مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

سيبويه وكتابه في أدبيات المقارئ المغربية

أكتوبر 24, 2019

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين وصلوات ربي وسلامه على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين

تواطأت أكناف مركز الإمام أبي عمرو الداني (هيئة إشراف وفَيْلق بحث) وتمهَّدت يوم: الخميس 24 صفر 1441 الموافق ل‍‍ 24 أكتوبر 2019 برحْبة مراكش الحمراء؛ لِطُروء العلامة الدكتور عبد الهادي حميتو – سلَّمه المولى – في لَمَّةٍ من الصَّحْب الأماجد وهم: الدكتور عبد الله البخاري، الدكتور مصطفى سليمي، الدكتور حسن حميتو، تَكَنَّفتْهُم نُخَبةٌ زكيَّةٌ من بحَثة المركز وفِتْيته النُّجُب.

فَهُرعَ أَهْلُ المركز وقُيَّامُه لإعلاء مِنصَّة التَّرحاب وتَرْداده، وعرفان سابغ الفضل للجِيرَة الأضياف الجماجم (منصباً أَسْمى وسيرة رُحْمى)، فتمَنَّع الشَّمْل وتعزَّزت الحوْزة ومُخِضَ وَطْب المذاهنة، ثم إنه لما احْتَبَوْا الميْدان وتوسَّطوا الفِناء وحَمِدوا عاقبة الإصعاد بعد الكَدّ والعَناء؛ اقتعد العلاَّمة عبد الهادي حميتو كرسيَّ الوَفادة للفَرْش مع النَّشْر بغْية الإسعاف بالإفادة، إذْ آضَ فخَلَّل لسانه ببلاغة عَوْد التحيَّة، فَآلَ فرَّدها بل فَاءَ لأحسنَ منها، توسُّلا بها بين يدَيْ مطلبه، و إعرابا منه لخليج الصدر وصريح مخبره ، لمّا شَفَع نَفْل المحبَّة بفرضه، ثم انطلق مُشيداً مُنوِّهاً بمرتبة المركز وأهله  بين منائر العلم – غربا ومشرقا – ومعاهد مَوَاتِّ الذِّكر وأَفْنان فَسْره وسائر موادِّ تصرفاته، فتألَّقت لكُلِّ ذلك سَماوَةُ المحَلَّة العَمْرية، وبَجحَتْ مَقامته المراكشية، لما زَجَّ القوم بعضا لبعض رسل أدب النفس، فأقاموا صدور المطي في تثقيف جَواسِّها اللطيفة، وخَلَعُوها قِبَلَ أدب الدَّرْس وتنقيح صنعته البديعة.

ثم إنه لما اعتدلتْ كِفَّتا ساحة المجلس، وامتلأت ضِفَّتا مَباءة العرْض والدرس؛ كان مُثارُ القول الذي بُسط له نِطع الإفهام، وأُلقي عليه جِرَانُ الإرادة؛ رُقعة خَفَّاقة سَجِيلَة اتُّخذ لها دَلُّ:(سيبويه وكتابه في أدبيات المقارئ المغربية).

وقبل الشروع في امتهاد المقصود، والخوض فيما لأجله تنادت قُروم الوفود، جعل الأستاذ عبد الهادي حميتو مِهْدَة المقالة وديباجة المقامة؛ إلماعةً عَجْلى تبغي فَسْر مركَّبات ما أَدْلى به علواناً، فاتخذه وسْما طالعا صادعا عن مضمون قِيلِه: (سيبويه وكتابه في أدبيات المقارئ المغربية)، إذ اقتصد في نشْر حَلِيَّة أَمْره، وبَعْث جَليَّة حاله، فلم يَعْدُ في إبانة معالمه وإبلاغ ملامح سرّه إقامةَ فرضه، فأما سيبويه؛ فإليه يساق الحديث برُمَّته، ثم الأدبيات عَنى بها طرائف الفن ومستظرفاته، ومن مادّتها شُقّ المؤدِّب لمتعهِّد الصِّبية وصَيْقل أذهانهم حالاً بعد حال، وأما المقارئ فخلاف المدارس ذات المقومات البنائية الفَذَّة والخصائص الفنية المُزَيَّلة، إذ المراد بها عند الأستاذ محض الظروف وأَحْياز الدرس والإقراء، وتطلق أيضا على الحرف أو الوجه الأدائي وما يقرأ في الحضرة وما إلى ذلك، وأما النسبة إلى المغاربة فلها استعمالان شائعان قديم وحديث، والاستعمال القديم كان أوسع نطاقا إذ يراد منه ما يقابل المشارقة، وعند الأستاذ عبد الهادي حميتو؛ فالمغرب بذلك يُسَامت إطلاق الغرب الإسلامي بحذافيره وأحيازه.

وعليه؛ فمقالة الأستاذ حميتو في الكتاب وشئانه، تُعد تَوْثيراً أَثيلاً لتجديد ذكرى أبي بشْر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي البصري (180ه‍)، وارث سرِّ الخليل بن أحمد الفرهودي (170ه‍)، ومؤلف (الكتاب)أو (الظاهرة النحوية) دستورصنعة العربية ورصيف قوانينها الكلامية، وذلك بتنوير الأفهام بإلمامات شتى من سيرة الرَّجُل وخبره، وبذْل إسهامه الفَذّ في تثوير مطالب الدرس القرائي بإنهاج سبيل الحجَّة والعلّة فيه؛ تذرَّعتْ بحُبكة من البيان تشفُّ في صيانة عن حذاقته النحوية، كما تُعْرب في نَباوَة عن مهارة صناعية بادية في بسط قوانين العربية، واستيعاب فصولها وغاياتها التي جرتْ وَفْقَ مناسبات خفية واتفاقات سماوية، مع ما حُبي من الإحسان والزيادة في ضبط عوارض اللسان، وظواهر تصريف ألفاظه وأساليبه، دَقَّ مُدْرَكها ورَقَّ مسلكها، فأضحى بذلك غُرَّة الكتيبة ودرّة النتيجة.

على أن البحث في سيبويه وإسهامه وإن كان مُستراداً نضيجاً محترقاً؛ فإنه من قبيل الحديث المستلذّ غير المملول، فكأنما هوحياةٌ أعيدت في امرئ بعدما قضى، ولأجل ذلك شُدَّت عليه يد الضّنانة شرحا وتعليلا وتنكيتا وتأويلا وترتيبا وتجديدا … في كل أوان وحين، ومع كل جيل ورعيل… ولقد أورد الأستاذ طائفة من الإتحافات المجلِّية لقدر الكتاب وصاحبه مثل: (سيبويه إمام النحاة )، (سيبويه وأثره في نحاة الكوفة  حتى القرن الرابع الهجري)، (سيبويه من الأندلس إلى المغرب) وغيرها، ثم خاض في تَبْدية مواقف المؤيدين والمعارضين لسيبويه وكتابه، من جهة ظروف الجمع والحشد والسماع والرواية وما أَشبه، فساق لذلك شهادات علماءَ أفذاذ، حَلِيَتْ بوَشْيها أوضاعُهم وَعَضَّلَتْ بها مِتَانُهم؛ كأبي الطيب (351ه‍) في مراتب النحويين، والنديم (438ه‍) في الفهرست، والأنباري (577ه‍) في نزهة الألباء وغيرهم، ثم أشاد بفضل الأخفش الأوسط (سعيد بن مسعدة) (215ه‍) في نَشْر مذهب سيبويه بالبصرة، وكذا الجرْمي (225ه‍) الذي عُدَّ من أثبت الناس في كتاب سيبويه، ثم المازني (249ه‍) والحسن بن هانئ (199ه‍) والجاحظ (255ه‍) والشاطبي (790ه‍) وابن جني (392 ه‍) والمعرّي (449ه‍) والمبرّد (286ه‍) وكثير من الناس، ممن احتفى وقرَّظ، ودبَّج أو طرَّز، ثم عَطف الأستاذ فَعَاجَ على ذكر قصَّة اللَّسع الشهيرة بالزُّنبورية (ذباب لسّاع)، والتي شَدَّ حَلقَتَيْ بِطانها، ومَسَّك إبْزام حِزامها؛ سيبويه النحوي والكسائي المقرئ (رئيسا مدرستي البصرة والكوفة)، بتَعْويز من الوزير يحيى بن خالد البرمكي، وبحضرة الرشيد هارون، تقديراً لِلَسْعَة العقرب والزنبور، وأيهما أشد حَرّاً، (فإذا هو هي) أو(هو إياها) أي مثلها، وتلك أُلْقيةٌ إعرابية، وأنموذج صريح في المغالبة العلمية، والمعاياة الذهنية والمُعَازَّة اللفظية … وقد تناقلتها برواياتها (رواية الزجاجي (340ه‍)، رواية الزُّبيدي (379ه‍)، الخطيب البغدادي(463ه‍) …) وأسانيدها سُفراء تاريخ بغداد، وأَهِلَتْ برَجْع صَداها دواوين الطبقات والمجالس والأمالي … واتخذتها دثارا شعارا، ومثالاً في الإزراء بهيْبة الأفاضل الأخيار الكبراء، خاصة ممن ابتُلوا بمنادمة الأمراء ومخالطة السلاطين وغشيان مجالسهم، وابتغاء الزُّلفى عندهم بموافقة أمزجتهم وتزكية مساعيهم وما إليه، ومما أَوْغَر صدر سيبويه وأطْمى خطب الهزيمة لديه؛ تعطُّل ألسنة أعراب الباب عن نصرة مذهبه النحوي، وتقهقرهم في المطاوعة لوجهه وإعرابه، إذ باء بعدُ بالخيبة والانكسار وفي قلبه حزَّازٌ من الغَمِّ حامز، فانْفَتَل مُيَمِّما شطر بلاد فارس، ثم من ورائها بمُدَيْدة لُسِّعَ، ثم مات كَسيف الحال أَسيف البال، وهو في ماء شبيبته ورَيْعان حداثته، فالله المستعان، وقد نظم نثار ما جرى في هذه الوقيعة غير واحد من الأعلام الأعيان مثل: حازم القرطاجنّي (608ه‍)، وأبي حيان الأندلسي (745ه‍)، وكذا السلطان عبد الحفيظ أبو المواهب (1356ه‍) وغيرهم.

على أن عرفان مزيَّة الكتاب والاحتفال به وبصاحبه؛ لم يبق أسيرا بالمشرق حبيسا بأقاليمه، كلاّ بل سارت به ركبان التمثُّل والعناية والغَرام عَنَقاً فسيحا إلى القطر الغربي الأندلسي عن طريق: محمد بن موسى بن هاشم الأقشتين(307ه‍)، وطريق منذر بن سعيد البلوطي (355ه‍)، وطريق محمد بن يحيى الرباحي (358ه‍)، وطريق عبد الله بن حمود الزبيدي (372ه‍)، فحفظه الناس واستظهروا مسائله، وأثاروا كنوزه وفكّوا رموزه، وقرّبوا قاصيَه وراضوا عَصيّه، وفتحوا مغلّقه وأوضحوا مشكله … ثم بلغت الحال بالكتاب وبالعناية به؛ أَن زخرت المكتبة اللغوية والقرائية بحشود عريضة من الأعلام، الذين اتصلت أياديهم به على جهة التصحيح لمتنه والشرح لشواهده وأبنيته، والاِكتناه لنكته والبسط لتعليقاته واعتراضاته وانتصاراته وما إلى ذلك.

ومن معالم الولوع بالكتاب والغَرام في المقارئ المغربية؛ بروز الجماء الغفير من الإسهام الطريف الجلي مثل: تأليف الأعلم الشَّنتمَري (476 ه‍) المسمى ب‍النكت في تفسير كتاب سيبويه، ثم تقريظ ابن العربي لسيبويه ضمّنه – خاصة – كتابيه الفذّين: العواصم من القواصم وقانون التأويل، ثم إشادة العلامة ابن خلدون به في مقدمة كتاب العبر له، وكذا ابن هشام في مغني اللبيب، ثم تقريظ ابن خروف للكتاب وصاحبه، كما لا ننسى اهتمام العلامة السهيلي بالكتاب في نتائج الفكر وتوقيره له، وغير ذلك كثير.

فبالغ الناس في الاعتناء بمسائله وأدركوا فيه شأوا بعيدا تحصيلا ونظرا وتصرفا، قال أبو حيان الأندلسي (754 ه‍): وما زال بأفقنا المغربي الأندلسي على بعده من مهبط الوحي النبوي علماء بالعلوم الإسلامية وغيرها … ومما برعوا فيه علم الكتاب (لسيبويه) انفردوا بإقرائه … دون غيرهم من ذوي الآداب، … أنهجوا شعابه وذللوا صعابه وأبدوا معانيَه في صورة التمثيل وأبدعوه بالتركيب والتحليل … ولم أَلْق في هذا الفن من يقارب أهل قطرنا الأندلسي فضلا عن المماثلة، ولا من يناضلهم فيداني في المناضلة (خطبة كتاب البحر المحيط ص 11)، وهو بذلك يصور لنا واقع الدرس النحوي الأندلسي المغربي وما آل إليه بعد تحوّل الكتاب من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية، حتى أضحت حيازة كتاب سيبويه وعرضه بمسائله معلما من معالم النبوغ والتفوق، فقد أَحْدث أهلُ الأندلس مذهبا خاصا في تعليم الكتاب وتدوين مسائله وادَّرَكوا فَوات أهل المشرق (ق 4) تُرجم بما عُرف – بعد ُ – بمذهب المغاربة أو الأندلسيين (ق 5)، ففي بداية القرن الخامس الهجري اتخذ المغاربة كتاب سيبويه قِبْلةً ومَثابةً لتحقيق النهضة النحوية، والعودة بينابيعها إلى عهد البداوة الفطرية، والسليقة العربية الصفية، فتكاثرت حَفَظَته وتوفَّرتْ سَدَنتَه وخدَمتُه أمثال: حمدون النحوي القيرواني (بعد 200ه‍) وخلف بن يوسف الشنتريني (532ه‍‍) وغيرهما، ثم اتسع نطاق شرّاحه والمعلّقين عليه أمثال أبو بكر الخشني (323ه‍) وابن الطراوة (528ه‍) وابن خروف (609ه‍) وابن الباذش(538ه‍) وغيرهم، وما إسهامات ابن الضائع أبي الحسن الإشبيلي (680ه‍‍) شارح كتاب سيبويه بغائبة عن تصوير مشهد الحَراك النحوي، وتبيين حدود الطَّفرة الفنية التي أثخنت مسائل الكتاب، وبلغت به مقام التتميم والتثمير وما إليه، فقد أُثرت عنه أوضاع جمّة مثل: (رد اعتراضات ابن الطراوة على سيبويه)، (رد اعتراضات البطليوسي على الزجاجي) وغيرهما، قال المقري (1041ه‍) عن ابن سعيد المغربي (685ه‍): والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة، حتى إنهم في هذا العصر (ق 7) فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا حدّة … والبحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تختفي عليه الدقائق؛ فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء (نفح الطيب، الباب الأول: القرآن والعلوم الشرعية بالأندلس)، فامتدت لذلك مسائل مذهب المغاربة والأندلسيين، واستطالت قواعد استنباطهم وأصول استدلالهم، وتعددت تخريجاتهم وتنوعت اختياراتهم، التي عَمَّت عائدتُها أهل المشرق بعد أُفول نجم الصنعة النحوية بأقطارهم، ثم تدفّقت وفود المغاربة – للحج أو الإقامة – بعد انقطاع مَدَد العراق على مدن الشرق كمصر والشام، في مخالفة صريحة لمذاهب البصرة والكوفة وبغداد، والشواهد الدالة على هذا النَّفاق الذي مَسَّ جوانب الدرس النحوي أكثر من أن تستقصى، فقد ترددت اختيارات المغاربة – صراحة – في المدونات والأسفار، للدلالة على جديد مذهبهم وما إليه، كما هو مبثوث عند ابن هشام (761 ه‍) والسيوطي (911 ه‍) والأشموني (929 ه‍) والصبّان (1206 ه‍) وغيرهم … ففي كل ذلك تجد عبارة: (ومنعه أكثر المغاربة)، (قال جماعة من المغاربة)، (أجاز بعض المغاربة)، (عند المغاربة)، (والمغاربة يقولون)، (عليه طائفة من المغاربة)، (لم يشترط ذلك المغاربة)، (إليه ذهب متأخروالمغاربة) وغير ذلك من التركيبات المفهمة والتصريحات الدالة على قدر المغاربة، وتمّكنهم من الصنعة النحوية بعد، ولقد تتبع المقري في النَّفح أشهر أعلام نحاة الأندلس والمغرب، فلفَّها ونشرها في تناغم بديع مثل له  ب‍: ابن عثمان النحوي المغربي الشهير ب‍جودي (198ه‍)، ومحمد بن إسماعيل حمدون (كان حيا في 200ه‍)، محمد بن موسى الأفشنيق الأندلسي (307ه‍)، محمد بن يحيى الرباحي الأندلسي (358ه‍)، أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي (379ه‍)، ويوسف بن سليمان الشهير بالأعلم الشَّنتمَري (476 ه‍)، وابن السيد البَطليوسي(521 ه‍)، وابن الطراوة سليمان بن محمد المالقي (528 ه‍)، وابن الباذش أبو الحسن علي بن أحمد الغرناطي (538ه‍)، وابن طاهر أبو بكر الخدبّ الإشبيلي (580 ه‍)، والسهيلي أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الله المالقي (583 ه‍)، وابن مضاء أبو العباس أحمد بن عبد الرحمان القرطبي (592 ه‍)، وأبو موسى الجزولي المراكشي (605 ه‍)، وابن خروف علي بن محمد الإشبيلي (610 ه‍)، والشّلوبين أبو علي عمر بن محمد الإشبيلي (645 ه‍)، وغير هؤلاء من ذوي الأيادي الفضيلة على الدرس اللغويوالنحوي.

ومما يُجلّي اهتمام المغاربة بسيبويه وتعلُّق نياط القلب به؛ أَن ذاع بالقطر المغربي ما يُعرف بالحوالات الوقفية أو الحبسية، التي تُتَرجم في المخصَّصات المادية المكرَّسة لإقامة أَندية العلم وحِلَقه بجامع القرويين بفاس، حيث اتخذ المغاربة كرسيا لقراءة كتاب سيبويه يُنتدب له كبار النظار من العلماء، وينخرط في سلك الإفادة منه من له عزيمة التفرّغ للدرس النحوي – خاصة – وَفق النمط البصري على طريقة سيبويه، وقد جاء في ترجمة المكودي الفاسي (807ه‍) أنه كان يلقِّن كتاب سيبويه بمدرسة العطارين، وقيل إنه آخر من درّس سيبويه بفاس، وإن كان  ثمة من يرى أنّ تدريس سيبويه استمر بعد المكودي مع العلامة أبي حفص الفاسي(1188ه‍) وعبد الله كنون (1410ه‍) وغيرهما.

ومما يتصل بفائق العناية التي حظي بها الكتاب من لدن أهل القطر المغربي؛ أنهم أنهجوا في تلقي النحو مَهْيعا سراطا، يَعتمد على لزوم رِكاب الرواية ومِساك السند في أخذ الكتاب وإجازته مثل سائر العلوم الأخرى: (القراءات، الحديث، …)، إذ كانوا يسندون النحو إلى واضعه الأول، فيثبتون رجالات السند متصلة متواترة في غير انقطاع أو ما شابه، ومن ذلك إسنادهم الكتاب لسيبويه الذي اشتهرت فيه الرواية عن طريق الأخفش، سواء فيه السند المشرقي أو السند المغربي.        

وفي تِمّ هذه الزَّورة النحوية، و قُبيل انفضاض شَمْل هذه المقامة السيبويهية، التي مدَّ رَوْقها وعقَّد طُنُبها الأستاذ عبد الهادي حميتو، طرَّرها بفذْلكة مُلَمْلمَة لأَشْطان ما شهدته بلدتيْ فاس ومراكش خاصة، من المساجلات العلمية والمطارحات الفنية بين شيوخ العلم، وأرباب المدارك في الأزمنة الغابرة، مما يتصل بمباحث العربية كالنحو ومتن اللغة وتوابعهما، كما نوّه ببعض النحاة الأفذاذ الذي دخلوا مراكش كالشلوبين أبي علي (645ه‍) صاحب (التوطئة)، وذلك أيام المنصور من بني عبد المؤمن وغيره من الأعلام النحاة. ثم فتح مُسيّر الجلسة والمشرف على شؤون المركز العلمية (الدكتور توفيق العبقري) بابة التثوير والتثمير لما جاد به الأستاذ عبد الهادي حميتو، وأفاد من المثارات العلمية والمثافنات اللغوية، مما يلطف أو يظرف، ثم وَعَد بقابل اللقاءات العلمية وتواترها – بإذن الله تعالى – مما يخدم جانب النص القرآني ويجسد مقاصده وما إليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تَبع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق