مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

الإصلاح الديني: التحديات والإمكانات

مونية الطراز

 

 

 

الجلسة السادسة لهذا الملتقى الطيّب دارت حول محور الإصلاح الديني: التحديات والإمكانات، ورأستها الأستاذة مروة شرف الدين، فناولت الكلمة أولا للدكتور محمد خالد مسعود من باكستان، حيث أتحف الأسماع بالحديث عن “قوانين الأسرة الإسلامية في عالم العولمة: التحديات والفرص” (باللغة الإنجليزية)، فعالج أولا العلاقة بين قوانين الأسرة والفقه، ووقف عند آفة تغييب التحديات التي نمر بها اليوم في قوانين الأسرة، ذلك أن الأسس والمعايير والسياقات عندما تتغيّر بحسبه فإن ذلك يدفع بالضرورة إلى بناء فقه جديد، ونبّه بالمناسبة إلى ضرورة إعادة النظر في طريقة التعامل مع الغرب فيما يخص حقوق الإنسان، إذ الواجب أن تُستعاد الثقة بين الطرفين، وألا ينظر إلى الغرب على أنه خصم يُصدّ.

في سياق آخر نبّه الدكتور محمد مسعود جموع الحاضرين إلى أهمية الانطلاق من ثقافتنا الذاتية كلما دعا الداعي أن نعيد النظر في قانون الأسرة، نظرا لوجود التنوع والاختلاف الذي نراه في العالم المعولم، على أن يأخذ هذا النظر التغييرات المستجدة بالاعتبار، وأشار إلى أن الواقع كان حاضرا دوما في فقهنا الإسلامي، مع وجود هامش للتنوع يوافق على الحق في الاختلاف.

وبخصوص مفهوم الولاية أشار فضيلته إلى وجود اختلاف ظاهر حول بعض المفاهيم في النص القرآني، فهناك مثلا مجموعة من التأويلات للآية المتعلقة بالولاية منها “عدم العضل” وهنا أورد آراء بعض أئمة الإسلام من قبيل ابن رشد الذي أرجع اختلاف الفقهاء حول الولاية لغياب نص ينص عليها أو يرفضها. وإلى جانب ابن رشد أورد من أصول مالك والشافعي ما يشي بوجود مساحة واسعة للاجتهاد، اعتمدها الفقهاء لبناء آرائهم المختلفة، وفق قواعد تحفظ المضمون التشريعي من التلف، ومن هذا الباب ذكّر بموقف الإمام ابن القيم  الرافض لإجبار البالغ على الزواج.

وحسب الدكتور محمد خالد مسعود فإن هناك نصوصا جديدة في الفقه الحديث تعتمد المقاصد، ويصنف أصحابها مسألة الولاية ضمن دائرة التحسينيات، وليس ضمن الضروريات والحاجيات التي تشكل درجات المصالح.

وقبل أن يختم كلمته وقف الدكتور المتدخل عند أزمة الخطاب الإسلامي، وتأسف لوجود هوة التخاطب والتواصل في العالم المعولم، واعتبر ذلك تضييعا لوظيفة التبليغ، وهنا قال إن مسئوليتنا ثابتة في تبليغ الرسالة المحمدية للأمة المسلمة وغير المسلمة، وهذا يشكل فرصة بأن نصير وسطاء بين الناس.

بعد هذه الكلمة تفضّل الدكتور أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية بالرباط بمداخلة تمحورت حول ضرورة “إعادة التفكير في الفقه في عالم متغيّر”، وقدّم أولا إشادة في حق الملتقى، وبارك مبادرة  انعقاد المائدة المستديرة لمناقشة موضوع القوامة والولاية، وأكد على أن من شأن هذه المائدة أن تقارب بين وجهات النظر.

في بداية الحديث حول الموضوع نبّه الدكتور الخمليشي إلى أن دلالة القوامة والولاية اجتماعية وليست لغوية. وأوضح أن كثيرا من تفسيراتنا الفقهية ترتبط بالنظرة التجزيئية لنصوص الشريعة، وأن عزل الآية من سياقها والتركيز عليها مجزأة من شأنه أن يوقع  في الكثير من المحاذير، وهذا فعلا ما حصل -كما قال- إذ أوصلتنا النظرة التجزيئية هذه إلى ما نحن فيه.

ومن جهة أخرى أشار المتدخل إلى غلبة الآراء التقليدية على فقهاء العصر فيما يخص موضوع المرأة، وتساءل -وهو يشخّص هذا الوضع ويوضح أثره على موضوع القوامة- عن مجال الفقه، وعن درجة الحكم الفقهي، وبأي عين ننظر إليه. وقال في هذا السياق إن الفقه لا يمكن أن يكون دائرة معارف، والتمسك بالقول بأن للفقه أن يقرّر في كل شيء أمر لا يستقيم في نظره. فالفقه يقدّم وجهة نظر ولا يقدّم الحكم الصارم.

في الختام أكّد فضيلته على أن الإسلام باعتباره رسالة سماوية هو فوق النقاش بالنسبة للمؤمنين به، والواجب أن نصلح سيرتنا في مجال الفقه وطبيعته، ولا بد أن نعلم أن أهم ما نسيّر به واقعنا هو القيم والمبادئ الكلية التي توجد في القرآن من قبيل الأمانة والعدل، فالواجب أن نصلح تفكيرنا من البداية، وحينها نستطيع أن نناقش، وأن نميّز بين الرأي المجرد وبين التقرير الذي ينبغي أن يكون جماعيا.

بعد هذه الكلمة قدّمت السيدة مروة شرف الدين ميكرفون الجلسة إلى الدكتور أحمد السنوني، نائب الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، فأشاد بدوره بروح المبادرة لتأصيل المعرفة بمفاهيم شرعية من الداخل، حتى تكون وحدة المرجعية إطارا مناسبا للتقريب بين وجهات النظر، ذلك أننا حين نبحث عن المعقولية والتناسق والانسجام الداخلي للتشريع ومراعاته لمصالح الإنسان، فمعنى ذلك المحافظة على الانسجام الداخلي وروح الاطمئنان لهذا الإنسان الذي ينتمي لهذا الدين. وأكّد أن النظر إلى هذه المفاهيم حتى من خارج المنظومة الإسلامية مفيد في مراجعة النفس وفي فهم النص. وأشار إلى أن مشكلة الوسائط في الفقه تحتاج إلى مراجعات، فهناك وساطة اللغة وكذلك البيئة التي نزل فيها الوحي، وذكّر بالمناسبة أن القرآن لا يتدخّل في التفاصيل لأنها متغيّرة، وهنا يُدعى الاجتهاد عبر مجموعة من الوسائط، وفي هذا الباب يدخل التعامل مع القوامة. ولم يفت المتدخل الفاضل أن يميّز بين ما هو شرع وما هو اجتهاد بشري في الفقه الإسلامي، فذكّر أن هذا الفقه يتميّز بثراء كبير نفهم ضمنه رأي أبي حنيفة في موضوع الولاية، وأكّد في معرض تفصيله لرحابة باب الاجتهاد أن سعة المجالات الظنية في النصوص تسمح لنا بالاختيار والترجيح، على أن يؤخذ الواقع بعين الاعتبار.

 وفي الختام دعا إلى الاهتمام بالمقاربة التربوية بنفس قدر الاهتمام بالمقاربة القانونية. فهذه المقاربة تكون دائما ناقصة وضعيفة التأثير وعرضة للتحايل.

وفي آخر مداخلة لهذه الجلسة، وهي تعقيب ثان تقدم به الدكتور صلاح الدين السمان المحامي المصري، نوّه فيه بتميّز المدونة المغربية وبتقدّمها على غيرها من المدونات العربية. وفي معرض حديثه عن أهمية الاهتمام بتأسيس فهم صحيح حول القوامة والولاية، سرد المتدخل حالات اجتماعية مؤسفة من صميم الواقع المصري، تعبّر عن غياب الوعي بالفهم الصحيح للقوامة على المستوى الشعبي. وأشار بالمناسبة إلى أن القوانين المصرية تعجز عن إيجاد حلول لمآزق الواقع، وقدّم مثالا على ذلك من نموذج ولاية الأم الذي لا تعترف به المدونة المصرية وهذا ما تجاوزه القانون المغربي كما قال.

كما عرض لثغرات يعاني منها القانون المصري تستدعي السعي إلى الإصلاح، من ذلك وصاية الأم التي لا تمكّنها من الأحقية المطلقة على أبنائها، إذ أن منازعتها في هذا الحق قد تكون من جهة العم، وهذا مما ينتظر أن يبث فيه المشرع المصري بالنظر والاجتهاد على غرار الكثير من النواقص الموروثة. وسبيل الإصلاح بعد هذا الوعي لابد أن يتم في إطار المشاورة إذ الحلول دائما في الشورى كما قال.

وبعد هذه الكلمات فُتح المجال للنقاش الذي أغنى ما جاء في المداخلات. ورفعت الجلسة.    

 

نشر بتاريخ: 18 / 12 / 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق