إيمريكلي

تعتبر إيمريكلي ناحية طبيعية بالصحراء المغربية تقع جنوب «رأس بوجدور» بين النواحي الطبيعية التالية: «الحسيان»، و«درعة افرافير»، و«القراب»(1)، وتحتل جزءا هاما من جماعتي «لمسيد»(2)و«الجريفية»، وجزءا صغيرا من جماعة «كلتة زمور»، وهي تابعة إقليميا لعمالة «بوجدور»، بحيث يحدها شرقا كتلتي «الركيبات» و«زمور»، وجنوبا السلسلة البلورية «لأولاد الدليم» و«جبال اكركر»(3)وجزءا من «السهل الساحلي الجنوبي»(4)لـ«واد الذهب»، وغربا «المحيط الأطلنتي»، وشمالا «حوض العيون ـ بوكراع»(5).

وتنتمي منطقة «إيمريكلي» جغرافيا للحوض أو السهل الساحلي الذي يمتد من «طرفاية» شمالا إلى «أدرار سطوف» جنوبا، وهناك من الجغرافيين من يصنفها بالهضاب الساحلية المنخفضة.

هذا الحوض الساحلي تعود تكويناته ‏الجيولوجيا إلى رواسب تراكمت في الزمن «الجوراسي»، وهي تختلف من حيث النوع والسُّمك من الشمال حيث «حوض العيون ـ طرفاية»، إلى الوسط حيث «حوض بوجدور ـ إيمريكلي»، وصولا إلى «حوض واد الذهب» جنوبا. كما تضم تكوينات كريتاسية ونيوجينية، بالإضافة إلى التوضعات البليورباعية على شكل ظلفاء كلسية أو رصيص صدفي أو فتاتي(6).

‏وتنقسم أرض «إيمريكلي» سواء عند السكان المحليين أو حسب تربتها إلى جزئين:

ـ «إيمريكلي لحمر» يقع في  الجزء الشمالي.

ـ و«إيمريكلي لبيض» في الجزء الجنوبي(7).

وهذا التنوع في اللون الترابي يرجع بالأخص إلى التكوينات الجيولوجية التي تشكلت فيها، ويمكن شرحها على الشكل التالي:

ـ الترياس: وهو عبارة عن طبقات حمراء مكونة من الصلصال، وطمي متصلب، وحث، ورصيص، مع وجود صخور أخرى إبخارية تتخللها مستويات من البازالت والدوليريت.

ـ الجوراسى:‏ولا يظهر إلا في الجزء الشمالي من الحوض، أي «العيون ـ طرفاية» حيث يميز فيه بين مستويين:

‏ـ المستوى الأول:‏يتكون من صخور الحث والطمي والكلس والدولومي، ويمثل في الحقيقة الجوراسي الأسفل والأوسط اللذين توضعا فوق طبقات الترياس بشكل متنافر.

‏ـ المستوى الثاني: يبدأ في القاعدة برصيص وهو دليل على حدوث عملية الطغيان البحري خلال فترة الكالوفي الأسكفوردي، يعلوه كلس طفلي وكلس رملي مع بعض مستويات الطفل بسُمك يصل إلى حوالي 1500م.

‏ـ الطباشيري:‏عرفت فيه المنطقة تراجعا بحريا خلال الفلانجيني، تشكلت على إثر ذلك دلتات كبيرة الحجم امتدت الأولى في الشمال قرب «طانطان»، والثانية جنوبا عند مستوى «بوجدور» في فترة الألبي ـ الأبسي حدث غمر بحري جديد مسؤول عن تواضع طبقات كلسية في مياه ضعيفة العمق. وخلال الصينوماني ـ التوروني عرفت المنطقة الساحلية نشاطا إرسابيا ‏تمثل في توضع ما يعرف بالصلصال الأسود، أعقب إرسابات من نوع محاري كدليل على تراجع مياه البحر في هذه المنطقة والتي ستعرف بروزا مهما في نهاية الطباشيري.

‏ـ النيوجين: ‏تميزت هذه الفترة بالتنوع الإرسابي: كلس حثي، مستويات محارية، صلصال كلسي وكلس رملي. ولا يتجاوز السُّمك الكلي للنيوجين 100م في الجزء الغربي من الحوض بينما يمر على التوالي إلى سحنات قارية في اتجاه الشرق.

‏فوق هذه الأرض البلورباعية تنتشر عديد من «السبخات» و«لكراير»، منها:«‏سبخة أريدال»(8)، «سبخة امات اللحم»، و«سبخة وين ترغت»، وغيرها. أما «لكراير»، فنجد: «النعامية»، «اينمي»، «امات الكبش»، «تنليك»، «أم المرة»، «أم عناية»، «الشعيرات»، «أم الخطور»، و«بنخطيرات»، وغيرها وتعد هذه «لكراير» من أخصب الأراضي في الصحراء بعد أراضي «تيرس» بـ«واد الذهب».

‏وهناك وثيقة تمليك خاصة بهذه الأرض، هي عبارة عن حكم للقاضي اطوير الجنة إيدولحاجي إثر نزاع بين أفراد من قبيلة «أولاد أبي السباع» و«أولاد تيدرارين»، ونص الوثيقة جاء على الشكل التالي:

‏«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

‏الحمد لله الذي أنزل علينا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾(9)، والصلاة والسلام على من أنزل عليه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾(10).

‏لما رفعت إلينا نازلة الخصمين وهما الشريفان السالك بن محمد سكية بها يعرف وابن عمه إبراهيم بن عبد الله بن الطالب علي من جهة. وخصمهما سيدي إبراهيم بن محمد غنبور التدراريني وأخوه موسى نائبان عن أبناء عمهم من جهة أخرى. يتنازع الفريقان على بلد إيمريكلي ما يحرث منها ادعى كل واحد من الفريقين أنها ملكه فادعى أبناء أبي السباع أنها ملكهم في دية من عند كندوز في فتنة وقعت بينهم، وادعى أبناء تدرارين أنها ملكهم بالعمارة نحو عشرين عاما قبل السيبة.

‏فلما أدلى كل واحد بحجته أمعنت النظر في حجتيهما فكلفت كلا منهما بالبينة على صدق ما ادعاه، فأتاني الشريفان مولاي إبراهيم و ابن عمه المذكور بشهادة سيدي محمد بن علي الفيلالي وابن عمه الفقيه سيدي محمد البربوشي وهما ممن تقبل شهادتهما عندي، ثم بشهادة الشيخ محمد بن الطنج والشيخ سالم بن علي الداودي والشيخ عمر بن داود كلهم مسعوديون، ثم بشهادة علال بن محمد الموسا وعلي وابن عمه الهيري بن عبد الله ثم شهادة المقرئ الشنقيطي دارا التوبالي أصالة، ثم منصور بن علي وأخيه محمد الهيريين، أنهم يشهدون لله لا لغيره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ويشهدون مع ذلك أن بلد «إيمريكلي» ملكا لأبناء أبي السباع أخذوه في دية من عند كندوز وفي دية مولاي أحمد بن سيدي إبراهيم نونو بها يعرف لا منازع ينازعهم ولا معارض يعارضهم فيه، هذا قبل شرهم مع ‏«المغافرة» بسبع سنين وهو قبل الوباء الأول بسنتين، ثم أتوني بشهادة العتيق بن محمد الشمشاوي وابن عمه محمد حبيب الله ويعقوب بن إسحاق وأخيه بارك الله، أنهم يشهدون أن أبناء أبي السباع ملكهم من «الساقية الحمراء» إلى «النخيلة» المسماة «بجيو» من قبل أن يملكه أحد ولا ينزله غيرهم إلا بقية من «كندوز»، لأنهم هم اللذين صرفوا منه ‏النصارى من «الساقية الحمراء» فسكنها ولي الله سيدي اعمارة وبني فيها الديار، وغرس بها النخيل، ومات بها عمه مجاهدين في سبيل الله، ودليل ذلك قصة ولي الله في مدحه لهم حين قتلهم الكافر الشمسعي لعنه الله. فلما وقع هذا أمرت بتزكية الشهود وزكوا عندنا، فكلفت بعد هذا كله سيدي إبراهيم بالبينة على صدق موعوده وتجريح الشهود، فلم يأتني بقليل ولا كثير وأعدت له أجلا بعد أجل فقلت: أبقيت لك حجة تأتي بها حاضرة أو غائبة، بعيدة أو قريبة، فقال: لا. فلما وقع هذا ظهر لنا ولله ما ظهر وما خفي أن دعوى سيدي إبراهيم بالعمارة باطلة وحجته داحضة، بل عليه الغلة لأن من المعلوم عند أهل الحرث أن دوام الحرث على البلد يضعف ثماره كما قال بهرام، والأرض المستريحة أعني أن من ترك بلدة لتستريح كي تقوى ثمارها وقام الغير فحرثها فعليه الغلة قولا واحدا. وأما قوله بالعمارة بين البادية التي لا قصور فيها وقليل ماؤها فالعادة أنها لا تسكن إلا في زمن الخصب، وربما رحل عنها أهلها المالكون لها إلى بلد غيرها لمحلها وخصب غيرها ويمكثون عنها سنين عديدة. فعمارة الغير لها باطلة ولا ضمان عليه في قطع الشجر لمصلحة إلا شجر الظل، وحدد بعضهم قيمة الشجر المظل بأن يقوم ما رجع عليه ظل العصر وهو وقت الانصراف عن المقيل بأن يعطي قيمة ذا بالأرض وعليه الغلة كما قال آنفا.

‏وأما البلد المتنازع عليها اسم «إيمريكلي» وهو بلد كثير، ساحله البحر، وحد الشرقي موقف الحرث من «أريدال» إلى «وركنات»، وهذا هو «إيمريكلي» المعروف نسبته عندهم. وأما قول «تشمش» هو الذي عليه العمل بأن البلاد كلها من «الساقية الحمراء» إلى «النخيلة» المسماة «بجيو»، ‏وشرقا «الجام أدرار» بلادهم إلى «احفر وركنات» المعروفات بـ«كور أولاد عمران»(11)، وما حل حولها من العامر والغامر والشجر وغيره.

‏فبسبب هذا وظهوره حكمت للشرفاء مولاي إبراهيم، وابن عمه السالك، ومحمد سكية، بثبوت ملكهم البلد المذكور، ومن عارضهم فيها فهو ظالم، وحكمت ببطلان دعوى غيره إلا «حفرة القضب» التي بينها وبين «الجريفية»، فقد استثنيت من البيع المذكور حكما لازما أبرمته وأوجبت العمل بمقتضاه. سجلته في غرة رمضان من عام 1204 ‏هجرية، عبد ربه طوير الجنة إيدولحاجي».

‏وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوثيقة لها ثقل تاريخي وشرعي، فهي ضمن الحجج التي قدمت لمحكمة لاهاي بهولندا عند مطالبة المغرب باسترجاع الصحراء(12).


 (1)محمد ابن عزوز حكيم، (مادة إمريكلي)، معلمة المغرب، من إنتاج الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، نشر مطابع سلا 1413هـ/1992م،  (3/752).

 (2)المسيد: قرية قديمة فيها مركز فلاحي ومعدن الإثمد أو الكحل تبعد عن العيون بحوالي 15 كلم. انظر: الموسوعة المغربية للاعلام البشرية والحضارية معلمة الصحراء، عبد العزيز بنعبد الله، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ملحق 1(ص43)، والموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية معلمة المدن والقبائل، عبد العزيز بنعبد الله، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ملحق 2 (ص52)، والأعلام الجغرافية والهوية: الأعلام الأمازيغية بالصحراء وموريتانيا، رشيد الحسين، منشورات جمعية أوس للتنمية والعمل الثقافي والإجتماعي، مطبعة دار المناهل (ص52).

 (3)أكركر: جبال أكركر بوادي الذهب، وأكركر؛ الأرض الكثيرة الحجارة والصخور، ومنها: «تاكراكرا» بطاطا، و«تاكركوست» بنواحي أمزميز، وتالوين، و«تيكراكريون» من المداشر المكونة لجماعة بنيعقوب، و«تيكريكرا» بنواحي أزرو بالأطلس المتوسط. انظر: الأعلام الجغرافية والهوية (ص35).

 (4)منطقة السهل الساحلي: تتكون من إرسابات تعود لزمنين الثالث والرابع، وتمتد لتشمل سواحل الصحراء المغربية، وتعرف المنطقة امتداد كثبان رملية، وأحواض رسوبية مغلقة كما هو الحال بالنسبة لـ«سبخة الطاح»، وبالنظر لنشاط التعرية الساحلية فقد عرفت المنطقة طابع التموج وكثرة الخلجان وبعض الأجراف الصخرية المسننة. انظر: الشمسدي عبداتي، (مادة الساقية الحمراء)، معلمة المغرب، نشر دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 1435هـ/2014م، ملحق (ج3)، (26/329).

 (5)مولاي إدريس شداد، (مادة إيمريكلي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3) (26/76).

 (6)مولاي إدريس شداد، (مادة إيمريكلي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3) (26/76).

 (7)محمد ابن عزوز حكيم، (مادة إمريكلي)، معلمة المغرب (3/752)، ومولاي إدريس شداد، (مادة إيمريكلي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3) (26/76).

 (8)سبخة أريدال: سبخة كبيرة بإقليم بوجدور، يحمل اسمها حسيان يقعان شرق إقليم بوجدور، على بعد 65 كلم من مدينة بوجدور، التي تشترك معهما في الفرشة المائية. مولاي إدريس شداد، (مادة إيمريكلي)، معلمة المغرب، ملحق (ج3) (26/14).

 (9)سورة النساء، الآية 105.

 (10)سورة الإسراء، الآية 36.

 (11)كور أولاد عمران: يوجد بإمريكلي نواحي بوجدور. انظر:مولاي إدريس شداد، معلمة المغرب، ملحق (ج3)، (26/34).

 (12)انظر: مولاي إدريس شداد، (مادة إيمريكلي)، معلمة المغرب ملحق (ج3) (26/76ـ78).