مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

مجالس البلاغة «5»

انعقد مساء يوم الأربعاء 31 نونبر 2018م، الموافق ل 22 صفر 1440هـ، المجلس الخامس من مجالس البلاغة التي يشرف عليها الدكتور محمد الحافظ الروسي رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية.

وقد خَتَمَ الدكتور في هذا المجلس الحديث عن شروط فصاحة اللفظة المفردة وهي ثمانية، وقد تحدث الدكتور في المجلس الرابع عن الشروط الثلاثة الأولى، وتناول في هذا المجلس الحديث عن الخمسة المتبقية.

واستهل الدكتور هذا المجلس بمقدمة أَشَارَ فيها إلى أهمية عَمَل عبد القاهر الجرجاني، مُبينا أنه لم يكن له ليعمل ما عمله لولا استثماره لجهود سيبويه في النحو وجهود الجاحظ في البلاغة ليخلص إلى الجمع بين العلمين فيما سمي بنظرية «النظم».

ثم انتقل إلى الحديث عن الشرط الرابع من شروط فصاحة اللفظة المفردة، وهو أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية، وقد أسهب الدكتور في بيان المقصود بالعامة مشيرا إلى اختلافه من عصر لآخر.

وقد حاول بعض العوام كالفرس الذين قامت على أكتافهم دولة العباسيين فرض القيم الخاصة بهم وتمكنوا من تحبيب هذه القيم إلى الخلفاء العباسيين «فهذا الربيع – وهو حاجب المنصور- يضرب من شَمَّتَ الخليفة عند العطسة، فيشكو ذلك إلى أبي جعفر المنصور، فيقول: أصاب الرجل السنة وأخطأ الأدب» [انظر مقاييس جودة الشعر عند نقاد القرن الرابع الهجري ص: 19].

وقد أورد الدكتور محمد الحافظ الروسي تعليق التوحيدي على هذا الكلام حيث يقول: «وهذا هو الجهل، كأنّه لا يعلم أنّ السنّة أشرف من الأدب، بل الأدب كلّه في السّنّة، وهي الجامعة للأدب النبويّ والأمر الإلهي، ولكن لما غلبت عليهم العزّة، ودخلت النّعرة في آنافهم، وظهرت الخنزوانة بينهم سمّوا آيين العجم أدبا، وقدّموه على السّنّة التي هي ثمرة النبوّة» [ الإمتاع والمؤانسة 2/76].

وخَلَصَ الدكتور إلى أن البلغاء في هذا العصر كانوا يقصدون العامةَ التي ظهرت بعد عصر الفصاحة الأولى بحيث لا تكاد تكون الكلمة الموصوفة بالعامية موجودة في الشعر الجاهلي، وأضاف الدكتور أن في ألفاظ العامة معنى الابتذال أيضا.

وذكر مثالا على ذلك بيت أبي تمام:

جليت والمَوْتُ مُبْدٍ حُرَّ صَفْحَتِهِ*** وَقَدْ تَفَرْعَنَ فِي أَفْعَالِهِ الأَجَلُ

وكذلك بيت بن نباتة:

أَقَامَ قُوَام الدِّينِ زَيْغَ قَنَاتِهِ*** وَأَنْضَجَ كَيَّ القَرْحِ وَهوَ فَطِيرُ

وفي تعليقه على هذين البيتين ذكر أن كلمتي (تفرعن/ فطير) من ألفاظ العامة، فـ «تفرعن» مشتق من اسم فرعون، وعادتهم أن يقولوا: تفرعن عن فلان إذا وصفوه بالجبرية.

وخامس الشروط التي وقف عندها الدكتور هو أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح، غير شاذة، وبَيَّنَ أنه يدخل في هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة، ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة، وقد يكون ذلك لأجل أن اللفظة بعينها غير عربية، وقد استشهد في هذا الموضع ببيت أبي الشيص حيث يقول:

وَجَنَاح مقصوص تَحَيَّفَ رِيشَهُ*** رَيْبُ الزَّمَانِ تَحَيُّفَ المِقْرَاضِ

فقد استخدم كلمة (المقراض) وهي كلمة غير عربية، وقد استخدمها البحتري في شعره أيضا بقوله:

وَأَبَتْ تَرْكِيَ الغَدَيَاتِ وَالآصَا***لَ حَتَّى خَضَبْتُ بِالمِقْرَاضِ

فعابوها عليهما معا.

ووضَّح الدكتور أن الكلمة قد تكون عربية، إلا أنها قد عبر بها عن غير ما وضعت له في عرف اللغة، وهنا وقف عند بيت أبي تمام حيث يقول:

حَلَّتْ مَحَلَّ البِكْرِ مِنْ مُعْطًى وَقَدْ*** زُفَّتْ مِنَ المُعْطَى زَفَافَ الأَيِّمِ

كما وقف عند بيت البحتري:

يَشُقُّ عَلَيْهِ الرِّيحُ كُلَّ عَشِيَّةٍ*** جُيُوبَ الغَمَامِ بَيْنَ بِكْرٍ وَأَيِّمِ

والشاهد في هذين البيتين أن الشاعرين وضعا الأيم مكان الثيب وليست الأيم الثيب في كلام العرب، إنما الأيم التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا.

أما سادس هذه الشروط فهو أن تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، كما هو الحال في كلمة (الكنيف)، وقد مَثَّلَ لها الدكتور ببيت عروة ابن الورد حيث يقول:

قُلْتُ لِقَوْمٍ فِي الكَنِيفِ تَرَوَّحُوا*** عَشِيَّةَ بِتْنَا عِنْدَ مَاوَانَ رُزَّحِ

مشيرا إلى أن الكنيف أصله الساتر، غير أنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث، فأصبح مكروها في شعر عروة وإن كان ورد موردا صحيحا؛ وذلك لموافقة هذا العرف الطارئ، مع جواز أن يكون هذا الاستعمال حَدَثَ بعده لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا يعرفون هذه الآبار.

وقد استشهد الدكتور في هذا الصدد بما قاله الهمذاني في المقامة المضيرية إذ وردت عنده هذه اللفظة، حيث يقول: «فَقُمْتُ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: حَاجَةً أَقْضِيها، فَقَالَ: يَامَوْلايَ تُرِيدُ كَنِيفاً يُزْري برَبِيعِيِّ الأَمِيرِ، وَخَريِفِيِّ الوَزِيرِ، قَدْ جُصِّصَ أَعْلاَهُ، وَصُهْرِجَ أَسْفَلُهُ، وَسُطِّحَ سَقْفُهُ، وَفُرِشَتْ بِالمَرْمَرِ أَرْضُهُ، يَزِلُّ عَنْ حائِطِهِ الذَّرُّ فَلاَ يَعْلَقُ، وَيَمْشِي عَلَى أَرْضِهِ الذُّبَابُ فَيَزْلَقُ، عَلَيْهِ بَابٌ غِيِرَانُهُ مِنْ خَلِيطَي ساجٍ وَعَاجٍ، مُزْدَوجَينِ أَحْسَنَ ازْدِواجٍ، يَتَمَنَّى الضَّيْفُ أَنْ يَأَكُلَ فِيهِ» [ص:135- 136]، فهي وإن عُبِّرَ بها عن ما يكره ذكره إلا أنها وردت موردا حسنا لمراعاتها الجانب النفسي للقارئ. 

ثم انتقل إلى الحديث عن الشرط السابع من شروط فصاحة اللفظة المفردة وهو أن تكون الكلمة معتدلة، غير كثيرة الحروف؛ فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت، وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة، وهنا استشهد الدكتور ببيت بن نباتة وهو:

فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكْشِفُوا عَنْ رُؤُوسِكُمْ *** أَلَا إِنَّ مِغْنَاطِيسَهُنَّ الذَّوَائِبُ

وفي تعليقه على البيت ذكر أن كلمة « مِغْنَاطِيسَهُنَّ» كلمة غير مرضية قبيحة. 

ثم انتقل إلى الحديث عن آخر شروط الكلمة المفردة وأن تكون الكلمة مصغرة في موضع عُبِّرَ بها فيه عن شيء لطيف، أو خفي، أو قليل، أو ما يجري مجرى ذلك، وقد مثل الدكتور لذلك ببيت الشريف الرضي وهو قوله:

يُولعُ الطَّلُّ بُرْدَيْنَا وَقَدْ نَسَمَتْ *** رُوَيْحَةُ الفَجْرِ بَيْنَ الضَّالِ وَالسَّلَمِ

وقد بين الدكتور أن الريح المقصودة في البيت نسيما مريضا ولذلك حسنت العبارة عنه بالتصغير وكانت للكلمة طلاوة وعذوبة، مثلها في ذلك مثل كلمة «قمير» في بيت عمر ابن أبي ربيعة حيث يقول:

وَغَابَ قُمَيْرٌ كُنْتُ أَهْوَى غُيُوبَهُ*** وَرَوَّحَ رُعْيَانٌ وَنَوَّمَ سُمَّرُ

وذَكَر الدكتور أن الشاعر اختار التصغير في هذا الموضع لأنه إنما جعله قميرا لأنه كان هلالا غير كامل.

وأشار الدكتور إلى أن التصغير قد يقبح في بعض المواضع كما قبح في بيت المتنبي:

إِذَا عَذَلُوا فِيهَا أَجَبْتُ بِأَنَّةٍ *** حُبَيِّبَتَا قَلْبًا فُؤَادًا هَيَا جُمْلُ

وعَلَّلَ وجه القبح فيه أنه ليس في الكلمة ما يحسن به التصغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق