مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

محاضرة مُفرغة للدكتور محمد مفتاح رحمه الله، بعنوان: «نظرات في مناهج التحقيق» ألقاها بمركز ابن أبي الربيع السبتي يوم الثلاثاء 19/02/2019

فبراير 19, 2019

هناك مدرستان في الهوامش وفي التعليقات: هناك مدرسة ترى أنه يجب أن نطيل في الهوامش ونعلق على كل شيء ونحقق كل شيء إلى غير ذلك، وهناك مدرسة أخرى ترى أن الهوامش يجب أن تكون مقتضبة، وأن نعلق على ماهو غامض، وأن نترجم لما هو غير معروف، وأن نذكر البلدان التي هي غير معروفة، وهذا هو الطريق الأسلم، وهذا هو المنهج الذي يجب أن نتّبعه في تحقيق النصوص، وهو ألّا نكثر من الهوامش وألّا نعلق على كل شيء، أو نعلق على السهل ونترك الصعب. فالقصد من الهوامش ليس هو التعليق، وإنما هو إضاءة للنص من أجل فهمه وتسهيله على المتلقي وعلى القارئ، فلا بد أن نهتم بهذه القضايا وألّا نكثر من التعليق، وأن نحدد المهم والأهم، وأن نعود إلى المصادر المتعلقة بكل تعليق، فمثلا الحديث، لا يمكن أن نعلق عليه من كتاب للأدب، وهذا نجده كثيرا عند بعض الطلبة، الحديث في كتب الحديث، اللغة في كتب اللغة، الأدب في كتب الأدب وهكذا. فالخلط في التعليقات وفي الهوامش هو خلط سيئ.

ثم القضية الأساس في النص أو في المتن هي الترجيح، ترجيح ما نقرأه، وهذا الترجيح يجب أن يتم عبر نظرة علمية؛ لأننا لا يمكن أن نرجّح إلا إذا كنا نملك أداة علمية دقيقة لترجيح الرواية، وحينما لا يستطيع الإنسان أن يرجح فإنه يترك النص كما هو ويضع هامشا لتوضيح ذلك أو للتعليق على ذلك؛ لأن الترجيح أساس في ضبط النص وفي فهمه، فالتعليقات يجب ألّا تكون مسهبة، وإنما دقيقة ومضبوطة.

وفي الخاتمة، يجب على الإنسان أن يضع فهارس، وهي مفاتيح الكتاب، وهذه الفهارس متعددة لن أدخل فيها كثيرا، ولكن هناك فهارس أحيانا تكون مهمة مثل فهارس المصطلحات، لا يستخدمها كثير من الناس، فكتاب فيه مصطلحات يجب أن نضع فيه فهارس للمصطلح، نحن لا نصنع فهارس إلا للأعلام والأحاديث والأمثال والأشعار والقرآن والبلدان، ولكن هناك بعض الكتب يكون فيها مصطلحات فلا بد أن نضع فهرسا للمصطلحات، وفهرسا للغة المستخدمة مثلا، وفهارس التشبيهات والاستعارات، فكل كتاب يتطلب فهرسا مُعَيَّنا.

وختاما، فإن كل كتاب يجب أن نسلك فيه منهجا معينا أيضا، قد تقولون: المنهج واحد، ولكن لا، كل كتاب يتطلب منهجا خاصا به، هذا المنهج الذي تحدثنا عنه هو كلام عام، ولكن كل كتاب له منهجه يجب أن نسلكه فيه، سواء في الاختيار أو في الضبط أو في التعليق، كل كتاب له استراتيجية خاصة، نحن عندنا أفق شامل، ولكن كل كتاب من الكتب المحققة نسلك فيه منهجا معينا.

أعتقد أنني قد تكلمت بإيجاز، وأشكركم على حسن استماعكم وعلى صبركم معي، وأتمنى أن أكون قد وفّيت ببعض ما يُفيد، وأشكر ثانية الأستاذ العالم محمد الحافظ الروسي حفظه الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

  1. الكشف والتنبيه على الوصف والتشبيه، للصفدي، نُشر ضمن سلسلة إصدارات مجلة الحكمة في بريطانيا-ليدز، بتحقيق هلال ناجي ووليد بن أحمد الحسين.
  2. لعبد الباسط بن موسى بن محمد العلموي، اختصره من كتاب الدر النضيد للبدر الغزي كما كُتب على غلاف طبعة دار العصماء بتحقيق د. سميح الحسن.
  3. لعل الأستاذ يقصد كتاب «مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه»، تحقيق برجستراسر.
  4. طُبع ضمن ثلاث رسائل بعنوان: «النقد التاريخي»، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار النهضة العربية.
  5. تحقيق النصوص ونشرها، طُبع بمكتبة الخانجي، وهو أول كتاب عربي في هذا الفن يوضح مناهجه ويعالج مشكلاته.
  6. نُشرت في مجلة الكتاب ببغداد، العدد 5، سنة 1974، ص: 23-28.
  7. نُشرتا في مجلة الثقافة المصرية، العدد 277 و280، سنة 1944.
  8. انظر ذلك في مواضع من كتاب الأغاني للأصفهاني، منها قوله فيه عند ذكر نسبة إبراهيم الموصلي إلى الموصل: «وذكر ابن خرداذبه وهو قليل التحصيل لما يقوله ويضمنه كتبه…». وابن خرداذبه هو صاحب كتاب «المسالك والممالك» وغيرها، وترجمته في معجم الأدباء لياقوت الحموي: 4/1573.
  9. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب.
  10. نقل الأستاذ بالمعنى عن مقدمة ابن الصلاح، القسم الثامن في الوجادة.
  11. الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، 1/216.
  12. الموازنة، باب في اضطراب الأوزان، 1/408-409.
  13. في شرح السكري لأشعار الهذليين: 1/43-44 قريب منه، وهو في المزهر للسيوطي: 2/285 مع ذكر مسألة التلفيق عن السكري.
  14. انظر الخبر في وفيات الأعيان لابن خلكان: 3/463 عند ترجمته لسيبويه.
  15. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي: 1/275.
  16. هذه سنة ولادته، وقد توفي في العاشر من رمضان سنة 701هـ كما في الدرر الكامنة لابن حجر: 4/117، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية.
  17. انظر إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني: 1/58.
  18. قال الأستاذ: بعضهم يقرؤها: قُرقُول، وبعضهم يقرؤها: قَرَقُول. وأعتقد، لأن ترجمته في التكملة، ابن قُرقُول، كما يقرؤها بشار عواد، ولعلها قَرَقُول، لأن قَرقُول هي من «كَرَكُول»، والكَرَكُول هو الحلزون، ولعلها مأخذوذة من هناك. والنص في كتابه: مطالع الأنوار على صحاح الآثار: 1/153، طبعة وزارة الأوقاف القطرية.
  19. للعلموي كما سبق، وكلامه في الصفحة 266، طبعة مكتبة الثقافة الدينية.
  20. موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، طبعة دار العلم للملايين.
  21. المستشرقون لنجيب عقيقي، دار المعارف.
  22. قال في كتابه «قواعد تحقيق المخطوطات» عند نقده للأستاذ عبد السلام هارون: «ويُؤخذ على المؤلف أنه لم يطلع قط على ما كُتب في هذا الموضوع باللغة الأجنبية ليكون كتابه تاما والنهج الذي يدعو إليه متكاملا، وأنه خلط بين قواعد تحقيق النصوص…»، وللأستاذ عبد السلام هارون رد عليه في حوار مع مجلة الفيصل نُشر ضمن كتابه «قطوف أدبية» بعنوان «حضارتنا وإحياء التراث»، وقد قال أيضا في تقديم الطبعة الثانية لكتابه «تحقيق النصوص ونشرها»: «هذه الطبعة الثانية من «تحقيق النصوص ونشرها»، أقدمها مغتبطا بها وبما كان لسابقتها من صدى متواضع في أرضنا العربية، بله بلاد المستشرقين الذين كتبوا إلي مهنئين، وإن كان بعض إخواننا الدمشقيين ممن كنا نتوسم فيه النجابة زعم بضعف نفسه وبما يشعر به أمثاله من ذلة علمية، أني لم أطلع على ما كتب المستشرقون، فوضع بذلك على هامتي إكليلا أعتز به، إذ أمكنني بعون الله وحده أن أضع علما متكاملا لم أُسبق إليه، دون أن أتطفل على مائدة كثيرا ما وُضع فيها للعرب صِحاف مسمومة، وموائد العرب حافلة بالجهود الوثيقة والأمانة العلمية المرموقة».
  23. «تحقيق التراث العربي نشأته ومناهجه» لمجبل لازم مسلم المالكي: ص 326.
  24. انظر آخر رسالة طبقات المغنين ضمن رسائل الجاحظ بتحقيق عبد السلام هارون: 3/136.
  25. تحقيق النصوص ونشرها، للأستاذ عبد السلام هارون: 38.
  26. طُبع في مكتبة جرير بالسعودية بتحقيق خالد الجبر وعاطف كنعان سنة 2008م.
  27. عنوانها: ظاهرة المخطوطات مجهولة المؤلِّف، نُشرت ضمن أعمال المؤتمر الثاني لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ديسمبر 1993م، ص: 207-222.
  28. انظر مثلا كتابه: الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية.
  29. كتاب التذكرة في الطب، وكتاب آخر هو: الاختيار والاعتبار.
  30. يتعلق باختلاف الأسماء، وقد طُبع بتونس في جزأين كبيرين.
  31. عنوانه الكامل: الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، تحقيق المعلمي اليماني في ثمانية مجلدات.
الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق