مركز الدراسات القرآنية

التجديد في التفسير: قضايا وإشكالات

في إطار أنشطته الثقافية والتأطيرية وسعيا إلى تحاور الباحثين المتخصصين في مجالات ومناهج التجديد في التفسير، وتأصيلا للمفاهيم، وتعميقا للنقاش حولها، نظم مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء بتعاون مع مسلك الماستر “خصائص الخطاب الشرعي وأهميته في الحوار”، وفريق البحث “الفكر الإسلامي وفن الخطاب وقضايا البيئة والمجتمع” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس أكدال ـ الرباط، دورة تكوينية علمية في موضوع: “التجديد في التفسير: قضايا وإشكالات” وذلك يومي: 27ـ28 دجنبر 2012، برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس أكدال ـ الرباط، شارك فيها أزيد من 90 متدرب ومتدربة من مختلف جامعات المملكة المغربية؛ جامعة محمد الخامس أكدال- الرباط، ومؤسسة دار الحديث الحسنية، وجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، وجامعة الحسن الثاني بعين الشق، وجامعة القرويين كلية الشريعة ـ فاس، فضلا عن الباحثين والباحثات بمراكز الرابطة المحمدية للعلماء.

وقد استفتحت هذه الدورة في يومها الأول بحمد الله وتوفيقه بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها كلمات افتتاحية للسادة: السيد نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس- أكدال د. محمد الصالحي، وكلمة فضيلة السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالنيابة، والسيد رئيس فريق البحث “الفكر الإسلامي وفن الخطاب وقضايا البيئة والمجتمع” د. العربي بوسلهام، وكلمة السيد رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء د. محمد المنتار.

نوه د.محمد الصالحي نائب العميد، بالجهود المبذولة من طرف الجهات المنظمة لهذا المحفل العلمي وفي مقدمتهم الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء فضيلة الدكتورأحمد عبادي، ورحب بالحضور الكريم وخاصة المشاركين في الدورة.

طرحت كلمة السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء د. أحمد عبادي حفظه الله بالنيابة، إشكالية الاختلال المنهجي والمنهاجي في التعاطي مع القرآن والاستمداد منه علميا وعمليا، انطلاقا من الآية الكريمة: (إن هذا القرآن يهدي  للتي أقوم)، فالقرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد في جميع مناحي الحياة المعاصرة، وفهمه ميسر ملائم لعقل الإنسان، وعلومه مسخرة تدرك من خلال النظر والتفكر (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) سورة محمد. الآية 24.

ويضم القرآن نوعين من العلوم: علوم التسخير وعلوم التيسير. فعلوم التسخير عرفت تطورا بفضل حوار الإنسان مع الكون والعلوم التي انبثقت من ذلك.

بينما علوم التيسير لم تتطور بالشكل ذاته وبالكيفية التي كان عليها الحال إبان الصدر الأول من الصحابة وتابعيهم الذين فتحوا ملف علوم التيسير، فبرزت علوم الفقه وأصوله، وعلوم القرآن والحديث واللغة والكلام وغيرها من العلوم التي شكلت مداخل للاستمداد من الوحي ومن القرآن الكريم.

بينما الحال في وقتنا الحاضر يعرف فتورا لدى الدارسين انطلاقا من العبارة التي تقول: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، فجاءت الجهود شروحا لأعمال المتقدمين أو تصنيفا لها أو حواشي عليها.

ويختم السيد الأمين العام، بطرح حلول عملية منطقية للخروج من هذه الوضعية بإمكانها لا محالة معالجة الفتور والجمود في الاستنباط من الوحي والقرآن المجيد منها:

 1- تجريد معالم مناهج الاستمداد من الوحي وتوضيحها من كل ما يعتريها من الغموض والالتباس.

2- إعادة نظم تراثنا حتى يكون سهل المتناول وأكثر وظيفية، وتجنب منهج الاستظهار والترداد والتبرك والسرد.

واستطرد قائلا بأن التجديد في المناهج هو الذي سيمكن المسلمين من الإسهام في تشكيل التاريخ المعرفي والحضاري الكوني، انطلاقا من قوة اقتراح قابلة للفهم والفحص،نرجو من هذه الدورة التكوينية أن ترومبعضا من تلك القضايا المنهاجية والإشكالات المتعلقة بالتجديد في علم التفسير.

وافتتح د.محمد المنتار حفظه الله، رئيس مركز الدراسات القرآنية التابع للرابطة المحمدية للعلماء، كلمته بالحديث عن قيمة تلك المكتبة التفسيرية التي وضعها علماء المسلمين خدمة للقرآن الكريم؛ من حيث استنباط أحكامه الشرعية، وبيان مقاصده، وتعدد مناهجهم، وكذا تفاوتهم في الفهوم والمدارك، مما أنتج لنا عددا كبيرا من كتب التفاسير تختلف فيما بينها باختلاف منطلقات أصحابها.

ثم يقول فضيلته: وهذا يستدعي طرح مجموعة من الاستفسارات والتساؤلات المعرفية والمنهجية، وتنظيم هذه الدورة العلمية جاءلهذا الغرض والمقصد، ولمجموعة من الأهداف الأخرى أبرزها: تكوين جيل من الباحثين لهم إحاطة بمداخل التجديد في علم التفسير واتجاهاته، وامتلاك آليات المناهج المتوسل بها في العملية التجديدية،  والقدرة على تحليل القضايا المعروضة في موضوع الدورة…

وفي نفس السياق جاءت كلمة الدكتور العربي بوسلهام، استهلها بالترحيب بالسادة المشاركين، والمتدربين، كما قدم شكره وامتنانه لمركز الدراسات القرآنية في شخص رئيسه الدكتور  محمد المنتار على قبول الدعوة، لينتقل للحديث عن موضوع الدورة منطلقا من المكانة التي حظي بها القرآن الكريم، باعتباره الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، وأنه صالح لكل زمان ومكان، ومن تم كان الواجب على العلماء المفسرين أن يجددوا تفسيره؛ تفسيرا علميا يسايرقضايا العصر؛باستنباط بعض الأحكام التي تعالج ما استجد واستحدث في واقعنا، وفضح حقيقة تلك القراءات المعاصرة الفاسدة ونقدها وتفنيدها؛ إذ التجديد هو تجديد لفهم كلام الله في كتابه، ويضيف فضيلته إنّ التفسير منذ بداياته الأولى عرف اتجاهين مختلفين؛ التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، وكلاهما يتبع المنهج التقليدي الذي يتتبع السور والآيات كما وردت في القرآن، وينعت هذا المنهج عند المعاصرين بالمنهج التحليلي مقارنة بالمنهج الموضوعي،  أما في العصر الحديث فقد ظهرت اتجاهات ومناهج جديدة ما تزال قيد الاجتهاد والتجربة.وفي ختام هذه الكلمة يرى فضيلته:أن الغاية من انعقاد هذه الدورة العلمية، مناقشة ومعالجة تلك القضايا والإشكالات المتعلقة بما سبق ذكره، ولتكوين وتدريب جيل من الطلبة الباحثين قادرين على التعامل مع كتاب الله عز وجل ببصيرة وتبصر.

بعد هذه الكلمات الافتتاحية كان للمتدربين موعد مع المحاضرة الافتتاحية المبرمجة في الدورة وعنوانها:  “توظيف القرآن في حياة الفرد والمجتمع واستثماره في تربية النشء” والتي ألقاها فضيلة الدكتور بلبشير الحسني أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال- الرباط.

انطلاقا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ سورة الإسراء، من الآية:9، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ سورة محمد، الآية: 24.

استعرض الأستاذ المحاضر منهجية التعامل مع الوحي القرآني، التي تشير إليهما الآيات القرآنية، من خلال الآيتين وغيرهما كثير، التي تدعو إلى التدبر وإعمال العقل في فهم الوحي الإلهي، وبعد سرد النعم التي أنعم الله بها على خلقه حيث كرمه وعلمه الأسماء كلها، وحث عبيده على التدبر في آياته ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لكي يتسنى التمييز بين الخير والشر، بين الحلال والحرام.

وتطرق أيضا للقضايا التي يتناولها القرآن المجيد باعتباره دستور الأمة في العبادات والمعاملات، فهو يتناول القضايا التربوية والاجتماعية والفكرية والعقلية والاقتصادية والمالية والحضارية….إلخ، فجاء جامعا بين آلية الإدراك والسمع والقلب والبصر، ليكون بحق خاتمة الكتب السماوية، بإعجاز ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية.

ويمكن تركيز هذا الإعجاز في ثلاثة أنواع:

1 معجزة القراءة ﴿اقْرَأْ﴾.

2 معجزة خلق الإنسان ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.

3 معجزة تعليمه ما لم يعلم.

من هنا يخلص الأستاذ المحاضر إلى الحديث عن تربية النشء التي يعوزها العلم في التربية، فلا يكفي أن نربي الأجيال على حفظ القرآن فقط، بل يجب تعليمها كيفية التدبر وفهم معانيه السامية، وذلك أمر لا يتسنى إلا بالإلمام بقواعد اللغة العربية والرفع من مستوى تعلمها وفهمها، بضبط حروفها بالضبط التام خصوصا للمستويات الصغرى للأطفال.

وأشار إلى ضرورة تلقين الأطفال الصغار في سن مبكرة للقرآن الكريم وحفظه وترتيله لكي يكون لنا جيل قادر على العطاء والنهضة ومواكبة التقدم التي يشهده العالم، فنحن أمة تفتخر بكونها تمتلك دستورا يضم جميع القضايا التي يحتاج إليها الكون بأجمعه، هذا الرصيد يجب توظيفه وتعليمه وتبيانه للنشء  منذ نعومة أظفاره.

وقد انتظمت أعمال الدورة التكوينية في جلستين وورشات تدريبية؛ افتتحت الجلسة الأولى بعنوان  “التفسير البياني للقرآن الكريم: تأملات في سورة الفاتحة”، للدكتورة بشرى البدوي، أستاذة التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال ـ الرباط.

رصدت د.بشرى البدوي من خلالها دلائل إعجاز سورة الفاتحة وكشفت عن الأسرار البلاغية لمفرداتها وتراكيبها، وقد جاء في مدخل المحاضرة التذكير بأسماء السورة وفضلها وفضل البسملة ومعناها العام، ثم تناولت دلائل إعجازها وسماتها البلاغية، وأسرار نظم الآيات ووجوه بلاغتها، وبيّنت الأستاذة تضمُّن السورة أصولَ معاني القرآن فأضحت جديرة بأن تسمى أمَّ القرآن.

ومن الفنون البلاغية التي عرضت لها الدكتورة: حسن الافتتاح، والإيجاز، وأسلوب القَصْر، والتأكيد، والالتفات، والإطناب، والتجانس، والفواصل المؤثرة، والاستعارة، وأكدت اشتمال السورة على لطائف متنوعة وأساليب فنية كان لها أثر في إيقاظ النفوس واستمالة القلوب.

وكان من النتائج التي انتهت إليها، أن هذه السورة تتميز بسموِّ بلاغتها التي تنبع من دقة كلماتها وغزارة معانيها، فقد تضمنت نوعي الدعاء، وهما دعاء الثناء ودعاء الطلب، وظهر من التحليل البلاغي أن آياتها كلها دعاء وثناء على الله بأعظم العبارات، وكل هذا بعض السر في البدء بها في تلاوة كتاب الله وفي وجوب قراءتها في الصلوات.

وأجابت المحاضرة في ثنايا البحث عن أسئلة كثيرة تَرِدُ في ذهن المتتبع لأسرار سورة الفاتحة البلاغية العامة.
وهكذا يبدو الإعجاز للسورة الكريمة، هو جانب آخر من تلكم الجوانب اللغوية لكلام الله عز وجل، وأنموذجا للتفسير البياني للقرآن الكريم.

تلتها مداخلة الدكتور محمد قجوي (أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال ـ الرباط)؛  بعنوان “التجديد في التفسير: مفهومه وضوابطه”.

توقف الأستاذ المحاضر بداية عند مصطلح التجديد لغة واصطلاحا، والقصد من تجديد علم التفسير، ثم عرض للركود الذي يعرفه هذا العلم وأسبابه، ثم اختتم الورشة بتحديد مفهوم الضوابط في التفسير ومعالم التجديد.

وعالج د.محمد قجوي قضية التجديد في علم تفسير القرآن، وبيّن أن التجديد في هذا العلم كان مطلبا ملحا عبر العصور الإسلامية، بل سنة محمودة، فقد روي عن الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها».

وأشار إلى الجمود والركود الذي يعرفه هذا العلم الشريف في زمننا هذا، فقد جاءت أكثر الأعمال التفسيرية الحديثة مستنسخة تحت تأثير كل من: المنهج التراثي، والطرح التراثي، فهي أعمال استنسخت المنهج والمحتوى كليهما، وما كان اجترارها للمحتوى إلا نتيجة عن التزامها المنهج القديم واجتناب تجديده، أو نقده أو تطويره، فضلاً عن الخروج عنه، ولخص أسباب الركود فيما يلي:

1. ضعف همم المتأخرين عن متابعة الجهود التفسيرية الأصيلة؛ فاكتفوا بالاستنساخ والنقل، اجترحها من ارتضوا بقاء الأقفال على قلوبهم ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ سورة محمد، الآية 24.

2.أصيب المتأخرون بعقدة تقديس القديم؛ فصاروا يتوهمون أن العلم والصواب انطوى فيما سطره الأسلاف؛ حتى إذا ما كتب أحدهم شيئاً حاذر أن يأتي بجديد.

3.انتهاج منهج جديد للتفسير جاء فاقداً للقوة العلمية المؤهلة، التي تقوم على متانة البنية التحتية للعملية التفسيرية، وتفتقر إلى قوة العلوم المعينة على فهم وإدراك لغة القرآن، وأساليبه العربية، ومقاصده الاشتراعية. تلك العلوم المؤهلة علوم: النحو، والبلاغة، واللغة المعجمية، وعلم الحديث، والفقه والمقاصد، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه. هذه الذخيرة المعرفية من العلوم لا يمكن الاستغناء عنها في طريق سبر أغوار القرآن المجيد، لكنها كانت غالية، وشاقة، ومنهكة، أمام أكثر من امتلكوا نوازع تجديدية، وحساً تطويرياً لمناهج مقاربة القرآن؛ فجاءت أعمالهم هينة القدر، واهية الأثر؛ ففارقها التحقيق، وزايلها التوفيق.

وفي المقابل لم يفت الأستاذ المحاضر أن يعرض لمفهوم ضوابط تجديد التفسير لغة واصطلاحا، والشروط الموضوعية الضرورية في شخص المفسر منها:

1ـ مراعاة ربانية القرآن الكريم.

2ـ مراعاة قواعد التفسير وأصوله.

3ـ الاستفادة من الجهود السابقة.

4ـ تخليص التفسير من الشوائب.

5ـ استيعاب العصر.

ورفض الأستاذ المحاضر اختيار بعض الآراء الجديدة في التفسير التي لم يسبق للمفسرين القدامى أن عرضوها تدليلا منه على صحة مطلب التجديد.

وفي مداخلة د.عبد الهادي الخمليشي (أستاذ التعليم العالي بمؤسسة دار الحديث الحسنية ـ الرباط)؛ بعنوان: “نحو منهج في التفسير الفقهي للنص القرآني”.

عالج الأستاذ المحاضر التجديد في هذا النوع من المناهج من خلال المنهج الفقهي في تفسير القرآن الكريم.

أولا: توجه إلى التعريف بالتفسير الفقهي باعتباره دالا بموضوعه ومادته ومنهجه على اتجاه في التفسير يغلب فيه الاهتمام بالآيات التي هي مظنة أحكام عملية، استنباطا منها واستدلالا بها على مسائل فقهية، فهو يجاور المدلول اللغوي إلى الاستنباط الفقهي وإبراز الحكم الشرعي، ولكنه لا يخلو من بعض القضايا الأصولية. والتفسير الفقهي قد يدخل في باب التفسير بالرأي، لما فيه من الاجتهاد والاستنباط والمقايسة ومراعاة مقاصد القرآن وهو قد يستوعب القرآن كله، وإن كان يقصره بعضهم على آيات مخصوصة.

ثانيا: تطرق إلى أهمية التفسير الفقهي: فالتفسير الفقهي شرف موضوعه بشرف الكلام الذي يتناوله ألا وهو كلام الله عز وجل وسما إلى العليا بسمو الغاية النبيلة التي يرمي إليها، ألا وهي معرفة الأحكام الشرعية العملية التي يراد من وراء معرفتها العمل لمقتضاها، وتبيانها للناس ليعملوا بها .
وهنا أشار الأستاذ المحاضر إلى اختلاف نظر المفسرين في استنطاق النص القرآني، وضرورة التشبت بالشروط الآتية:

1. تجاوز الخلاف المذهبي والعقدي.

2. اعتبار مقاصد الأحكام وعللها.

3. تقديم اليسر على العسر.

4. رفع الحرج.

كما استوجب شروطا في المفسر منها:

1. العلم باللسان ويدخل فيه العلم باللغة والنحو والتصريف والاشتقاق وعلوم البلاغة.

2.علوم القرآن: كعلم القراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ.

3.العلم بالسنن والآثار وخاصة أحاديث الأحكام.

4. معرفة مسائل الإجماع.

5.العلم بالأصول ومقاصد الشريعة.

6.العلم بالفقه وباختلاف الفقهاء.

7.الإلمام بعلم المناسبة.

ثم أكد الأستاذ المحاضر على ضرورة الاستفادة من مناهج التفسير القديمة، ودراسة مناهج المصنفين والمفسرين منهم، وكذا تطبيق النظر في طرق التفسير كمنهج ابن حزم.

بعد ذلك كان لنا موعد مع ورشة بعنوان “منهج الدراسة اللغوية لكلمات القرآن” للدكتور عبد العزيز الخطيب (أستاذ التعليم العالي بمؤسسة دار الحديث الحسنية ـ الرباط).

طرح الأستاذ في الورشة العلمية اتجاها آخر في تفسير كلمات القرآن، ألا وهو التفسير اللغوي الذي يهتم بمفردات القرآن الكريم وشكل الألفاظ القرآنية (النحو والصرف والحجة)، وكان موضوعه: إعراب القرآن وغريبه والوجوه والنظائر فيه، وتحصيل معانيه هي الخطوة الأولى لمعرفة مراد الله تعالى فيما أنزل على رسوله.

أما أهمية هذا الاتجاه فتظهر بالنظر إلى أن تفسير القرآن منه ما يرجع فيه إلى الوحي نفسه كتابا وسنة، ومنه ما يتوقف فهمه على الرجوع إلى اللغة التي أنزل الله تعالى بها كتابه.

والدراسة اللغوية كمنهج لتفسير كلمات القرآن الكريم، نعني بها أن تخضع المعالجة العلمية للآيات القرآنية للمعنى اللغوي السليم للألفاظ، مع التنبيه إلى تعدد المدلولات للفظ الواحد، ولهذا فإذا أخذ أحد الأسلاف من العلماء في تفسيره لكلمات القرآن الكريم بمعنى معين، فلا ضير على من يقوم بدراسة الإعجاز العلمي أن يأخذ بمعنى آخر لنفس اللفظ، مادام أنه وارد بالمعاجم، وذلك بقصد تعميق اللفظ أو للاقتراب من المفهوم العلمي للإشارة الكونية القرآنية كما يراعى أن تكون لغويات الآية محل الدراسة وفقاً لما جاء بالمعاجم بحسب المعاني الأصلية للكلمات، وليس وفقاً لما طرأ على معاني الألفاظ من تغيير عند الناس بمرور الزمن، لأن النّص القرآني نص مفتوح يحمل معنى متحرك يوافق حركة التاريخ وتحولات الفكر الإنساني في مختلف العصور، يناسب المتغيرات الزمانية والمكانية، على الباحث تدبره والانطلاق منه في دراسة لغة القرآن الكريم (العربية) وظواهرها المختلفة، لا من مناهج معيارية ومنطقية وغربية وغيرها.

ثم عرض أيضا لزمن وظروف نشأة الاتجاه اللغوي في التفسير، والتطور التي عرفه، فقد ظهرت الحاجة إلى شرح غريب مفردات القرآن، وتتبع جوهره، والبحث في إعرابه خلال عصر التابعين، فقد كانت السليقة العربية تغني مجمل الصحابة عن السؤال والبحث عن ذلك، وكان من المتعذر أن نجد من ألفاظ القرآن، وإعرابه ما خفي على جمهور الصحب، وإن وجد من تلك الألفاظ ما استعصى على بعضهم، فكان العلم باللغة كالعلم بالأنساب عندهم، إن وجد منهم من توقف في شيء منه، فإن ذلك لا يخفى على جمهورهم حتى لا يعرفه أحد منهم.

لكن في عصر التابعين احتاج الناس إلى السؤال عن غريب لغة القرآن، ثم احتاجوا إلى إعرابه، وذلك بسبب عوامل ثلاثة :

1ـ ضعف السليقة، وقد كان العرب قديما يربون أبناءهم في البادية حفاظا عليها.

2ـ اختلاط المسلمين العرب من الفاتحين بغيرهم من الأقوام عن طريق المصاهرة.

3ـ دخول عامة العجم إلى الإسلام وحاجتهم لمعرفة تعاليمه.

فظهرت بذلك الحاجة إلى البحث في لغة القرآن بسبب فشو اللحن، وفساد اللسان، واهتم المفسرون منذ عصر التابعين بإعراب القرآن، وحرصوا على ذلك قبل تقعيد علم النحو، لإدراكهم بأن الإعراب هو الذي يقيم المعنى، حتى روي عن عمر بن الخطاب قوله: «تعلموا إعراب القرآن كما تعلمون حفظه»، وروي عن غيره من الصحابة مثل ذلك.

ليخلص الأستاذ المحاضر في ختام عرضه إلى أن المنهج اللغوي يعتبر جزءا مهما من علم التفسير، ولعل المصنفات التي ألفت للعناية بالمسائل اللغوية في القرآن الكريم، والتركيز على التفسير اللغوي، لدليل واضح على ذلك، وبالمقابل فإننا نجد كثيرا من المؤرخين المعاصرين تجاهلوا هذا المنهج، وحصلت عندهم الغفلة عن هذا الشرط فوقع كثير من المنشغلين بهذا الفن في الزلل والتحريف.

ثم اختتم الدكتور عبد الله رشدي (أستاذ التعليم العالي بمؤسسة دار الحديث الحسنية ـ الرباط) الجلسة الأولى بمداخلة تحت عنوان: “النص الموازي في كتب التفسير”.

استهل الأستاذ المحاضر بالتعريف بأهمية الموضوع: «النص الموازي» أو «عتبات النص» الذي يعتبر من مصنفات التفسير، وهو موضوع تناوله القدماء وما يزال يتناوله المعاصرون بالاهتمام وصار درسها يندرج ضمن سياق نظري وتحليلي عام يعتني بإبراز ما للعتبات من وظيفة في فهم خصوصية النص الأدبي عامة والنص القرآني خاصة وتحديد جانب أساسي من مقاصده الدلالية، وهو اهتمام أضحى، في الوقت الراهن، مصدرا لصياغة أسئلة دقيقة تعيد الاعتبار لهذه المحافل النصية المتنوعة الأنساق وقوفا عند ما يميزها ويعين طرائق اشتغالـها.

ثم اتجه إلى تحديد مفهوم النص الموازي، وهو ما يطلق عليه باسم عتبات النص أو هوامش النص، أو العنوان بصفة عامة الذي يصاحب النص.

والاضطراب الذي وقع في تحديد مفهومه، وقد أثار مصطلح (Le paratexte) أو (La paratextualité) في استعمالات وتوظيفات جيرار جنيت G.Genette اضطرابا في الترجمة داخل الساحة الثقافية العربية بين المغاربة والمشارقة. والسبب في ذلك، الاعتماد على الترجمة القاموسية الحرفية، أو اعتماد المعنى وروح السياق الذي وظف فيه اللغة الأصلية.

فسعيد يقطين يترجم مصطلح (Paratextes) بالمناصصات، وهي عنده في كتابه (القراءة والتجربة) تلك «التي تأتي على شكل هوامش نصية للنص الأصل بهدف التوضيح أو التعليق أو إثارة الالتباس الوارد». وتبدو لنا ـ يقول الأستاذ المحاضر ـ هذه المناصصات خارجية (ويمكن أن تكون داخلية) غالبا.

ليخلص الأستاذ إلى أن النص الموازي أو العنوان يكتسي أهمية بالغة في فك لغز النص القرآني، فهو عنصر ضروري إذ يشكل المنطلق والنص هدفه، ونظرا لوظائفه التعليمية والإحالية والجمالية، كانت له الأولوية على باقي عناصر النص، لأنه أول ما يلاحظ من الكتاب أو النص، كما أنه عنصر منظم للقراءة، ولهذا التفوق تأثيره الواضح على التأويل الممكن للنص القرآني بصفة خاصة، وتحديد طبيعته، وهذا ما أدركه علماء التفسير منذ القديم وإلى الآن.

أما الجلسة الثانية والتي جرت فعاليتها صبيحة يوم الجمعة 28/12/2012م، فقد افتتحت بتلاوة آيات بينات من القرآن المجيد، تلتها مداخلة لفضيلة السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء  أحمد عبادي ـ بالنيابةـ بعنوان: “التجديد في التفسير: محددات منهجية”.

عالجت كلمة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء السيد الدكتور أحمد عبادي حفظه الله، نظرية المنهجية المعرفية في التعامل مع كتاب الله المجيد، إدراكا لأهمية تحديد النظام المعرفي بمدلوله المنطقي الكلي.

وقبل التفصيل في محددات منهجية معرفية في الدراسات القرآنية، توجه لتحديد طبيعة هذا القرآن الذي نريد أن ندرسه، من خلال عرض مجموعة من التعاريف التي تعتبر تعريفات جامعة، مانعة ميسرة،  والتذكير بأن المعرفة قبل نزول القرآن المجيد كانت أمرا تولده العقول في نظر الناس، لكن مع القرآن المجيد أصبحت هذه العقول تعقل ما تستكشفه من خلال النظر إلى البصائر ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الأعراف آية: 203) ونظرا لربانية هذا المنهج (المنهجية المعرفية) فقد كان له أثره العميق في إحداث مجموعة من القطائع مع المناهج المعرفية التي كانت سائدة قبل نزول القرآن الكريم.

وأول الدُّرر التي يركز عليها علماؤنا في هذا الصدد هي ثلاث قضايا:

القضية الأولى: هي أن القرآن المجيد بما أنه قول الله الذي خلق كل شيء، فإنه قول لهذا الإنسان الذي خلق بحسب استعداده، وبحسب متطلباته ومتطلبات واقعه، وإذا كان الأمر كذلك من لدن الذي يعلم من خلق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك آية 15)، فإن هذا القول يكون كأكمل ما يمكن الطموح إليه، وهو أمر قد قرره الإمام ابن عطية في مقدمة تفسيره المحرر الوجيز، فكتاب الله عز وجل يتنزل حسب تطلب هذا المخلوق وواقعه وخصائص كل ذلك.

القضية الثانية: أن القرآن جاء من لدن من أحاط بكل شيء علما، فإنه لا يمكن أن يكون إلا على وجه الكمال. وفي الناعوس الأعلى، وهو القول الفصل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا ما تدل عليه بوضوح آيات كثيرة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وهو قرآن في قمة الوظيفية، وفي غاية النفع للإنسان فردا وجماعة.

القضية الثالثة: النظر في القرآن من الزاوية البلاغية نظر فيه شجون، من مناحي الرجس والاختصار سوف يقضي العجب كيف أن الكلام يرتب، فالحرف يرتب والجملة ترتب….

ثم تطرق إلى الفرق بين الكتاب المستبين والكتاب المبين، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ سورة الصافات، من الآية: 117،  ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سورة النمل، الآية:1.

فالكتاب المستبين أوحي به في مرحلة لم يكتمل فيها بناء النبوة الذي عبره عنه صلى الله في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ [صحيح البخاري، رقم الحديث: 3294.

كما أنه جاء لقوم مخصوصين بهدى ونور يحكم به النبيئون ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ سورة المائدة، الآية:44.

أما الكتاب المبين فهو هذا الوحي الذي جاء مصدقا لما بين يديه، ومهيمنا عليه، فكان خاتمة الوحي وجامعه، والذي لا يتنكر لما قبله، بل يصدق على ما هو أصيل أثيل فيه، ويهيمن عليه بهذا الانفتاح على كل زمان، وكل مكان، وكل إنسان، إلى أن يرث الله الأرض ومن  عليها. فما هي خصائص هذا الكتاب المبين ؟ وما هي مناهج التعامل معه؟

فالمميزات الإعجازية التي يتميز بها القرآن والقوة المكتنزة فيه هي القوة التي يحتاجها إليها عالم مثل عالمنا اليوم في هذا الزمان أكثر من أي زمان مضى، إلا أن الاستمداد منه له آداب وقواعد منها الآداب النفسية والأسس العلمية وقوة المستمد أو المحاور الذي يجب أن تتوفر فيه خاصية الإلمام بالمجال الذي يريد التحاور فيه، وكذلك الاستمرار في الحوار مع هذا القرآن مع استجماع الوسائل المممكنة من ذلك.

وهذه الشروط التي نص عليها علماؤنا تعتبر المنطلق للتعامل البناء في التعامل مع القرآن المجيد، وهي التي من خلاله سوف يتمكن الإنسان من القيام بوظيفته وهي نقل الهداية للتي هي أقوم الكامنة في القرآن الكريم إلى كافة الناس ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

ليخلص فضيلته إلى أن العلم بطبيعة القرآن ووظيفيته يفضي إلى العلم بالمستويات الخمس للتعامل مع القرآن: مستويات القراءة ومستويات التلاوة ومستويات الترتيل فالتنزيل فالتقويم، وهي مستويات تعصمنا من السقوط  في النزول بالكلام الإلاهي إلى مرتبة الكلام البشري، فالكلام الإلاهي متعال عن الزمان والمكان. وبالتالي فالضرروة المعرفية تحتم التعامل معه بمنهج مستمد من داخله يراعي طبيعته وخصائصه، ولاشك أن عددا من المعارف وعددا من العلوم من شأنها تمكيننا من أن نبدأ في علم منهاجي جديد، ونستدرك التخلف والتراجع في التي هي أقوم لكي نرجع للتي هي أقوم.

إذا تم التعامل بهذه المنهجية المعرفية مع جميع العلوم سوف نجدها أجزاء من صورة معرفية جميلة موحدة يمكن أن تعطينا الدافعية المطلوبة لكي نكون أمة لا نكون هملا ولا نكون من سقط المتاع.

ويرى د. أحمد عبادي أن المنهجية المعرفية كشفت عن وجه جديد من وجوه إعجاز القرآن الكريم غير المكتشفة سابقا، تمثلت في قدرة القرآن الكريم على بناء المنهج العلمي الكوني القادر على إعادة بناء الإنسانية من خلال المنهج والمعرفة والثقافة، وإحداث التغيير في العالم كله واحتواء سائر تناقضاته والقضاء على سلبيتها وتحويلها إلى عوامل تفاعل بناء، وتجاوز ثنائيات الصراع والتقابل إلى وحدة في تنوع وتعدد وتوحد.

تلتها ورشة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي (أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال ـ الرباط)؛ بعنوان: “المتشابه اللفظي في القرآن”.

عرض شيخنا الدكتور التهامي الراجي ـ حفظه الله ـ وجها آخر من وجوه الإعجاز للقرآن الكريم، ألا هو المتشابه من الألفاظ الواردة في القرآن، والدلالة على الاختلاف بينها.

و(المتشابه) من القرآن هو: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره؛ إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى. وهو في الجملة ثلاث أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهة اللفظ والمعنى معاً.

كما ذكر د.التهامي الراجي أن لعلم المتشابه اللفظي فوائد عديدة، ذكر منها:

ـ أنه ضَرْبٌ من التفسير لكلام الله، فهو بهذا يكتسب أهميته، كما يكتسب علم التفسير أهميته.

ـ يُظهر إعجاز القرآن الكريم ببلاغته النافذة، وأسلوبه البديع؛ ذلك أن وجود المكرر اللفظي، مع عدم قدرة العرب على الإتيان بمثله دليل على عجزهم.

ـ يدل على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك حين تتجلى الصور البلاغية البديعة في ثنايا المتشابه اللفظي، وقد تلقنها العرب الأوائل وعقلوها، وما حاولوا قط معارضة القرآن الكريم.

ـ يرد على أهل الزيغ والضلال زعمهم أن المتشابه ما هو إلا تكرار يغني بعضه عن بعض؛ وذلك بإظهار عظمة القرآن الكريم، وبلاغته في متشابهه.

ـ التكرار فيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ سورة هود، من الآية:120.

ـ حصول العظة والاعتبار؛ ذلك أن المتشابه فن من فنون القصص القرآني، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يوسف:111.

ـ يساعد على إتقان حفظ القرآن الكريم.

ـ يزيد القارئ لكتاب الله إيماناً؛ لما يتبين له من فنون البلاغة، التي عجز عنها البلغاء، ووقف من دونها الفصحاء.

ثم توجه شيخنا العلامة بالشرح في أسرار اختلاف المتشابه اللفظي في القرآن الكريم من خلال آيات كثيرة نقتصر على قوله عز وجل:

﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾البقرة:34، وقوله في تعالى﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. سورة الأعراف، من الآية:19.

لقد جاءت الآيتان بنسق واحد غالبًا إلا في:

• قوله تعالى في البقرة ﴿ وَكُلَا﴾، وفي الأعراف ﴿ فَكُلَا﴾.

قيل: إن السكنى في آية البقرة: للإقامة، وفي آية الأعراف: اتخاذ المسكن: فلما نُسِبَ القول إليه عز وجل: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾ ناسب زيادة الإكرام بالواو الدَّالة على الجمع بين السُّكنَى والأكل، ولذلك قال فيه ﴿ رَغَدًا﴾، وقال ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ لأنه أعم، أمَّا في الأعراف فقد قال عز وجل: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ فأتى بالفاء الدالة على الترتيب، فالأكل يأتي بعد المَسْكَن الذي أُمِر آدم باتخاذه، وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ لا يعطى عمومَ ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.

وذكر شيخنا العلامة أمثلة كثيرة للآيات المتشابهة لفظا، مركزا على أنه لو ذهبنا نتتبع كل المواضع التي ورد فيها التكرار في القرآن الكريم لوجدنا أنه يأتي لإفادة معانٍ عظيمة في كل مرة، فضلاً عما فيه من التوكيد.

وحملت ورشة الدكتور محمد إقبال عروي (أستاذ التفسير وبلاغة القرآن الكريم ـ أستاذ باحث بمركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء) عنوان: “التفسير الموضوعي: استدراك وتطبيق”.

تحدث فيها فضيلته عن منهج «التفسير الموضوعي»، من خلال العناصر التالية: مفهوم التفسير الموضوعي: فعرفه بأنه: علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر، وألحق د.إقبال حفظه الله بهذا التعريف مجموعة من الاستدراكات حدد عددها في عشر استدراكات من بينها:

1. إن ما كتب في متشابه الألفاظ القرآنية والناسخ والمنسوخ يعتبر من مباحث التفسير الموضوعي.

2. البحث في مقدرات القرآن الكريم لا يضعونه ضمن تراث التفسير الموضوعي وهذا إقصاء لا مبرر له.

3. التداخل بين الموضوع والموضوعية.

ثم تطرق إلى طرق تناول التفسير الموضوعي: من خلال تتبع الكلمة: وفحوى هذه الطريقة: أن يتتبع الباحث اللفظة من كلمات القرآن الكريم، فيجمعها بذاتها أو على صورة إحدى مشتقاتها. وبعد جمع الآيات و الإحاطة بتفاسيرها، يحاول الباحث استنباط دلالات تلك الكلمة من خلال استعمال القرآن الكريم لها.

وتتبع الموضوع: وهذا اللون من التفسير الموضوعي هو المشهور في عرف أهل الاختصاص، بحيث إذا أطلق اسم «التفسير الموضوعي» لا يكاد ينصرف إلا إليه. وآليته أن يلحظ الباحث تعرض القرآن الكريم لموضوع معين، أو تُطرح قضية فيريد أن يبحثها من الوجهة القرآنية، فيعمل على تتبع الموضوع من خلال سور القرآن الكريم، مستخرجا الآيات التي تناولته، ومحيطا بتفسيرها، ثم يعمل على استنباط عناصر الموضوع من خلال القرآن الكريم، عارضا الأستاذ المحاضر نماذج من الآيات الدالة على ذلك.

وخلص إلى أن التفسير الموضوعي تفسير صالح لهذا العصر من حيث مواكبته لمختلف المواضيع المستجدة، وميزته في تقريب مفاهيم القرآن وهداياته بشكل متكامل للإنسان المعاصر. ودليل كبير على إعجاز القرآن؛ فتراكم الدراسات القرآنية بالأسلوب الموضوعي يبين ـ بلا مجال للشك ـ أن القرآن معجز؛ إذ هو ـ من جهة ـ محتو على موضوعات عدة تعد بالآلاف رغم محدودية صفحاته، وهو ـ من جهة أخرى ـ قادر على مواكبة كل زمان، وإجابة حاجات جميع المفكرين والمهتمين رغم اختلاف تخصصاتهم الفكرية.

ثم مداخلة الأستاذة مونية الطراز (أستاذة باحثة بمركز الدراسات والأبحاث في قضايا النساء في الإسلام بالرابطة المحمدية للعلماء) بعنوان: “أضواء على مسارات في التجديد في التفسير واتجاهاته في العصر الحديث”.

تناولت فيهاالمحاور التالية: بيان الحاجة إلى التجديد في التفسير في العصر الحالي، التجديد في التفسير ومقدماته الفكرية واتجاهاته النظرية، عرضت من خلال هذا المحور معاني التجديد، ثم عرضت للاتجاهات العامة للتجديد في التفسير، فحصرتها في أربع اتجاهات، ثم تحدثت عن دوافع المحدثين المصلحين إلى التجديد، وعرجت على الخصائص العامة للتجديد في التفسير في العصر الحديث، ثم أهم اتجاهات التفسير في العصر الحديث.

ثم مداخلة للدكتور أحمد نصري (أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية المحمدية) بعنوان: “قراءة نقدية لمشروع محمد أركون لتجديد مناهج دراسة القرآن”.
عالجت إحدى الدعوات المعاصرة التي تنادي بإعادة قراءة التراث الإسلامي عموما والنص القرآني خصوصا بمنظور جديد يضمن تكييف القرآن مع العصر الذي نعيشه ويتجاوز التفسير القديم أو الكلاسيكي كما يسميه وينعته محمد أركون وأمثاله من صناع الغرب والمتغربين من أبناء جلدتنا الذين درسوا على أيدي المستشرقين ويحاولون إظهار الإسلام بصورة يقبلها العقل المعاصر العربي والغربي حسب زعمهم.
كما دعا إلى تطبيق ما سماه الإسلاميات التطبيقية من أجل تجاوز كل الدراسات التي أنتجها المفكرون المسلمون خلال القرون الماضية في كل مجالات الفكر.
ثم توقف فضيلته على مبادئ فكر محمد أركون والنظريات التي طرحها أخذا عن الفكر الغربي مثل نظرية نقد العقل الإسلامي والقول بأن القرآن لم يتشكل إلا في القرن الرابع الهجري، وضرورة دراسة القرآن ضمن حقول معرفية متعددة يأتي على رأسها الأتبربولوجية الدينية وهذا يظهر جليا جوهر العلاقة الحقيقية بين القراءة المعاصرة للقرآن في مشروع محمد أركون والإنتاج الاستشراقي.

كما يفرق بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية تماما كما فعل المسيحيون حين فرقوا بين الظاهرة الإنجيلية والظاهرة الكنسية، بمعنى استبعاد الجانب العملي من القرآن ليحل محله المنهج الكانت التشكيكي فطالب في هذا الصدد بمراجعة نقدية عاجلة لنصوص القرآن لخلق نهضة ثقافية وثورة معرفية وفق البرنامج الآتي:

1ـ إعادة كتابة النص القرآني بشكل جديد كليا وهذا يعني النقد الجدي أو الجديد للرواية الرسمية التي رسخها التراث المنقول.

2ـ البحث عن وثائق أخرى

3ـ قراءة سيميائية للسانية للنص القرآني

فاستخلص الأستاذ المحاضر مجموعة من النقط التي سعى أركون إلى إثباتها من وراء مشروعه تتجلى:
1ـ إن دعوة أركون إلى الوقوف من القرآن موقف المتسائل يريد منه استبعاد الجانب التشريعي العملي ليظل موضوع القرآن الوحيد هو الجانب العقدي لا غير.

2ـ إن ما دعا إليه أركون من إعادة كتابة النص القرآني بشكل جديد قد سبق أن ألمع إليه المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير أحد أساتذة أركون العظام الذي رأى هو الآخر أن القرآن الكريم لم يتشكل إلا في القرن العاشر الميلادي.

3ـ لقد بلغ الشطط بأركون في التشكيك في مصدرية القرآن إلى درجة أنه دعا إلى الاستعانة بوثائق بعض الطوائف الباطنية مثل دروز سوريا وإسماعيلية الهند رغم أن موقف علماء الإسلام من هاتين الطائفتين موقف ظاهر وجلي.

كما تطرق الأستاذ المحاضر لنظرية أخرى من نظريات فكر محمد أركون الاستشراقية وهي ثلاث نظريات:
1ـ توظيف مناهج البحث في اللسانيات والسيميائيات على النص القرآني والهدف منها تجريد القرآن من الصبغة الإلاهية.

2ـ توظيف نظرية التحليل البنيوي في القراءات الجديدة للقرآن الكريم لاستخراج خبايا النص الاجتماعية.

3ـ توظيف الأنتربولوجيا أو الأناسة في قراءة القصص القرآني: ويعتبر أركون القصص القرآنية هي مجموعة من الأساطير الخيالية مثلها مثل حكايات التوراة.

ويختتم الأستاذ المحاضر بالوقوف على سمات القراءة الجديدة المقترحة لدراسة القرآن منها التي بالغت في تأويل النصوص القرآنية، واتهموا غيرهم من العلماء بالتقليد فهي قراءات مغرضة الهدف منها المس بسلامة النص القرآني وتحريف معانيه وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ و﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

واختتمت الجلسة الثانية بمداخلة للدكتورة فاطمة الزهراء الناصري(أستاذة باحثة بمركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء) تحت عنوان: “الخلفية التاريخانية للقراءة المعاصرة للآيات القرآنية وتحديات التجديد”
في نفس سياق المحاضرة السابقة تتابع الأستاذة المحاضرة حديثها عن القراءات المعاصرة التي تعتمد على الخلفية الحداثية أي الحداثية الأوربية، الهدف الأساسي من هذه القراءات المعاصرة هي إزالة التقديس عن النص القرآني وتناوله كأي نص أدبي وبنفس منهجيات النصوص الأدبية. ورموز هذا التيار على رأسهم محمد أركون وناصر أبو زيد ومحمد شحرور وأبو القاسم الحاج حمد وصادق بلعيد فتثير انتباه الحاضرين أننا بصدد تحريف معنوي للنص القرآني، بعدما تكفل الله تعالى بحفظ القرآن لفظا، والواجب علينا يقتضي حراسة مضمون القرآن إلى جانب الرسم، وكما يقول د.الريسوني «من الواضح اليوم أن هناك اتجاهات بعد أن عجزت عن الطعن في قدسية القرآن ووحيه لجؤوا إلى أسلوب آخر هو تمييع معانيه بلا حدود».

يقول د.زهير بيطار «لأجل هذا كان من الأهمية القصوى اتباع المنهجية التي تقودنا إلى الفهم الموضوعي لأجل عدم الوقوع في التفسير بالرأي المنهي عنه…» وينبه الدكتور محمد الغزالي عن خطورة العبث بدلالات النص القرآني  إضافة إلى الرسم والحروف.

فتوقفت الأستاذة المحاضرة على الجهود المبذولة من لدن الحداثيين في وقتنا المعاصر بما يسمى بإعادة قراءة القرآن والمؤتمرات التي تم عقدها من أجل ذلك سواء في الدول العربية والأوربية.

وهذا يتطلب في المقابل جهودا بحثية من طرف الباحثين للرد على هذه المناهج لضبط وإعادة الاعتبار لمناهج التفسير المعتبرة للنص القرآني بما يسمح باعتباره نصا مقدسا.

ثم انتقلت الأستاذة الباحثة إلى محور ثاني من محاضرتها وهي: التاريخانية وهو موضوع تجاذبه المفكرون طويلا، من خلال وضعها لأسئلة محورية  هامة: ما هي علاقة الآيات القرآنية بالتاريخ؟ وهل الأخذ بأسباب النزول في فهمنا سقوط في التاريخانية؟ وهل يتعارض سمو القرآن وتعاليه على حدود الزمان والمكان مع كونه كتابا واقعيا يتناول مشاكل الناس الحياتية؟

وإن أقوى ما يمكن أن يحاكم به كل صاحب دعوى هو منطلقاته الفكرية ذاتها ذلك حق لنا أن نتساءل عن مدى تطبيق الحداثيين لمفهوم التاريخانية على الحداثة نفسها؟ ولماذا لا يخضع الحداثيون المنهج التاريخاني نفسه للتاريخانية؟

فأجابت الأستاذة المحاضرة بأن المنهج التاريخاني في أصله نشأ مع الفلسفة الأنوارية، التي تقول أن النص الديني ينتمي إلى مرحلة تاريخية هي المرحلة اللاهوتية. والتاريخانية نظرة غائية تقوم على إخضاع الظاهرة للزمانية المباشرة ولا تعترف لهذه الظاهرة إلا بالذاتية التاريخية المتناهية. موردة بقول أركون الذي يقول: المقصود بالتاريخانية هو تحول القيم وتغيرها بتغير العصور والأزمان» فالتاريخانية عنده تعدت النص القرآني فتجاوزته إلى القيم.

                                                                 التقرير من إنجاز:
                                                                ذ. نادية بومعيزة
                                                           مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث
                                                                   (بتصرف)

‫4 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وبعد:
    فنشكركم على هذه الدورة التكوينية ونتمنى أن تنظم دورات تكوينية أكثر إن شاء الله في المستقبل القريب.
    والسلام

  2. جزاكم الله على هذه الدورة المفيدة والتي استفدنا منها كثيرا نسأل الله تعالى أن يجعل جهودكم في خدمة القرآن الكريم خالصة لوجهه الكريم

  3. مشكور كل من ساهم في إغناء تلكم الموائد القرآنية المباركة بمحاضرة أو مداخلة أونقاش…..وهنيئا لمن استفاد منها….، شيء جميل أن يعاد الإعتبار لمثل هذه الدورات التكوينية بجامعاتنا المغربية والأجمل منه أن يعلن عنها سلفا ، عن نفسي كنت متعطشا لحضور الدورة فما وجدت إلى ذلك إعلانا أو
    إعلاما…مزيدا من التوفيق والتألق والله من وراء القصد…تحياتي الخالصة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق