مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

“لنضع حدا لمعاناتهن٬ لنوقف العنف” … مقاربة متعددة الاختصاصات

إعداد: سمية شكروني

بعد 30 سنة من دخول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة حيز التنفيذ ورغم مصادقة 185 دولة عليها بما فيها المغرب ورغم سحب بعض الدول مؤخرا لتحفظاتها حول بنود هذه الاتفاقية مثل تونس، لا تزال آثارها اليوم محدودة على مستوى الواقع. هذا ما أكده المشاركون من ضفتي المتوسط من ممثلي الحكومات في قطاعات شؤون المرأة والعدل والصحة٬ وهيئات الإحصاء٬ وجمعيات حقوق المرأة ومراكز الاستماع والدعم القانوني للنساء ضحايا العنف٬ ومراصد المساواة ومكافحة العنف ضد المرأة٬ ومنظمات ووكالات التعاون الدولي، في إطار الندوة الإقليمية التي احتضنها العاصمة الرباط يومي 24 و25 شتنبر حول ‘الوقاية ومحاربة العنف ضد النساء’ تحت شعار “لنضع حدا لمعاناتهن٬ لنوقف العنف”. وقد تباحث مختلف المشاركين والمتدخلين السبل والإجراءات الوقائية الممكنة للحد من هذه الظاهرة بالرغم أن الندوة طبع عليها نوع من التنظير والتشخيص لمختلف الأسباب التي تؤدي إلى تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة.
في هذا الإطار، فقد ارجح بعض المشاركين في هذه الندوة التي نظمتها وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية بهدف ” تبادل المعارف والخبرات في مجال الحكامة والتتبع والتقييم المرتبط  بالظاهرة وتطوير ومأسسة آليات مشتركة لليقظة والتدخل ودعم الشراكة الأورو متوسطية في مجال مناهضة العنف ضد النساء، أرحعوا سبب تنامي الظاهرة لكون “المقاربة القانونية وحدها لمحاصرتها رغم أهميتها تبقى غير كافية، ولا بد من اعتماد المقاربة التربوية والثقافية إلى جانب المقاربة القانونية” كما جاء على لسان رئيس الحكومة الذي أكد في كلمته في افتتاح الندوة أن حكومته تعمل على بلورة خطة حكومية للمساواة في أفق المناصفة في إطار تشاركي لتحقيق التقائية مختلف المبادرات المتخذة من قبل القطاعات الحكومية في مجال محاربة العنف الذي يطال النساء كما أكد على مواصلة حكومته نهج الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي تعزز حماية المرأة من خلال مراجعة القانون الجنائي بما يتلائم مع روح الدستور الجديد، وإحداث مرصد وطني لمحاربة العنف ضد النساء، وتطوير برامج وقائية لمكافحة التمييز والعنف ضد النساء والفتيات ضحايا العنف. كما دعا إلى ضرورة تعزيز الشراكة بين مختلف الفاعلين في هذا المجال.
في حين اعتبر الحاضرون أو بالأحرى بعض الحاضرات أن السبب الحقيقي يتمثل بالأساس في عدم اعتماد الحكومة مقاربة تشاركية مع الجمعيات النسائية” حسب تعبير بعض المدافعات عن حقوق النساء وناشطات ب “الربيع النسائي للديمقراطية والمساواة” اللائي خلقن المفاجأة  بمجرّد تناول بسيمة الحقاوي وزيرة الأسرة والتضامن والمرأة  للكلمة، بعد المداخلة الافتتاحية لرئيس الحكومة، مشهرات ليافطات معبرة عن انتقادات لأداء وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية وعن سلسلة من المطالب التي دأبت على رفعها الحركات النسائية المتمثلة بالخصوص في منع تزويج القاصرات، ومصادقة المغرب على الاتفاقيات الأوروبية لمناهضة العنف ضد النساء، وإصلاح مضامين القانون الجنائي السالبة لحقوق المرأة، والإسراع بإخراج هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز..
هناك أطراف أخرى ترى أن اتساع الفجوة بين التشريع والتنزيل يعود إلى غياب الإرادة السياسية والتنسيق والرؤية طويلة الأمد٬  كما جاء في كلمة المدير العام بالمديرية العامة لحقوق الإنسان ودولة القانون بمجلس أوروبا السيد فيليب بوالا الذي أكد أن وضع حد لهذه الظاهرة ينبغي أن يمثل أولوية سياسية وملحة لأي حكومة ديمقراطية.
كما كانت هناك آراء أخرى متضاربة بين من يعتبر أن قضية المرأة هي قضية حقوق الإنسان وأن الإصلاح يجب أن يحترم المرجعية الدينية ولا يقتصر على التنزيل الحرفي لما جاء في الاتفاقيات في مجال محاربة العنف ضد النساء  دون مراعاة خصوصية كل بلد، داعيين بذلك إلى ضرورة التمييز بين العنف الطبيعي والعنف الممنهج الذي يهدف إلى القضاء على هويتنا وانتماءاتنا الدينية. في حين أعربت بعض الآراء عن ضرورة تبني مقاربة متعددة التخصصات تبحث اشكالية الإيواء ومراكز الاستقبال والأمية … إلى غير ذلك.
بالرغم من كل هذه الآراء المتضاربة، وقع نوع من الإجماع على بعض النقاط التي  تتلخص في كون:
• العنف هو ظاهرة مجتمعية، تتخذ أشكالا عديدة، ليست حكرا على بلد دون أخر وليس مصدرها ايديولوجية معينة.
• العنف ظاهرة مشينة تقف أمام التنمية وتستدعي دق ناقوس الخطر بالنظر إلى الأرقام المسجلة التي تم الكشف عليها بالنسبة لبعض الدول ضمن أشغال هذه الندوة . (من بين 9.5 مليون امرأة تتراوح أعمارهن ما بين 18 و64 سنة تتعرض ما يقارب 6 ملايين امرأة للعنف بشتى ألوانه بما فيه العنف النفسي الذي يعتبر الأكثر ترددا بنسبة 48 %، وانتهاك الحريات الفردية 31%٬ والعنف المرتبط بتطبيق القانون17,3 %٬ والعنف الجسدي 15,2 %٬ في حين يبقى إطار الزوجية المكان الأكثر انتشارا لهذه الظاهرة بنسبة 55 بالمائة أي ما يعادل 5.7 مليون من المعنفات حسب البحث الوطني الذي أعدته المندوبية السامية للتخطيط حول العنف ضد النساء).
• هناك وعي متنامي لدى الجميع على ضرورة أن نستمر في مواجهة الظاهرة باعتبار أن النساء يشكلن أمهاتنا، أخواتنا، زوجاتنان وبناتنا.
• غنى التجارب في كل الأقطار( إيطاليا، تركيا، فرنسا…) بشقيها الرسمي كسياسات عمومية وشقها المدني كمبادرات للمجتمع المدني.
• محاربة العنف هي مقاربة متعددة التخصصات تتطلب تضافر جهود كل الفاعلين من تربويين واعلاميين وسياسيين وصناع القرار.
• التشريعات مهمة سواء كانت معتقدة أو قائمة الآن لكن لا يجب أن تلغي من أذهاننا معالجة الظاهرة من جوانب أخرى مثل التربية والتوعية والتحسيس.
في النهاية تبقى سبل معالجة هذه الظاهرة ومدى قدرتنا نحن  كنساء للتصدي لها ومحاربتها رهين بدرجة وعينا بإمكانية إيجاد أجوبة واعية ومقنعة لأسئلة تطرح نفسها بقوة على  كل واحد منا سواء كان رجلا أو امرأة.
هل صحيح أن العنف ضد النساء هو أزمة قوانين وتشريعات أم هو أزمة تنزيل لهذه القوانين؟ هل هو إشكالية صراعات سياسية وتصفية حسابات شخصية؟ هل هو إشكالية أيديولوجية معينة؟ هل هو قضية فوارق بيولوجية وعقليات ذكورية أم هو أزمة أخلاق وقيم إنسانية كونية بغض النظر عن القوانين التشريعية والانتماءات السياسية والاختلافات الأيديولوجية أو الفروقات البيولوجية ؟

 نشر بتاريخ 27/09/2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق