النسخ تتداخل أوراقها، ومن أسس هذا المنهج تحقيق العنوان واسم المؤلف ونسبته.

وتساءل أيضا عن الخطوات التي نسلكها في تحقيق النص وضبطه، وأولى هذه الخطوات قراءة المخطوط قراءة متأنية فاحصة، وهذا الضبط لن يتم إلا إذا كان للمحقق معارف قبلية بعلم اللغة والنحو والعروض… وبين أيضا أن ضبط النص يتم عبر مستويات فهناك مدرسة ترى أنه يجب أن نضبط ما يُشْكِل، وأخرى ترى أنه يجب أن نضبط كل شيء، ومدرسة ترى أنه يجب أن نضبط النصوص القرآنية والحديثية والأعلام وهو أمر ضروري ومهم، وقد ألف العلماء كثيرا من الكتب في ذلك تسمى كتب «المؤتلف والمختلف»، لأن الأعلام يقع فيها الخلط وينبغي أن يعتنى بها كثيرا.

وفي حديثه عن الهوامش ذكر أن هناك مدرسة ترى أنه ينبغي أن نطيل في الهوامش وأخرى ترى أنه ينبغي أن تبقى مقتضبة وأن لا نطيل فيها، وبين أن الهوامش تشكل إضاءة للنص من أجل فهمه. وأضاف المحاضر أن القضية الأساس في النص هو الترجيح وهو يتم عبر نظرة علمية لأن الترجيح هو الأساس في ضبط النص وفهمه.

وآخر الخطوات التي ينبغي أن تُسْلَكَ في تحقيق النص وضبطه هي وضع فهارس للكتاب المحقق مثل فهرس المصطلحات وفهرس اللغة.

وقد ختم المحاضر محاضرته بفكرة أساس وهي أن كل كتاب ينبغي أن نسلك فيه منهجا معينا خاصا به سواء في الاختيار أو الضبط أو التعليق، إذ كل كتاب له منهجه واستراتيجية خاصة به.  

وقد تلت هذه المحاضرةَ مداخلاتُ بعض الأساتذة الحاضرين كانت أولها مداخلة الدكتورة سعاد الناصر التي أثارت عدة تساؤلات تهم الموضوع، متسائلة في هذا الصدد عن الفرق بين المناهج والضوابط، ذلك أن المناهج تكون مختلفة ولكل محقق منهج معين يتخذه لنفسه على عكس الضوابط، وأضافت أنه لا بد من التركيز على الشروط التي يجب أن يتصف بها المحقق، ثم ماهي المخطوطات التي يجب أن نحققها جيدا إذا ما ربطناها بواقعنا وماذا ستضيف لهذا الواقع.

وفي مداخلة الدكتورة جميلة رزقي ذكرت أن هذه المحاضرة قيمة تصب في اهتمامات الدارسين والباحثين ولاسيما الطلبة الذين يشتغلون على المخطوطات، وأشارت إلى أن أول من اهتم بالتحقيق هم المستشرقون، وانصب سؤالها عن كون المستشرقين حازوا قصب السبق في هذا المجال وهل يرجع ذلك إلى افتقار الخزانات العربية ولاسيما المغربية إلى مخطوطات، أم أن هناك أسبابا أخرى كمثل أسباب ذات اليد عند العرب، وهل المستشرقين كانت لهم إمكانات مادية جعلتهم هم الذين يحتلون الصف الأول في التحقيق، ثم ذكرت أن المحاضر تحدث عن مسألة الضبط وهي ضبط الآيات والأحاديث والأعلام وذكر أسماء كثيرة لمصادر منها المؤتلف والمختلف، وأشارت في هذا السياق إلى أن الدكتور محمد بن شريفة انتبه إلى هذه المسألة وضبط الكثير من الأسماء مثل ابن بياع قال لا ابن بياع بل ابن زنباع، كما ذكرت أنه لا بد من ضبط الشعر واستخراج البحر لأن ذلك مهم في التحقيق وهو جانب أغفله المحاضر في المحاضرة.

ثم أُعطِيَ الكلمةَ الأستاذُ الدكتور عبد العزيز السعود الذي نوه بهذه المحاضرة القيمة، وتطرق إلى مسألة ضبط الأعلام فذكر أنها لا تتعلق بالمحققين فقط، وإنما تتعلق بالأشخاص الذين يبحثون في التراث الأجنبي، وقد صادف صعوبة أثناء قراءته لبعض الكتب القشتالية القديمة وخاصة أن نسخ المخطوط قد تم مرارا والناسخ ينقل الاسم محرفا، وبمشقة الأنفس يمكن أن يصل إلى تصحيحه بشكل جيد، وأضاف أن العرب القدامى الذين اهتموا بالتراث الإغريقي اليوناني نقلوا هذا التراث وترجموه وعلقوا عليه، ومثَّل لذلك بالفيلسوف الفارابي الذي نقل تراث أفلاطون وترجم المدينة الفاضلة وكتب عنها، وفي هذا المنحى أثار تساؤلا هل يمكن اعتبار دراسات هؤلاء الفلاسفة بمثابة تحقيق، وهل يمكن اعتبار الحواشي من باب تحقيق التراث.

وفي مداخلة الدكتور عبد اللطيف شهبون نوه بهذه المبادرة العلمية للمركز، وذكر أن مثل هذه المحاضرات تلفت النظر إلى ضرورة الاهتمام بالعلوم الإسلامية في شروط علمية دقيقة، وفي هذا المنحى أضاف أن أهم شرط في التحقيق هو إتقان العلم الذي يُحَقَّق فيه، وهذا الاتقان مرتبط بمجموعة من العمليات  وهي جمع النسخ واختيار ما هو أصلح، وتوحيد عملية الانتساخ وجعلها عملية مؤكِّدة في الكتابة المعاصرة. كما أشار إلى ضرورة التسلح بالعلم النافع، وهذا العلم لا يمكن أن يتأسس إلا على خبرة عميقة وشاملة في التحقيق، وأكد على ضرورة التركيز على المتن في حد ذاته، وفي عملية ضبط النص ذكر الدكتور عبد اللطيف شهبون أنه يجب التركيز على ما يشكل نوعا من الالتباس لغة وقراءة، كما أشار إلى الخصاص الكائن في الجامعة المغربية التي راكمت الكثير من أعمال التحقيق، وختم مداخلته بدعوته إلى أن تكون مادة التحقيق هي مادة في جميع مسالك الماستر كي تكون هناك رؤية علمية موحدة في تحقيق النصوص، كما دعا إلى التنسيق مع الجامعة من أجل إعداد مشروع، وهو دليل كتاب وظيفي في التحقيق.

وفي مداخلة الدكتور عدنان أجانة الذي تساءل حول ما إذا كانت للنسخة إبرازة واحدة ولها عدة نسخ وهذه النسخ تختلف فيما بينها، هل يمكن عزو هذه النسخ إلى احتمال التصحيف.

وعقب ذلك كانت مداخلة للدكتور البراء الوراكلي الذي ذكر أن هذه المحاضرة ستكون مفتاحا لولوجه مجال التحقيق، وأثار تساؤلا هل يمكن للمحقق أن يكون ملما بالخطوط العربية.

وختمت هذه المداخلات بمداخلة الباحث سليمان المساتي الذي ذكر أن على المحققين أن يحققوا ما يفيد وما هو مفيد بخصوص المخطوطات التي أنجزت عن العرب القدامى، وما هو الضابط في هذا الوقت الذي تضبط به هذه المخطوطات هل هي مفيدة أم لا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق