مركز الدراسات القرآنية

التقرير التفصيلي لندوة “دور القرآن الكريم في بناء الإنسان والعمران”

  في إطار أنشطته العلمية والفكرية، نظم مركز الدراسات القرآنية، التابع للرابطة المحمدية للعلماء؛ بتعاون مع مختبر الدراسات الشرعية والبناء الحضاري بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل القنيطرة، ومجلة حراء التركية ندوة دولية حول موضوع: “دور القرآن الكريم في بناء الإنسان والعمران” يوم الخميس 23 ماي 2013م، برحاب قصر البلدية بمدينة القنيطرة، بمشاركة أساتذة وباحثين، من المغرب، ومصر، والجزائر، وتركيا.

  وقد عرفت الندوة مشاركة نخبة من الأساتذة والمفكرين من دول مصر، والجزائر، وتركيا، بالإضافة إلى البلد المضيف المغرب، وكذا ثلة من الأساتذة والباحثين، من مختلف الجامعات المغربية.

   وقد استفتحت هذه الندوة بحمد الله وتوفيقه بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم تلاها على مسامعنا المقرئ المختار جدوان، تلتها كلمات افتتاحية للسادة: السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة د. عبد الحنين بلحاج، وكلمة فضيلة السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أ.د أحمد عبادي، وكلمة السيد نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء، وكلمة السيد مصطفى أوزجان، مستشار مجلة حراء، وكلمة د. محمد بلحسن عن معهد الدراسات الشرعية والبناء الحضاري وكلمة د. محمد المنتار السيد رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء.

   عبّر د.عبد الحنين بلحاج عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، عن سعادته البالغة لافتتاح ندوة: “دور القرآن الكريم في بناء الإنسان والعمران” وأشاد بها، “لما تكتسيه في إطار الديناميكية التي يعرفها البحث العلمي بالكلية من خلال الندوات المبرمجة في أفق بلورة محاضن التميز في البحث العلمي الذي سيسهم في ضمان وجودة المنتوج العلمي بما يخدم المعرفة والتنمية”.

   ونوه باللجنة المنظمة على اختيار موضوع الندوة المتميز: “دور القرآن الكريم في بناء الإنسان والعمران”، ونبه في هذا الإطار “إلى الحاجة إلى منهج علمي يدقق البناء السليم للإنسان ويتيح له الوسائل الحضارية”.

  وأوضح أن الربط بين العقيدة الإسلامية وبناء الإنسان والعمران يعد المنهج الأكيد لتنزيل القيم على الواقع الاجتماعي وتؤهل الأمة الإسلامية إلى الانخراط في الإجابة، على التحديات الحضارية والمعاصرة وعلى رأسها قضية العولمة،

  وأشار السيد بلحاج إلى أن المدرسة المغربية تؤمن بأن قراءة الدين تتطلب الرؤية الحضارية التي تحمي الأمة الإسلامية من ظواهر العنف والتكفير والإقصاء، وتقوي آليات اشتغال الفكر الإسلامي ليكون فكرا عقلانيا مقاصديا يمتلك المنهجية الشمولية.

  وأكد السيد د. عبد الحنين بلحاج على ضرورة انخراط المؤسسات الدينية  الرسمية والمراكز الإعلامية الجادة في التفكير في منهجية بناء المشروع  الحضاري للأمة الإسلامية عبر تكثيف اللقاءات العلمية الخاصة بقضية  القرآن والعمران داخل الفضاء الجامعي.

 وعاد ليؤكد على أهمية هذه الندوة وإسهامها في توطيد أواصر التعاون عبر تكريس انفتاح الجامعة على المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي  والمحلي والوطني والدولي في إطار التوجهات الجديدة الرامية إلى جعل الجامعة قاطرة للتنمية على كافة المستويات.

 واعتبر السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء الدكتور أحمد عبادي حفظه الله، في كلمته بأن تناول هذا الموضوع بالاضطراح بين يدي القرآن المجيد باستنطاقه عن كيفية بلورة الهندسة التي بمقتضاها يُبنى الإنسان والعمران، لا ينفك عن جملة رحمات، غير أنه له مقتضيات:

  في مقدمتها: الوعي الشديد بأن الإبحار في يم العالم المعاصر، المتلاطم الأمواج عاليها يحتاج إلى مهارات رُبانية ورَبّانية، لأن السفن بسبب هذا الإيقاع السريع المذهل، وبسبب هذا الانسياب الاقتراحي الذي بات اليوم صنعة علوم كـ marketing والتسويق وغيرها…

  ويضيف قائلا: “ولا عاصم ـ للإنسان ـ من هذا إلا الآيات والعلامات المرتفعة في عنان ـ لا يطالها غيب ـ سماء القرآن المجيد”، وهذه العلامات والبصائر أنزلت مبينة ومفصلة ومصرّفة ..

  واعتبر من أولى المقتضيات: الانتباه إلى أن المِهيع الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: “تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك”، فلا عاصم للإنسان إلا أن يعود إلى نقطة ارتكازه، وأن يستعيد نقطة ارتكازه.

  وأضاف فضيلته إلى أن من أولى المقتضيات التي ينبغي على الإنسان المسلم إعمالها في الوقت الراهن هو “القيام بعملية الانتباه عن طريق العودة إلى نقطة الارتكاز التي تُخوّل له عملية الإبصار، مستشهدا بقوله تعالى “وأبصر” مضيفا ” بأنه لا وصول إلى هذا إلا بقوة نفسية ترتكز على التزكية والتأليف بين القلوب”، مصداقا لقوله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ” سورة الأنفال، من الآية: 62، وقوله تعالى: “لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”، سورة الأنفال، من الآية: 63.

  ويختم السيد الأمين العام د. أحمد عبادي حفظه الله، بالقول: “نحن في زمن يقتضي العمل والتنافس في الخير من أجل إدراك “الخريتية” في العلاقة مع الله”، مصداقا لقوله تعالى: “وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ” سورة الفرقان، الآية: 74.

  ومن جهته٬ أكد السيد ذ. نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء٬ أن هذه الندوة التي تعد الخامسة من نوعها بالمغرب التي تسعى إلى تشكيل وعي مجتمعي من خلال وضع خبرات وتجارب العلماء في مكان واحد من أجل النهوض بالأمة الاسلامية.

  وأوضح في هذا الصدد٬ أن القرآن الكريم ولّد حضارة عندما أحسن الإنسان التواصل والتفاعل مع القرآن متسائلا عن كيفية مد الجسور بين الإنسان والقرآن من جديد.

  واعتبر أنه في سياق المنعطفات التي تمر بها الأمة الإسلامية والإنسانية يقتضي الوضع أن يرتفع المفكرون والعلماء والباحثون إلى مقام الراهنية المتجددة في إعادة استكشاف قدرات الكتاب الخاتم في بناء الإنسان والإسهام في توجيه العمران الإنساني.

 وفي كلمة ذ. مصطفى أوزجان، مستشار مجلة حراء، اعتبر هذه الندوة في غاية الأهمية، كما اعتبر أن الله أنزل الوحي بغية إنشاء إنسان جديد، وبناء حضارة جديدة.

  مضيفا في نفس السياق أن القرآن الكريم وصف الرسول بالأمي وجماعته بالأمية، والأمية معناها الصفاء على حد تعبيره: القابلية لتلقي الوحي، والاستعداد لتلقي أنوار الوحي، واعتبر أن القطع بين الصلة بين القرآن والإنسان وبين الإيمان والإنسان لا يسبب إلا فوضى عارمة تعم كل مكان.

  وأضاف بأن حب الإنسان لذاته ـ الأنا ـ مما تعاني منه الأمة، والحل حسب قوله العودة إلى المأوى الحقيقي للدين، ودعا في الأخير إلى الخروج من النمطية في التعامل مع القرآن ليقينا شرور الأنا والتخلف.

  وعبّر د. محمد بلحسن عن معهد الدراسات الشرعية والبناء الحضاري بدوره، عن سعادته بهذه الندوة الدولية المتميزة، واعتبر في بداية حديثه أن فقه البناء العمراني والإنساني يعتبر مقصدا عاما من مقاصد استخلاف الإنسان في الأرض، لغاية كبرى تتمثل في تحقيق العبودية لله تعالى بمفهومها الشامل.

  وفي ختام كلمته نوه بالرابطة المحمدية للعلماء، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية ومجلة حراء ومختبر الدراسات الشرعية والبناء الحضاري على هذا التنسيق.

  وافتتح د.محمد المنتار حفظه الله، رئيس مركز الدراسات القرآنية التابع للرابطة المحمدية للعلماء، كلمته بالحديث عن النموذج البشري الذي سعى القرآن الكريم لإيجاده، الذي يستلزم استحضار هدي خير العباد في بناء هذا النموذج مع الكشف عن مقومات نبي الرحمة في إرساء بناء الإنسان وتأسيس العمران.

  واعتبر فضيلته هذه الندوة “مستندة إلى إيمان عميق وصادق بأن بناء الإنسان في ضوء هاديات الكتاب الكريم، هو المدخل لكل بناء في الوجود”، إذ هو “المدخل لبناء العمران” ولصناعة الحضارة وروح استمرارها، أو هي مدخل أساس من مداخل الإصلاح في هذا الكون.

  كما اعتبر القصد منها “بيان خصائص المنهج القرآني في بناء الإنسان وتأسيس العمران وبيان تجليات هذا المنهج المبارك بمختلف تمظهراته…”.

  مبرزا في هذا الصدد أهم تجليات هذا المنهج في: “بيان المداخل المنهجية لبناء الإنسان في القرآن الكريم، ومقومات بناء العمران، ورصد جهود وإسهامات علماء الأمة الوضيئة في العناية بدور القرآن الكريم في بناء الإنسان والعمران، وإمكانية التأسيس الوعي المنهاجي القرآني بالشروط المعرفية التي بلغتها البشرية في القرن 21 من أجل بناء الإنسان والعمران …”.

  وختم فضيلته بالقول بأن: “العقول المتمرسة الخبيرة النيرة” لا بد من أن “تطرح الأسئلة المنهجية على حد تعبير أستاذنا د.أحمد عبادي حفظه الله، من أجل رفع علم التأسي على الصعيد الفردي والجمعي والكوني…”.

  بعد هذه الكلمات الافتتاحية كان للحضور الكرام موعد مع المحاضرة الافتتاحية للندوة الدولية بعنوان: “بناء الإنسان والعمران في القرآن الكريم: من الفرد الأمة إلى الأمة الفرد” التي ألقاها فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عبادي حفظه الله، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية.

  استهل  فضيلته حفظه الله حديثه بالوقوف على أهم المفردات في عنوان محاضرته الافتتاحية التوجيهية، ومن هذه المفردات لفظ الأمة؛ باعتبارها التجمع البشري الذي يقصد نفس القبلة، هذا القصد الموحد هو الذي جعل هذا التجمع يسمى “أمة”.

  وكل تجمع يؤم نفس القبلة يسمى أمة: وما من دابة في الأرض أو طائر يطير بجناحين إلا أمم أمثالكم”  الأسماك و الطيور الكل يعيش في مجموعات وعشائر تقصد الدفء أيام البرد وتهاجر صوب الجو المعتدل في الحر الشديد…،  وللشمس والقمر وسائر الكواكب  كذلك وجهة واحدة لا يخطؤونها وكل في فلك يسبحون، والأمة في قوله تعالى: “واذكر بعد أمة” أي بعد حشد من الدقائق والساعات والتي تتجه طبعا إلى  اتجاه واحد، الوقت يتوجه إلى قبلة معينة هي يوم القيامة يوم الساعة……

   والأمم في اللغة: القصد، ولأول مرة في التاريخ مع الأمة الإسلامية- يطلق هذا المصطلح على تجمع بشري،  لأنه يؤم نفس القبلة الجغرافية المادية التي  هي مؤشر على القبلة المعنوية وجه الله، ومع الأمة الإسلامية أصبحت الأمة فردا بعد أن كان الفرد أمة في الشريعة الإبراهيمية؛  “إن إبراهيم كان أمة”، النبي صلى الله عليه وسلم أخرج المدينة المنورة من الفرد الأمة إلى الأمة الفرد.

  وهذا لا يعني أن الأمة بهذا القصد الموحد لا يمكن أن تختلف رؤاها، ولهذا قال تعالى: “ولكل وجهة  هو موليها فاستبقوا الخيرات”، فالقبلة الواحدة التي هي الكعبة يؤمها البشر من مختلف البقاع الجغرافية، ومن تمة لابد أن تختلف وجهاتهم  فالذي في الصين يتجه إلى الكعبة غير اتجاه الذي في المغرب وهكذا.

  ثم انتقل حفظه الله إلى الحديث عن أهمية العلم في البناء الحضاري والعمراني للأمة، على أساس عدم  الفصل بين علوم التسخير وعلوم التيسير، أو تحقير علوم التيسير لحساب علوم التسخير وذلك بصرف الباحثين الضعفاء الأقل ذكاء والفاشلين إلى الأولى وصرف الطاقات العقلية القوية والباحثين الناجحين إلى الثانية،  والرفع من قدر العلوم البحثة على حساب العلوم الإنسانية والأدبية، لأن أثر الخطأ في المختبر على البشرية والأمة هو نفسه أثر الخطأ في الأفكار والسياسات والإيديولوجيات أو ربما أكثر.

  ومن الميزات التي تفترض في هذه الأمة ما سماه فضيلته “بالنفرة” من قوله تعالى: “ولولا نفر من كل أمة طائفة” والنفرة تقتضي التشمير والمكابدة والكدح.

  ثم وقف فضيلته على مجموعة من المصطلحات القرآنية التي تحتاج إلى وقفات توضيحية لبيان معناها القرآني كالقراءة: وهي جمع الحروف بعضها ببعض، والتلاوة: وهي التنزيل الواقعي للآيات، أي  السنة التي هي التوضيح الأمثل  للقرآن الكريم، والتفسير الذي ورد في القرآن الكريم مرة واحدة بمعنى أن القرآن هو الذي يفسر،  والترتيل : الذي وقفنا فيه عند الصوت وذهلنا عن المفهوم والمرجعية والمنهجية والمآل ….

  وبناء الأمة حضاريا يستلزم فيما يستلزم الالتصاق بالوحدة القياسية للكمال البشري النبي صلى الله عليه وسلم، الذي استفرغت جهود ليست بالقليلة في التراث الإسلامي من أجل رصد سيرته العطرة ليتمثلها المسلمون ويقتربون من أنوارها وهذا ما وفر على الأمة الإسلامية البحث عن معيار الكمال.

  ويختم فضيلته بالقول إن الاعتقاد بأننا انهينا القرآن فهما لا يصح، فهو لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، وهو القرآن بالتعريف الذي سيقرأ إلى يوم القيامة مرشدا موجها للبشرية، لقد انشغل المفسرون قديما بآيات الأحكام أكثر من غيرها من الآيات البصائر، وقد آن الأوان من أجل بناء إنسان حضاري يبني عمرانه بالقرآن، الالتفات والتركيز على الآيات المتعلقة بالإنسان وبعلاقته بنفسه من جهة وبمحيطه من جهة ثانية.

  بعد المحاضرة الافتتاحية النموذجية لفضيلة الأستاذ أحمد عبادي ترأس الأستاذ محمد بنكيران الجلسة العلمية الأولى التي كان محورها تأصيل العلاقة بين القرآن والإنسان والعمران فابتدأها بوضع مقدمة تقريبية لموضوع الندوة؛ كيف أن القرآن الكريم الذي أنزله الله عز وجل ليكون للعالمين بشيرا ونذيرا على نبيه الذي بينّ هذا البناء الحضاري؛ فانطلاق الأستاذ بأن موضوع الإنسان والعمران من الموضوعات القرآنية المهمة.

المداخلة الأولى: آفاق دلالية ومقاصدية في العمران القرآني ألقاها الأستاذ محمد إمام داوود.

 ركز الأستاذ حول قضية أساسية وهي الهوية وأهميته ودورها في البناء الحضاري للأمة، وقد عرف الهوية: بأنها الخصائص المميزة التي تبرز فردا أو مجتمعا عن غيرها يعني القيمة المضافة، فما موقعك في هذا الكون، من أنا؟ ومن الآخر؟ سؤال الهوية.

 ثم انتقل إلى الكلام حول أركان الهوية الدين واللغة والثقافة. وبين القيمة التي أضافها القرآن الكريم لهذه الأمة في هذا العصر في مجال العمران والإنسان. فانتقل إلى الدلالة اللغوية لكلمة عمران في المعاجم وكيف أجمعوا على معنى الشمول.

  إنّ النموذج البشري نموذج المعياري النموذج الرباني فريد لم تتمتع حضارة من الحضارات.

فختم مداخلته بسؤال منهجي دقيق، كيف نجعل من القرآن الكريم مصدراً معرفيا قويا.

المداخلة الثانية: من التزكية إلى العمران/ د. زيد أبو شعراء

  بين أن العمران والإنسان مترابطان، وأن العمران متأثر بالإنسان في وجود هذا العمران وفي تدبيره وفي مصيره. فانتقل إلى عرض الآيات القرآنية التي حكى فيها الحق سبحانه إنجازات عمرانية، قوم عاد، وإعمار سيدنا سليمان…وختم الأستاذ بحقيقة أن المساجد مصدر بناء الإنسان للعمران، وكيف هدمها وخرابها يؤول إلى فساد الأرض، لأن المساجد مصدر الرشد.

المداخلة الثالثة: ضوابط العمران والبنيان رؤية في ضوء القرآن الكريم/د. يحي وزيري

 أشار الدكتور إلى قيمة عمارة الأرض وأنها عبادة موجبة، وانتقل إلى عرض أسماء السور القرآنية التي تحمل أسماء ودلالات عمرانية، سورة الحجرات، سورة المائدة، سورة الزخرف، سورة النور، وسورة الحديد.

  ذكر بعض الإحصائيات: حوالي (10%) من أسماء القرآن لها دلالة عمرانية بنيانية، أي ما يقارب (80) آية قرآنية لها صورة مباشرة للعمران. كما يحتوي القرآن الكريم على (135) مصطلح معمراي. فخلص بذلك الأستاذ بأن القرآن الكريم يعلمنا لغة معمارية دقيقة فمثل بمصطلح بنيان فعرض الآيات التي تتحدث عن البعد الوظيفي للبنيان، وختم الدكتور بالضوابط وأولها التقوى، ثم التحذير من الممارسات الفاسدة.

الجلسة العلمية الثانية: «الأبعاد المنهاجية والمقاصدية لبناء الإنسان العمراني»، برئاسة الأستاذ نوزاد صواش، المشرف العام على مجلة حراء.

  ألقى الدكتور سليمان عشراتي، أستاذ جامعي بالجزائر، محاضرة علمية، تحت عنوان: «الأستاذ فتح الله كولن والرهان القرآني المستقبلي»، تحدّث الدكتور المحاضِر في مُستهل مداخلته العلمية، عن تجربة قراءته وكتاباته الأولى عن الأستاذ فتح الله كولن، إذ اعتبرها من أعسر المهام، تلك التي خاضها، واصِفاً كلامَ الأستاذ وكتاباته بالسّهل الممتنع، ثم ذكّر المحاضِرُ بأن القرآن كتاب تمرُّسٍ يتقمّصُه الإنسان سلوكات حيّة، تنبِئ عن قرآنيّته، وأن القرآن الحيّ هو الذي جسّدته سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في كبير الأمور وصغيرها، وأنه ظلّ يتعاطاه المفسِّرون جيلاً بعد جيل، منذ خمسة عشر قرنا، وأنّه حمّال أوجه.

  ثم تحدّث عن التفسير القرآني المعاصر، وملامسته طبيعتَه ونسقَه في تجربة الأستاذ فتح الله كولن، ليشهد بأنّ تفسيره تفسير بنائي عمراني، وأنّ فتح الله نظر إلى القرآن فوجده كتابا فوق الزمان، وفوق المكان، عرف أنّه صالح لكل زمان ومكان، ووقف عند حَرفِيّتة فوجد الدلالة تخرج عن منطق الزمان، ومنطق المقايسات، ومنطق المنطق، ثم إنه عندما يتحدّث عن قيم القرآن، يضيف المحاضِر، وعن سنن القرآن، وعن الأمم القديمة، والحضارات البائدة، التي تحدّث عنها القرآن؛ فإنه يستخرج منها قواعد وقوانين البناء الحضاري، واعتبر بأن المنطق الذي يقرأ به فتح الله كولن، لا يبقى عقيما؛ وإنما يأخذ تطبيقا عمليا يحتلّ مكانه على خريطة العالم.

  بعدها قدّم الأستاذ المحاضِر نماذج مثّلت قراءة الأستاذ فتح الله لها، وجسّدت فكره الجديد التأولي والتفسيري، ليختم محاضرته بالحديث عن مكانة الرجل، وما حباه الله تعالى به، وما كابده، وعن تجربته، التي تمثّل، حسب تعبيره، انطلاقة ودافعيّة، وزحزحة للأمّة من سباتها.

  وألقى الدكتور بابا عمي، أستاذ جامعي بالجزائر، المحاضرة العلمية الثانية، بعنوان: «المعالم المنهجية لتفسير حضاري للقرآن الكريم، تفسير الرشد مقترحا، فتح الله كولن نموذجا»، حيث افتتح الدكتور المحاضر مداخلته العلمية بمقدمة، تحدّث فيها عن مكانة الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، وعن سرّ تغيّره، ذلك بأنه كان دائم البحث عن تمثّل الآية في الواقع، لأنه كان صادقا، ولأنه كابَدَ، وأنه حين وجد الآية القرآنية متمثلة في صناعة الإنسان، ثم وجد هذا الإنسان يصنع عمرانا/ حضارة، هنالك استسلم، هنالك عاين، وهنالك وجد، لأنه لم يكتف بالكلام التنظيري التقعيدي، فهذا، يضيف الدكتور بابا عمي، هو الذي غيّر الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، وهذا الذي ينبغي أن يُغيّرنا جميعا، ثم تحدّث بعد ذلك عن التفعيل الواقعي للآيات، عند الأستاذ فتح الله كولن، وضرب أمثلة على ذلك.

  ثم ذكّر بتاريخ التفسير، حتى بلوغه مرحلة التفسير الموضوعي، وتساءل: هل دور المفسر هو أن ينتهي بالآية إلى أقصى الدلالة أو المعنى، ثم يتوقف ويترك تنفيذها للناس، هم الذين يختارون آليات ومناهج ووسائل التنفيذ؟ أم أن من دور المفسر كذلك أن ينزل بالآية إلى أرض الواقع، ويبتكر آليات ومناهج للتنفيذ، بناء على السياق الذي وُضع فيه الآي القرآني؟هو تساءلٌ عن دور المفسر، وتساؤلٌ عن تفسير عملي، يجعل المفسِّر عمليّاً، يُحوِّل القضية إلى حقيقة، إلى أن وجدت هذه الحقيقة، يقول الأستاذ المحاضِر، عند «الخدمة»، عند الأستاذ فتح الله كولن.

ثم وقف عند منهج الأستاذ فتح الله في تدريس التفسير لتلامذته، وطُرقه في ذلك، ليخلص الدكتور بابا عمي  في ختام محاضرته، إلى  أنّ تفسير القرآن الكريم لا ينتهي عند عتبة بيان الدلالة والمعنى فقط؛ وإنما يتوقف بعد ذلك على إنزال تلك الدلالة والمعنى على أرض الواقع، لإنزالها في هذه النّفس، وفي هذا العقل، وفي هذه الجوارح، حتى تصبح حقيقة ماثلة شاخصة أمام الأعين، ودعا إلى تكاثف جهود الباحثين، واجتماع العقول، بمفهوم الجماعة العلمية، وبمفهوم  العقل/الوعي الجمعي، للجلوس بين يدي القرآن الكريم، الذي يرسل إلينا أنوارا، حتى تمر علينا الآيات، حسب تخصّصاتنا، واهتماماتنا، وسياقاتنا، فتتحوّل إلى فعل حضاري، ينجي هذه الأمّة، بل وينجي البشرية جمعاء.

لتعقب هذه الجلسة تعقيبات ومناقشات علمية، أسهم فيها أساتذة وباحثون وطلبة، أغنت هذه الجلسة العلمية المباركة.

وقد اختتمت الندوة بجلسة ختامية تناول فيها الكلمة نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء، تقدم فيها بالشكر لكل الجهات التي شاركت في إنجاح هذه الندوة الدولية، والحضور الكريم، لتتلوها قراءة توصيات الندوة والبيان الختامي، وهذا نص البيان الختامي:

اختتمت بحمد الله أشغال الندوة العلمية الدولية التي نظمها مركز الدراسات القرآنية، التابع للرابطة المحمدية للعلماء؛ بتعاون مع مختبر الدراسات الشرعية والبناء الحضاري بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل القنيطرة، ومجلة حراء التركية ندوة دولية حول موضوع: “دور القرآن الكريم في بناء الإنسان والعمران”، وذلك يوم الخميس 23 ماي 2013م، برحاب قصر البلدية بمدينة القنيطرة.

وقد عرفت الندوة مشاركة نخبة من الأساتذة والمفكرين من دول مصر، والجزائر، وتركيا، بالإضافة إلى البلد المضيف المغرب، وكذا ثلة من الأساتذة والباحثين، من مختلف الجامعات المغربية.

وقد سعت هذه الندوة المباركة بمختلف جلساتها، ومداخلات المشاركين فيها إلى:

أولا: رفع صرح الكشف عن علاقة الأمة الشاهدة برسالة بناء الإنسان وتأسيس العمران، باعتبارها الأمة الخاتمة والوحدة القياسية والمتأسية بالنبي الشاهد عليه الصلاة والسلام.

ثانيا: تأصيل العلاقة بين الوحي الخاتم، قرآنا كريما وسنة نبوية شريفة، وبين الإنسان والعمران، من حيث التضاريس المعرفية، والمركبات المفاهيمية، والأنساق القياسية.

ثالثا: الكشف عن الأبعاد الوظيفية، والمنهاجية، والمقاصدية لبناء الإنسان والعمران، مع التركيز على البعد التنزيلي في إطار الرؤية الكلية والشمولية للكتاب الخاتم.

1ـ طباعة أعمال هذا الندوة المباركة بمركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء، ووضعها بين أيدي الباحثين في الجامعات، ومراكز البحث المتخصصة، وبناء الأبحاث والدراسات عليها في شكل مشاريع علمية.
2ـ عقد الدورة الثانية لهذه الندوة، مع التركيز على القضايا المنهجية والإشكالات المعرفية والمفاهيمية والوظيفية.

3ـ عقد دورات تدريبية، وورشات تكوينية، وموائد مستديرة، وأيام دراسية تسهم في تدقيق وتعميق القضايا التي جاء ذكرها إجمالاً خلال هذا الندوة المباركة.

5ـ رصد الجهود الوضيئة لأجيال علماء الأمة، في تعاملهم مع كتاب الله الخاتم، من أهل التفسير والفكر، وذوي المشاريع الحضارية عبر تاريخ الأمة الحافل في المغرب والمشرق، وإعداد دراسات حولها تبرز أوجه العناية برسالة القرآن الكريم ومنهجيته في بناء الإنسان والعمران. ورفع صرح التأسي على الصعيد الفردي، والجمعي، والكوني.

6ـ توجيه الرسائل الجامعية (ماستر ـ دكتوراه) للبحث في قضايا بناء الإنسان والعمران في القرآن الكريم.

7ـ فتح وحدة للدكتوراه تحت عنوان “القرآن والإنسان والعمران” بتنسيق بين مركز الدراسات القرآنية للرابطة المحمدية للعلماء، ومختبر الدراسات الشرعية والبناء الحضاري بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل.

لتختتم الجلسة بالدعاء الخالص لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم.

إنجاز لجنة الأنشطة العلمية بمركز الدراسات القرآنية

 

معرض إصدارات الرابطة المحمدية للعلماء خلال الندوة




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق