مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث

ندوة علمية في موضوع: نشاط حركة التأليف في سوس والصحراء خلال العهد العلوي

فبراير 6, 2020

انعقدت ضمن برنامج أنشطة الدورة السادسة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء في المدة ما بين 06 و16 فبراير 2020م

في إطار الأنشطة الثقافية والعلمية الموازية لفعاليات الدورة السادسة والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب المنعقدة بالدار البيضاء في المدة ما بين 06 و16 فبراير 2020م نظمت الرابطة المحمدية للعلماء بتنسيق وتعاون مع وزارة الثقافة ندوة علمية في موضوع:«نشاط حركة التأليف في سوس والصحراء خلال العهد العلوي»، تولى تسيير جلساتها الدكتور محمد المنتار رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء، وقد حضرها ثلة من الباحثين المتخصصين.

افتتحت الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تلتها مقدمة لمسير الندوة الدكتور محمد المنتار تحدث فيها عن أهمية الندوة التي تهدف إلى رصد حركة التأليف بسوس والصحراء باعتبارهما حاضرتين علميتين كبيرتين عرفتا نهضة علمية كبيرة في عهد الدولة العلوية الشريفة التي تميزت برعاية سلاطينها للعلم والعلماء، منذ تأسيسها مرورا بعهد المولى إسماعيل، وصولا إلى عهد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.

انتظمت محاضرات الندوة في خمس ورقات بحثية:

الأولى: كانت بعنوان: «مقاصد التأليف عند علماء الصحراء»، ألقاها الدكتور جمال بامي ـ رئيس وحدة علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء ـ استهلها بالحديث عن «شاعرية المكان»، وهي مقولة للفيلسوف غاستون باشلار، ومضمنها أنَّ للمكان جاذبية وشاعرية تؤثر على شخصية مرتاده والمقيم فيه، وبالتالي تنعكس على أعماله، سواء كانت علمية أو غيرها، فإن التأليف لا يمكن أن ينعزل عن المجال العمراني والاجتماعي والاقتصادي وغيره من المجالات، بل كلها عبارة عن وحدة متكاملة غير قابلة للتفكيك، ومن هنا اعتبر المحاضر أنَّ الصحراء كانت أساس بناء الحضارة المغربية على مدى العصور، حيث كانت نقطة وصل بين المغرب ودول إفريقيا، وهذا المشروع التوحيدي الذي يربط شمال المغرب بجنوبه كان مقصدا حاضرا في مؤلفات أحد أعيان علماء الصحراء، وهو العلامة ماء العينين، الذي استطاع بعلمه وجهاده أن يوحد قبائل الصَّحراء، ويدفعها إلى مقاومة المستعمر الذي بدأ يتسلل إلى بعض المناطق الساحلية للصحراء المغربية.

ثم انتقل الحديث في الندوة إلى الدكتور إحيا الطالبي ـ أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر بأكادير ـ الذي خصّص ورقته البحثية للحديث عن: «التأليف الفقهي والأصولي في الجنوب المغربي»، فكشف الستار عن حركة التأليف الفقهي والأصولي لدى علماء سوس والصحراء، وأبرز أن منطقة سوس عرفت عناية فائقة بالفقه والأصول، تأليفا وتدريسا، فمادة الفقه من المقررات الضرورية في المدارس العتيقة، بل كانت هناك مدارس تعتني بنوع معيَّن من أبواب الفقه، حتَّى إنَّ «مدرسة أَدُوزْ» كانت تسمى بـ«مدرسة بيوع الأجل»، لكونها تعتني بهذا النوع من البيوع، ثمَّ قسم حركة التأليف الفقهي لدى علماء سوس إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى: عرفت هذه المرحلة ظهور كتابات في فقه النوازل، حيث برزت مؤلفات كثيرة في النوازل، مثل نوازل القاضي عيسى بن عبد الرحمن السُّكْتَاني(ت1062هـ)، ونوازل العلامة عبد الله بن يعقوب السَّملالي(ت1052هـ)، وغيرهما؛ كما أنَّ جانب التحكيم والقضاء كان من بين سمات هذه المرحلة؛ حتى إنَّ بعض النوازليين كانوا من القضاة.

المرحلة الثانية: وأهم ما ميَّزها ظهور ترجمات لمختصر الشيخ خليل بتاشحليت، وكذلك التأليف في فقه العمل، أي ما جرى به العمل لدى أهل سوس، ومن الأمثلة التي استدلَّ بها المُحاضر على ذلك مسألة حقِّ المرأة في الكَدِّ والسِّعاية، حيث سجَّل أنَّ السُّوسيِّين كانوا سبَّاقين إلى إقرار حقِّ المرأة في المال المجموع خلال مدَّة الزَّوجية.

وفي هذه المرحلة أيضا ظهرت مؤلفات في علم الفرائض، مثل مؤلفات العلامة أحمد بن سليمان الرَّسْمُوكي(ت1133هـ).

المرحلة الثالثة: وخلالها عرفت الحركة الفقهية انتعاشا كبيرا بسبب انتشار كتب النوازل، وأشار الأستاذ المحاضر إلى أنَّ هذه المرحلة اتسمت كذلك ببروز الجانب النقدي في الفقه، حيث أُلِّفَت بعض المؤلفات الَّتي نَحَتْ منحى النَّقد الفقهي، كما فعل العلامة محمد بن أحمد الحُضَيْكي(ت1189هـ)، الَّذي انتقد بعض الحواشي على مختصر الشيخ خليل.

المرحلة الرابعة: وهذه المرحلة تزامنت مع فترة الاستعمار، وذكر المحاضر أنَّ المؤلفات الفقهية المنتمية لهذه المرحلة كانت مسايرة للمستجدات الطارئة، ومع ظهور السيارة، والتلغراف، ألَّف بعض العلماء في حكمهما، وذكر بعض الأمثلة على ذلك.

كما تميز التأليف الفقهي في سوس بظهور منظومات فقهية، مثل منظومات العلامة عبد الرحمن الجُشْتِيمِي(ت1269هـ).

وأما التأليف الأصولي لدى علماء الصحراء، فقد ساهم فيه عدد من العلماء، مثل العلامة عبد الله بن إبراهيم العلوي(ت1235هـ)، الذي اشتهر بمنظومته «مراقي السعود لمبتغي الرُّقي والسعود»، وشرحها «نشر البنود»، ثم إن هذا الحضور الأصولي تعزّز مع المدرسة المَعِينية وشيخها ماء العينين، الذي ألّف عدة مؤلفات في علم الأصول أهمها: «المُرَافق على الموافق»، وهو شرح لكتاب الموافقات للشاطبي، ويقال إنه أول من أدخل كتاب الموافقات للصحراء، وله كذلك «الأَنْفَس في الأنظام لورقات علم الأعلام»، وهو نظم على الورقات لإمام الحرمين، ثم شرحها في كتاب آخر سماه «الأقدس على الأنفس»، وغير ذلك من المؤلفات والأنظام الأصولية، كما لاحظ المحاضر حضور جانب التقعيد الفقهي لدى هؤلاء العلماء.

وفي ختام ورقته خلص المحاضر إلى أنَّ التأليف الفقهي والأصولي لدى علماء سوس والصَّحراء لم يصل إلى مستوى الجدة والإبداع؛ فغالب الأعمال تتعلق بخدمة متون متداولة إما شرحا أو تحشية أو نظما.

وأما الورقة البحثية الثالثة المدرجة ضمن هذه الندوة فكانت بعنوان: «المصنفات الحديثية لعلماء سوس والصحراء» أعدّتها الدكتورة حنان الجد ـ الباحثة المؤهلة بالرابطة المحمدية للعلماء ـ تتبعت فيها المصنفات الحديثية لعلماء هذين القطرين، وركزت في المحور الأول على نماذج من المصنفات الحديثية لدى علماء سوس، وذكرت أسماء بعض الأعلام الذين صنفوا في علم الحديث، منهم: العلامة محمد بن سليمان الرُّودَاني(ت1094هـ)، الذي وضع مؤلفات كبيرة في علم الحديث أهمها: «جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد»، جمع فيه بين كتابي «جامع الأصول من أحاديث الرسول»، لابن الأثير الجزري، وكتاب «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» للهيثمي، وله كذلك كتاب «الجمع بين الكتب الخمسة والموطأ»، وله رسالة في «أوائل كتب الحديث»، كان يُجيز بها من طلب منه الإجازة، وله كذلك «مائة حديث في الترغيب في اصطناع المعروف»، وغير ذلك من المؤلفات الحديثية التي ميّزت التأليف عند العلامة الروداني رحمه الله، وعرفت الباحثة بكل واحد من هذه المؤلفات.

ثم انتقلت إلى المحور الثاني من المحاضرة، وهو التعريف بنماذج من المؤلفات الحديثية عند علماء الصحراء، ومن أمثلتها كتاب «النهر الجاري على صحيح البخاري»، للعلامة المحدث محمد بن سالم المجلسي الشنقيطي(ت1302هـ)، وهو عبارة عن شرح على صحيح الإمام البخاري.

ونوّهت أيضا بالعلامة الشهير بماء العينين وإسهامه الوازن في مجال الدراسات الحديثية بالصحراء، وعرّفت الباحثة بعدد من مؤلفاته الحديثية، منها كتاب «صلَة المُترحِّم على صلَة الرَّحم»، ويحتوي على نيف وأربعمائة حديث، وكتاب «مُنِيلُ البَشِّ فيمن يظلهم الله بظلِّ العرش»، حيث تكلم فيه على حديث السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

وأما المحور الثالث من المداخلة فكان حول التعريف بنماذج من المؤلفات الحديثية لعلماء جنوب الصحراء، وتحدثت فيها عن مؤلفات العلامة أحمد بابا التنبكتي(ت1036هـ)، ومنها: «المنهج المبين في شرح حديث أولياء الله الصالحين»، وكتاب «البدور المسفرة في شرح حديث الفطرة»، وفي السيرة وما يتعلق بها ألف رحمه الله كتاب: «نشر العبير بمعاني آيات الصلاة على البشير النذير»، و«الدر النضير في كيفية الصلاة على البشير النذير»، و«خمائل الزهر في كيفية الصلاة على سيد البشر».

ومن هؤلاء الأعلام الذين عرَّفت المحاضرة بمؤلفاتهم أيضا العلامة الحاج الحسن بن آغيد الزيدي(ت1123هـ)، فقد نظم كتاب «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر»، للحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب سماه: «روضة الأزهار»، ثم شرح هذه المنظومة في كتاب آخر سماه «قرة الأبصار في شرح روضة الأزهار»، وله أيضا «نظم في ضبط المشتبه من رجال الصحيحين».

ثم ختمت بالتعريف ببعض مؤلفات العلامة محمد بن يحيى الولاتي(ت1330هـ)، مثل كتابه «نور الحق الصبيح في شرح بعض أحاديث الجامع الصحيح»، و«نظم في مصطلح الحديث»، و«اختصار موطأ الإمام مالك».

أما العرض الرابع في هذه الندوة فكان بعنوان: «عناية علماء سوس والصحراء بتدوين رحلاتهم»، للدكتور عبد القادر سعود ـ الباحث بمركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء ـ استهله بالحديث عن سوس والصحراء؛ باعتبارهما منبتا للعلم أخذا وعطاء، وفيما يتعلق بأدب الرحلة عند السوسيين فقد اعتبر المحاضر أنَّ السُّوسيِّين كانت لهم عناية كبيرة بتدوين رحلاتهم، ولكن كلَّما تجدَّد مسار الرِّحلة كان ذلك مدعاة للجِدَّة والتَّميُّز فيها، كما سجَّل أنَّ هذا الفَنَّ عرف نشاطا كبيرا في عهد السُّلطان العلوي المولى إسماعيل، ومن بواكير الرِّحلات السُّوسية رحلة العلامة أبي العباس أحمد الهشتوكي(ت1127هـ)، المسماة:«هداية الملك العلام إلى حجّ بيت الله الحرام، والوقوف بالمشاعر العظام، وزيارة النبي عليه الصلاة والسلام»، وهي إحدى رحلاته الثلاث.

وذكر المحاضر أنَّ من إبداع السوسيين في تدوين رحلاتهم أنَّ بعضهم خالف المعهود، فاتجه إلى نظم رحلته، كما فعل الرَّحَّالة سعيد بن أحمد الإدريسي الكثيري الهشتوكي(ت1294هـ)، ولم يقتصر تدوين الرحلات على الرحلات الحجازية، بل شمل حتى بعض الرحلات نحو وجهات أخرى، سواء كانت داخلية أو خارجية.

والأمر نفسه بالنسبة لعلماء الصحراء حيث نجدهم ضربوا بسهم وافر في هذا الفن، منهم العلامة ماء العينين بن عتيق(ت1376هـ) الذي ألّف «الرحلة المَعِينية»، وذكَّر في هذا الصدد بالروابط العلمية والتاريخية التي تجمع علماء الصحراء بالمغرب وأهل شنقيط على الخصوص، حيث كانوا يجعلون المغرب نقطة انطلاقهم نحو الحجاز.

ثمَّ عرَّف المحاضر بنماذج من هذه الرحلات مثل رحلة «المُنَى والمِنَّة»، لابن طوير الجنة(ت1265هـ)، ورحلة محمد بن يحيى الولاتي(ت1330هـ)، هذه الرحلة التي ضمنها مؤلفها مسائل ونوازل فقهية أكثر مما ضمنها وصف الأماكن التي زارها أو مرَّ بها، وهو ما اعتبره المحاضر تطورا مهما في كتابة الرحلة.

وخُتِمَتْ أعمال الندوة ببحث في موضوعالتعريف بمؤلفات سيدي المصطفى الشهير بماء العينين(ت1328هـ)»، أعدّه وألقاه الدكتور محمد عالي أمسكين ـ أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بطانطان ـ وبدأه بالحديث عن مكتبة الشيخ ماء العينين، التي اعتبرها من أكبر المكتبات بالجنوب المغربي، حيث كانت تُشدُّ إليها الرحال، وتُضرب إليها أكباد الإبل، لما تحتويه من الكنوز والذَّخائر العِلمية، التي بلغ عددها نحو عشر آلاف كتاب.

ثم بعد هذه المقدمة الوجيزة انتقل الباحث إلى الحديث عن مؤلفات العلامة ماء العينين رحمه الله، ونبَّه على أنَّه كان كثير التَّأليف، دائم التَّقييد، وأنَّ ما عرف من مؤلفاته ليس إلاَّ القليل ممَّا ألَّفه رحمه الله، وذكر أنَّ بعض الباحثين أوصلها إلى نحو أربعمائة كتاب، في حين أنَّ ما عُرف منها نحو مائة وعشرين كتابا فقط، شملت مختلف العلوم والفنون، مثل: التفسير، والحديث، والتوحيد والعقيدة، والفقه، وأصول الفقه، والتصوف، والنحو واللغة والعروض، والفلك، والتاريخ، وغيرها، وفي كل علم من هذه العلوم، سرد المحاضر جملة من مؤلفات الشيخ ماء العينين، مع الإشارة إلى ما يتوفر من معلومات عنها من كونها مخطوطة أو مطبوعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق