مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

قراءات في كتب د.عبد الرحمن بودرع

شهدت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي يوم الخميس 12 ماي 2022 على الساعة العاشرة صباحا بقاعة الندوات 46، يوما دراسيا في موضوع: “قراءات في كتب الأستاذ د. عبد الرحمن بودرع” نظمَه مُلتقى الدراسات المغربية والأندلسية بكلية الآداب بتطوان، بتنسيقٍ مع فرقة البحث الأدبي والسيميائي، وفرقة البحث  في العلوم الشرعية، وماستر الأدب العربي في المغرب العلوي: الأصول والامتدادات، وماستر الكتابة النسائية في المغرب.

شارك في هذه القراءات أساتذة باحثون بالكلية من مختلف الشُّعَب، وسنَعْرِضُ بإيجازٍ خلاصةَ قراءاتهم وما تفضّلوا بالمشارَكَة به في هذا اليوم الدّراسيّ، وقد ترأسَ السيد رئيس شعبة العربية وآدابها د.أحمد هاشم الريسوني الجلسةَ العلميةَ القِرائيةَ، معقّباً ومرحبا ومُضيفاً.

1- مشارَكَة الدكتور عبد اللطيف شهبون في قراءة كتاب الإيجاز وبلاغة الإشارَة في البيان النبوي”:

قدّم الدكتور عبد اللطيف شهبون كلمته في البداية معبرا عن امتنانه وشكره لفِرَق البحث في الكلية على تنظيم مجلس علمي لقراءَة الكتُب، مشيرا في ذلك إلى أن الحديث عن المؤلِّف متشعب قد يشمل نبوغه في التربية والتكوين وتفرُّده في علوم اللغة والبلاغة، مضيفا أن ما يناسب هذا المقام هو الحديث عن الأثر المكتوب للدكتور عبد الرحمن بودرع، وهو من الوجوه المنيرة التي قدمت الكثير في مَسير تربوي وعلمي وأخلاقي.

وقد كانت قراءته في كتاب: «الإيجاز وبلاغة الإشارة في البيان النبوي»، وقد وسم هذا الكتاب بأنه «كتابٌ مُعلِّمٌ» بالمعنى الأَرِسطي، مشيرا في هذا المقام إلى أن الهدف من هذا الكتاب الذي يقدمه دعوةُ الناس إلى قراءته من جديد، وخاصة الطلبة الباحثين في المجال اللغوي والبلاغي.

وفي هذا المقام ذكر أن كتب الدكتور عبد الرحمن بودرع تترجم مقاماته وأحواله، وهي في الآن ذاته ضرورة علمية وأخلاقية قائمة للجامعة المغربية، وهذه الكتب المباركة هي أداة وسيطة بين مختلف درجات المهتمين، وهي ترجمان أمين لِمَا تَأَصَّل في عقله وقلبه، وهي أولا وآخرا دليل على تطوره الفكري والنفسي والتربوي والتعليمي، وهي مفاتيح لاستكناه بعض ما يدور في ذهنه وفكره ووجدانه.

وذكر الدكتور عبد اللطيف شهبون أن المؤلِّف في هذا الكتاب سعى إلى تحقيق جملة من الأهداف الإجرائية، وأول هذه الأهداف السعيُ إلى تطبيق قواعد من مسائل الدرس اللغوي والبلاغي محددا مجالات ذلك التطبيق في الحديث النبوي الشريف، وثاني هذه الأهداف إخراجُ المعرفة اللغوية من إطارها النظري المسطور في مصنفات نحوية وبلاغية ولسانية إلى مستواها الإجرائي أو العملي بُغية الرُّقيّ بالمعنى وإسهام الكتاب في تيسير السبيل إلى تذوق هذه المعاني النبوية الشريفة. وأما السياق المعرفي لكتاب الدكتور عبد الرحمن بودرع فمُحدداته كثيرة، أجمَلَ المحاضر بعضها في:

أولا: الاستفادة من مباحث لغوية متعددة وأدوات معرفية في اللسانيات وعلوم اللغة والبلاغة؛ ذلك أن هناك تكاملا وداخلا في هذه النظرة التكاملية تتحقق بها المنفعة العلمية؛ فهذا الكتاب ضرب من المشاركة العلمية في الحقل اللغوي والبلاغي واللساني، وهذه المسألة في ظرفيتنا الراهنة أصبحت شبه مفقودة.

ثانيا: التوصل إلى كشف ما يتضمن الحديث النبوي الشريف من حُسن بَيَان، ومن عناصر إفادة وإجادة نَابِعَيْنِ من فطرة وسليقة، وليس ضربا من التَّعَمُّل ومن الصناعة.

ويذكر المُحاضر أن المؤلِّف في هذا الكتاب ينتقل من المقاربة اللغوية إلى المقاربة النسقية والحضارية، وهذا هو البعد الشامل. ومن ملامح الجِدَّة في هذا الكتاب جملة أشياء، منها توسيع مفهوم الإيجاز والخروجُ بهذا المفهوم من دائرة الكلام والعبارة اللغوية إلى دائرة الفعل والسلوك، حتى يصير منهج حياة وأسلوبا في الفكر والفعل وانتقالا من حالة العَدَمية والفوضى في المنهج إلى حالة النظام والتوازن. ومن ملامح الجِدَّة أيضا في هذا الكتاب أنه الاستثمار الوظيفي الذكي للإشارة النبوية، واستخراج ما في هذه الإشارات النبوية من أبحاث دالّة ومن فوائد فيها إيجاز بليغ، تُيَسِّر استشراف الآفاق التعبيرية التي قد لا تتحقق بِلُغة الكلام بالنسبة للمتلقي.

ومن مظاهر الأخلاق العلمية للدكتور عبد الرحمن بودرع في هذا الكتاب كما ذكر المحاضر هو التواضع وعدم الادعاء بكونه قد اسْتَنْفَدَ ما في الأحاديث النبوية الشريفة من خصب ومن غِنى ومن إحاطة، فالمنهج السديد في نظر الدكتور عبد الرحمن بودرع هو أن يعمل قارئُ المَتْن النبوي على استخراج ما في هذا المتن من فوائد وثُمُر، لكنه يضع في نهاية المطاف هذا الكتاب لَبِنَةً في البناء ومَعْلَماً من المَعالم الطريق، فإذا أصاب فقد تحقق المُبتغى، وإن لم يصب فحسبه أنه أثار الإشكال؛ وإثارة الإشكال في حد ذاتها معرفة في العلم.

وقد سمى المحاضر هذا الكتابَ بالكتاب المُعَلِّم كما سبق، فذكر أن البنية العنوانية كلها مفاتيح ترجعنا كلنا على اختلاف مستوياتنا ومداركنا إلى هذه المفاتيح، ولهذه البنية العنوانية مكونات، أولها: الإيجاز، فلا يمكنك أن تقرأ هذا الكتاب دون أن تدرك المعنى المُؤَصّل والممتد لبلاغة الإيجاز؛ بما هو وصف الكلام أو العبارة عندما تكون معبرة عن المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ، ونقيض الإيجاز هو الإطناب، وهو أن تأتي بالمعنى القليل في ألفاظ كثيرة. وقد كان الحديث النبوي الشريف مميزا ببلاغة الإيجاز، وأشار إلى أن أمثلة الإيجاز في القرآن الكريم عديدة.

وفي حديثه كذلك أشار الدكتور عبد اللطيف شهبون إلى أن الدليل لقراءة هذا الكتاب هو الإلمام بمفاتيح الإيجاز ومكوناته، ونفس الكلام ينطبق على مفهوم البلاغة؛ فبلاغة الكلام تعني قوة الأسلوب، سواء كان هذا الأسلوب في الحديث أو في الكتابة؛ في الشعر أو النثر.

كما تطرق المحاضر إلى قضية الإشارة ذاكرا أنه انفتحت أمامه أبواب؛ فالإشارة قد تكون تفخيما وقد تكون إيماء وقد تكون تعريضا وقد تكون تلويحا؛ وهذه المستويات لا يمكن تمريرُها للطلبة والباحثين إذا لم يكن هناك إلمام بالمصادر، ولها تفريعات كالكناية والتمثيل والرمز والحذف والتورية وغيرها.

وختم الدكتور عبد اللطيف شهبون مداخلته بأنه ليس هناك قطيعة بين مفهوم ومفهوم؛ فالإيجاز يصب في الإشارة بالفعل وبالقوة.

2- قراءة الدكتورة سعاد الناصر في كتاب: إتحاف الناظر بنُفاضة الضمائر وعُصارَة الخواطر:

رأت الأستاذةُ المُحاضرةُ الكتابَ أنموذجا لكتابات المؤلِّف القيّمة، وهو كتاب يُعين على الإجابة عن بعض ما استوطن من قلق وحزن في ذاكرة الكاتِب المتّقدة بروح الهوية والانتماء، وذكرتْ أنه منذ القراءة الأولى للكتاب نجد أنه مسكون بقضايا المجتمع والأمة، وأنه نتيجة تفاعل ذاتي عميق مع سياقات تاريخية ومعرفية وموضوعية تعكس الهوية المرجعية لأستاذنا المستندة إلى ثقافة واسعة تجمع بين الأصالة والحداثة، وإلى فضاء معرفي جاد، مُشيرةً إلى أن الكتاب يندرج في مشروع الأستاذ الذي يسعى إلى خدمة اللغة العربية وإخراجها من أزمتها.

كما أضافت الدكتورة سعاد الناصر أن الكتاب يُبَيِّنُ وجها من وجوه تنوع اهتمامات الأستاذ اللغوية والفكرية والأدبية التي تصب في إطار مقولة له: «الإبداع في العلم يقوم على أساس التفاعل الموصول مع القيم والعقيدة».

فالكتاب في نظر الدكتورة ينتمي في ظاهره إلى أدب السيرة الذاتية، والأصل في السيرة هو البحث عن ملامح الحقيقة والقدوة في حياة الإنسان وما تحفل به من معاني إنسانيته ومن أسرار تجربته وخبرته في الحياة، فهو وإن كان يدخل في إطار السيرة الذاتية إلا أنها ترى أنه عصيّ عن التصنيف والتجنيس في جنس السيرة الذاتية بمفهومها المعاصر التي سنّ حدودها «فيليب لوجون» بأنها «حكيٌ استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص بتركيزه على حياته الفردية وتاريخ شخصيته». فالكتاب يستجيب لهذه الحدود، لكنه يرتبط بشكل واضح وجلي بمجال التأمل والنقد، برؤية إصلاحية تستشرف التغيير والتجديد.

من هذا المنطلق، ذكرت الأستاذة المُحاضرَةُ أنّ الكتابَ يُمكن تقسيمُه إلى قسمين، قسم السيرة الذاتية، ينتقي فيها الكاتب بعض اللحظات والوقائع من حياته الماضية ويعيد بناءها من جديد من خلال ذاكرته.

القسم الثاني: تتداخل فيه الذات بالموضوع، يعالج فيه الأستاذ بعض القضايا كاللغة وغيرها، مبرزا موقفه من ذلك.

3- قراءة الدكتور أحمد بوعود في كتاب في الخطاب الاجتماعي السياسي”، قضايا ونماذجُ من الواقع المعاصر”:

قدّم الدكتور أحمد بوعود من شعبة الفلسفة قراءة في هذا الكتاب، مُشيرا إلى أنه صدر في طبعتين، الأولى في سنة 2014 عن جامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب، والثانية في سنة 2018 دار كنوز المعرفة بالأردن.

ذكَرَ المحاضرُ أنّ الكتابَ تناوَلَ أربعَ قضايا أساسية، حاول الكاتبُ من خلالها أن يُجلّي لنا أزمات الواقع العربي من خلال أزمة العدالة في الوطن العربي، ومشكلة هجرة الكفاءات، وأزمة الهوية واللغة، وواقع المرأة العربية المعاصرَة.

هذه القضايا الأربع تناولها الأستاذ بمقاربة حديثة تتصل بالتحليل النقدي للخطاب، الذي يربط بين بنية الخطاب والقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، مُضيفا أننا نحن أمام كتاب في «فقه الواقع»، معرّفا إياه أنه الفهم العميق لِما تدور عليه حياة الناس وما يعترضها وما يوجهها، فهو يحلّل هذه القضايا الأربع تحليلا نقديا، وفوق ذلك يقدم حلولا للخروج منها.

وقد وقف الأستاذ مرارا عند بعض فقرات هذا الكتاب في هذه القضايا الأربع ليكتشف أنه أمام فيلسوف وأنثروبولوجي وعالم اجتماع وسياسي، فهذه المكونات كلها تجعلنا أمام عالِم لا ينغلق على تخصصه، وإنما يجعل من هذا التخصص جسرا للتخصصات الأخرى.

وقد أورد الدكتور أحمد بوعود بعض الأسئلة والإشكالات في قراءته للكتاب، مع الإجابة عنها، منها:

* لمن يتوجه هذا الكتاب؟

فذكر أنه من خلال عنوان الكتاب يتوجه إلى فئتين من الناس، أولا: إلى الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية عامة، ثانيا: ثُم إلى الباحثين اللسانيين المشتغلين بلسانيات النص وتحليل الخطاب.

وجدير بالذكر أن هذا الكتاب يحرص على تجاوز الفَرق بين المباحث التي تَنتقلُ من النظرياتِ الاجتماعية المجردة عن كل تحليل نصي أو خطابي إلى ذلك التركيب المنهجي الذي يقدم رؤية تحليلية نقدية للقضايا الاجتماعية.

فالكاتب يؤكد في كتابه هذا وفي باقي كتبه أن العالِم هو المنخرط في قضايا مجتمعه كيفما كانت، يصوّب الناس ويوجههم ويرشدهم.

بعد ذلك تحدث الدكتور أحمد بوعود بإيجاز شديد عن هذه القضايا الأربع التي اشتمل عليها الكتاب، مع إشارته إلى أن الدكتور عبد الرحمن بودرع مُنفتح على الثقافات الأخرى ومُطّلع عليها، وذلك من خلال النظر إلى المراجع التي اعتمدها في كتابه، فقد ضمّت كُتبا من لغات أخرى إلى جانب كتب العربية.

وفي آخر كلمته، أوصى الفرق البحثية المنظمة لهذه اليوم الدراسي في قراءة كتب الدكتور عبد الرحمن بودرع بأن تعمل على تنظيم ندوة دولية تفصّل القول في كتب الأستاذ.

4- قراءة الدكتور مصطفى الزكاف في كتاب: “الخطاب القرآني ومناهج التأويل: نحو دراسة نقدية للتأويلات المعاصرة”

 تناول الدكتور مصطفى الزكاف من شُعبة الدراسات الإسلامية في هذه القراءة هذا الكتاب، وقد جعل هذه القراءة في خمسة معالم، أولها: معلم تعريف وتبصير، والثاني: معلم قراءة العنوان، والثالث: معلم المضمون، والرابع: معلم سياق تأليف الكتاب، والخامس: معلم الآفاق.

فأما عن المَعلم الأول فقد ذكر الدكتور مصطفى الزكاف أن الكتاب صدر ضمن منشورات مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء سنة: 2013م، وهو الإصدار الأول ضمن سلسلة دراسات قرآنية معاصرة، في مجلد متوسط الحجم.

وفي حيّز التبصير ذكر الدكتور أن القارئ عندما يصحب هذا الكتاب فإنه يصحب عالما مبدعا يرسم الواقع ويسترشد الآفاق ويضع المعالم لمنهاج سليم يؤمِّن الخائف ويهدي الطائف، وأكد أن الكتاب يعالج قضية من أخطر القضايا في البحث العلمي المعاصر، هي قضية التأويل.

أما المعلم الثاني فهو معلم العنوان، وذكر الدكتور أن العنوان الأصل وهو «الخطاب القرآني ومناهج التأويل» عنوان محكم النسج، صادق القول، كاشف عن المقصد، معتدل العبارة، أما العنوان الفرع وهو «نحو دراسة نقدية للتأويلات المعاصرة»، فهو عنوان كاشف للتخصيص بعد التعميم. ولما كان الموضوع واسع الأطراف اختار المؤلف لفظ «نحو» لِيُعْلِم القارئ أن كتابه مقدمة لمشروع، ولينبهه على معالمه في هذا الموضوع. كما وقف عند المصطلحات المفتاحية في العنوان، وهي: الخطاب القرآني والتأويل.

والمعلم الثالث من المعالم التي وقف عندها الدكتور هو معلم المضمون، وفيه ذكر أن الكتاب يتكون من فصلين وخاتمة، فالفصل الأول خصصه المؤلف للدراسات النقدية للتأويلات المعاصرة، أما الفصل الثاني فخصصه لمقتضيات ولوج باب التأويل، وقد حاول المؤلف من خلال كتابه أن يجيب عن بعض الأسئلة المُثارة في ميدان التأويلات المعاصرة للخطاب القرآني إجابة نقدية تسعى إلى البرهنة على أن التأويلات الحداثية لم تُؤْتَ من جِهة     الممارسة الفلسفية بحد ذاتها، وإنما أُتِيَتْ من جهة إخراج النص القرآني من سياقه ومقاصده الكبرى.

ورابع هذه المعالم التي سطرها الدكتور هو مَعْلَم السياق؛ حيث وقف على سياق تأليف الكتاب، وقد أشار إلى أنه ظهرت في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة العديد من النظريات التأويلية الجديدة التي اجتهدت في تطبيق بعض مبادئ اللسانيات ومنهجيات التأويل على النص القرآني، غير أن هذه القراءات لم تَخْلُ من مزالقَ نظريةٍ ومنهجيةٍ، كما أثارت العديد من الانتقادات والاعتراضات. ويأتي عمل المؤلف وسط هذه الأمواج المتراكمة ليحقق بذلك مقاصد تمثلت فيما يلي: معرفة الجذور، وسقي البذور، وتهذيب الغراس ودفع الشرور، وقد فصل الدكتور الحديثَ في كل مقصد من هذه المقاصد تفصيلا مبينا.

وختم مداخلته بخامس هذه المعالم وهو معلم الآفاق، التي لخصها في ثلاثة، وهي: أفق الترشيد، وأفق التكميل، وأفق تحقيق المفهوم الشامل للتأويل.

5- مداخلة الدكتور هشام بحيري في قراءَة كتاب النص الذي نَحْيا به”:

موضوع المداخلة: «مركزية النص في المشروع العلمي للدكتور عبد الرحمن بودرع».

 استهل الدكتور هشام بحيري مداخلته بتقديم إشارات تبيّن مدى تأثير النص في المشروع العلمي للدكتور عبد الرحمن بودرع، وتضم هذه القراءة كتاب «النص الذي نحيا به»، وفي حديثه ذكر أنه لا يمكن أن يحيط في هذه  القراءة  بمركزية النص في المشروع العلمي، وأنه سيقدم إشاراتٍ وملامحَ تبيّن مدى تأثير النص في هذا المشروع العلمي، مُشيرا إلى أن الدارِسَ للإنتاج العلمي لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بودرع لا يملكُ إلا أن يطيل الوقوف والتأمل أمام الجهد الذي بذله في إنتاج مجموعة من المؤلفات التي تتميز بأصالتها ونَفاستها، وتُنْبِئُ عن تصور دقيق لمشروعه المتفرد، بحيث يشكل النص بؤرته ومركزيته، وينظر إليه نظرة موسوعية تتجاوز حدوده الضيقة، ويفكك بناءَه الداخلي وينفتح على سياق إنتاج متلقيه. ويمثل كتاب «النص الذي نحيا به» أنموذجا للإنتاج العلمي للدكتور عبد الرحمن بودرع الذي يكتفي فيه بالنص، ويعبر فيه عن مجموعة من التصورات الدقيقة التي تُسْهِمُ في الكشف عن النص وبلاغته تنظيرا وتطبيقا، وتستمد هذه التصورات أصولها من التراث اللغوي الأدبي والنقدي العربي، وما يزخر به من نفائس وذخائر لا تفصح عن مكنوناتها وأسرارها إلا لمن صاحبها وتمرس بِسَبْرِ أغوارها.

كما أشار إلى أن الدكتور عبد الرحمن بودرع ينفتح في تصوراته على علوم اللسان الحديثة في الغرب بمختلف اتجاهاتها ومدارسها، وما قدمته من مبادئَ نظريةٍ لرصد القواعد المتحكمة في بناء النصوص والكشف عن معانيها ودلالتها وحمولتها الحجاجية، كل ذلك يجعل الكتاب يلمس قوة الشخصية العلمية للمؤلف التي تفاعلت مع المدونات المختلفة فأثمرت تصورا متكاملا للنص تتفاعل فيه مقاربات تحيط بكل جوانب النص بدءا من البنية الذهنية التي أنتجته، ووصولا إلى متلقيه وتفاعله معه.

وأضاف أنه إذا كانت المصطلحات مفاتيحَ العلوم تفتح مغاليقها وتعين على فهمها، فإن عناية المؤلف بالتحديد الدقيق للمصطلحات في تحديد النص ظاهرة بارزة في الكتاب تعكس إيمان الكاتب الراسخ بقيمة الجهاز المفاهيمي في أي حقل علمي أو معرفي، وفي أي نظرية من النظريات العلمية، فلا غَرْوَ أن يهتم الدكتور عبد الرحمن بودرع بهذا الجهاز ويدقق النظر فيه، ولا يكتفي بذكر ما أوردته المعاجم اللغوية والمختصة من تعريفات المصطلح وتحديداته، بل يمحّصها على التوافق بين دلالتها اللغوية والاصطلاحية. ولعل أول ما يثير القارئ في كتاب «النص الذي نحيا به » كما أشار الدكتور هو حديث مؤلِّفه عن مصطلح النص واعتراضُه على إسقاط دلالته اللغوية على دلالته الاصطلاحية بعدم التوافق بين الاصطلاح والمفهوم.

كما ذكر مركزية النص في كتب الدكتور عبد الرحمن بودرع التي تجلت في الاهتمام الكبير الذي يُولِيهِ للعلاقات الداخلية للنص ودورها في تماسك النص وإنتاج المعنى، وله في ذلك آراء سديدة وفوائد جليلة تفيد منتج النص وتوجهه نحو آفاق الإبداع والكمال، وفي ذلك أشار الدكتور إلى توجيهاتٍ أوردها الدكتور عبد الرحمن بودرع في كتابه بقوله: «فكلما قلت الروابط اللفظية مع بقاء الربط وشدة التماسك اكتمل المعنى وعَلَا، وكلما كثرت مع إمكان الاستغناء عنها وبقائه تناقصت درجات التماسك والبلاغة». فقيمة الربط في قلة عدد الروابط مع أصول الربط؛ «أعطيتكه» أبلغ من «أعطيتك إياه»، وتقليل الروابط اللفظية في رأي المؤلف أيضا يفسح المجال للروابط العقلية والعلاقات الذهنية والقيود المنطقية لتقوم مقام الأدوات اللفظية وتَسُدَّ مَسَدَّهَا وتُغْنِيَ عنها، وهو رأي وجيه يستحضر دور المتلقي أيضا وإسهامَه في بناء المعنى من خلال إعمال قدراته العقلية والذهنية للكشف عنه، كما ذكر الدكتور أنه لا يمكن أن نتحدث عن العلاقات الداخلية للنص للمؤلف دون أن نشير إلى تركيز المؤلِّف على القواعد التركيبية ودورها في بيان المعاني والمقاصد والمقامات، ومن أهم تلك العلاقات علاقة الإسناد التي تعضد العلاقات بين الكلمات ومعانيها وتشحنها بحمولات دلالية وحجاجية تستمدها من سياق استعمالها وما يجاورها من ألفاظ أخرى تتفاعل معها فتشد عضد بعضها البعض. كما أشار إلى أن استعمال الروابط اللغوية للمؤلِّف لا يخضع للقواعد التركيبية فقط، بل يتأثر بقيود النفس فتنجب المبدع بأدوات الربط والإضافة وتنقل للقارئ الروابط النفسية.

وبالإضافة إلى الروابط اللفظية ينبه المؤلِّف إلى روابط قَلَّما ينتبه إليها المهتمون بتحليل النصوص، وهي الروابط المعنوية التي قد تَرِدُ أحيانا على شكل ثنائيات أو موازنات متضادة ومتقابلة تضمن للنص تماسكه، وقد ذكر الدكنور أمثلة تطبيقية من كتاب «النص الذي نحيا به»  تُجَلِّي قيمة هذه الروابط في تماسك جمل النص وانسجامها، وذكر أنه لا يمكن أن نغفل، ونحن نتحدث عن الروابط الداخلية، الحديثَ عن الإحالة وأدواتها من الضمائر وأسماء الإشارة وأسماء الموصول…، وهنا وقف على الإحالة من نوع خاص، فإنها كثيرا ما نبه إليها المؤلِّف في مناسبات كثيرة، وهي الإحالة بــ«فعل» المجردة غيرِ المحددة، الدالة على الكون العام وما يشق منها من المشتقات التي تتجاوز وظيفة الربط لتؤدي وظائف أخرى مثل الاختصار، وتجنب التكرار، فقد أوردها المؤلِّف بِتَتَبُّعِها في آيات كثيرة من القرآن الكريم، لا سيما في الفصل الأخير من الكتاب.

كما ذكر اأستاذ المُحاضرُ أمورًا أخرى نبه عليها الكاتبُ في مؤلَّفه، وهي أهمية الترتيب في الكلام للتعبير عن مقاصد المتكلم، وفي ذلك تقديم ما حقه التأخير، وتأخير ما حقه التقديم، مراعاة للقصد والمقام، بالإضافة إلى اهتمام المؤلِّف بالروابط اللفظية والمعنوية ودورها في تماسك النص. كما بَيَّنَ أن مراعاة السياق في تحليل النص مَلْمَحٌ بارزٌ في المشروع العلمي للدكتور عبد الرحمن بودرع، وقد أورد في موضوع السياق كتابا خاصا نُشر سنة 2006، وهو «منهج السياق في فهم النص»، كما ذكر الدكتور أنه لا تخلو بعض كتبه الأخرى من إشارات مهمة إلى قيمة السياق في قراءة النصوص وتحليلها.

وفي معرض حديثه ذكر أن المشروع العلمي للدكتور عبد الرحمن بودرع تؤطره قيم أخلاقية وتوجيهات علمية يسعى إلى إشاعتها في ثنايا كتابه كلما دعت الضرورة إلى ذلك. هذا مع تركيزه على  منهج ذكره الدكتور عبد الرحمن بودرع، وهو منهج قراءة النص، حيث اعتبرها من القضايا التي لا يمكن القفز عليها في قراءة الكتاب، وهي حديث المؤلف عن قراءة النصوص وفهمها ووصفها وتحليلها.

وختم الدكتور قراءته بتنبيهه على أن الكتاب وكثرة مواضيعه لا يمكن حصرها في قراءة واحدة، بل الكتاب يحتاج إلى قراءات متعددة لِما يتميز به من عمق فكري؛ فكل فقرة من فقراته يمكن أن تستنبط منها مواضع أخرى يمكن أن تكون مشاريعَ بحثيةً للماستر والدكتوراه أو غير ذلك.

6- قراءة الدكتور هشام تهتاه في كتاب منهج السياق في فَهم النص:

والكتاب الذي قدم فيه هذه القراءة هو كتاب «منهج السياق في فهم النص»، وهو كتاب صادر عن سلسة كتاب الأمة، فقد ذكر الدكتور أن الكتاب من الكتب المتوسطة الحجم الغزيرة الفائدة، وأنه كتاب في المنهج، يحتاجه كل طالب علم من الدراسات العربية والإسلامية والتاريخ وسائر صنوف المعرفة.

وقد وقف عند مقاصد هذا الكتاب، فذكر منها مقصدَ إخراج المعارف المنهجية النظرية من حيزها المُغْرِقِ في النظر إلى ميدان العمل والتفعيل في رحاب القرآن والسنة. والمقصد الثاني: لفت الانتباه إلى أهمية المنهج السياقي باعتباره واحدا من المناهج القديمة والحديثة التي يُرجى أن تُسْهِمَ في فهم نصوص القرآن والسنة الفهمَ المَرْجُوَّ. والمقصد الثالث والأعظم: بيان كيفيات توظيف منهج السياق في فهم مراد المتكلمين عموما وفق ما تدل عليه القرائن اللفظية والحالية وبحسب ما تبلغه الطاقة البشرية.

ونَوَّهَ الدكتور هشام تهتاه بذكاء المؤلف وحكمته حين اقتحم عتبة الكتاب بتمهيد من صفحتين اثنتين ذكر فيهما فكرة الكتاب ومشكلته وزبدته ومضمونه بأسلوب عذب متسلسل، ثم أتبع هذا التمهيد ببيانٍ أتى فيه على تعريف السياق وأنواعه، ثم استرسل في الكلام إلى الختام.

فقد ذكر أن السياق نسق عام تنتظم فيه عناصر النص ووحداته وتترابط بواسطته الجمل، وتتكامل من خلاله المعاني، وأكد أن السياقاتِ أنواعٌ ينبغي مراعاتها مجموعةً لا متفرقة، ومن أبرز هذه الأنواع وأهمّها: السياق اللغوي، والزماني، والمكاني، والتاريخي، والمعرفي، والمقاصدي، والاجتماعي، وغيرها من أنواع السياق.

وبين الدكتور هشام تهتاه أن من يقرأ الكتاب يعلم أن المراد من النص الذي جاء في العنوان هو نص القرآن والسنة، لكن ما يجري عليهما يجري على غيرهما من كلام البشر، وقد جاء عنوان الكتاب ليجذب انتباه جميع القراء. كما نبه إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أنه كما لا يجوز الاقتصار في تفهم معاني الخطاب الشرعي على مجرد المقاصد والمعاني، فكذلك لا يليق بالقارئ أن يقف عند مجرد الحروف والظواهر.

وأكد في هذا السياق أن حاجتنا تشتد في القرآن والسنة إلى السياق إذا استصحبنا أمرين اثنين: أولهما: أن تعريف القرآن للأحكام كلي، وإذا كان ذلك كذلك عُلِمَ أن القرآن على اختصاره جامعٌ، ولا يكون جامعا إلا إذا كان المجموع فيه كليات. والأمر الثاني: هو أن لغة القرآن على عُروبتها تمتاز على لسان العرب بخصائص هي التي أكسبته صفة الإعجاز، فلزم أن يتبحر طالب السياق ومُريد فهم القرآن في أسرار لغة القرآن.

وذكر أيضا من مقتضيات إعمال المنهج السياقي في تفسير القرآن ألا يقتصر المفسر على دلالة الكلمة المفردة، بل ينبغي أن يتجاوز بها إلى النظر في ترتيب الكلام، لأنه الأجدر بالكشف عن المعنى المراد. وهذا الكتاب عجيب فريد فيه مداخل متنوعة، ومن الجوامع أن تحكيم السياق يقتضي مراعاة موقع الكلمة من الجملة، ومراعاة موقع الجملة من الآية، وموقع الآية من قريباتها، وموقع الآيات من السور، وموقع السور من القرآن كله.

7- مداخلة الدكتور عدنان أجانة في قراءة كتاب إسعاف الخاطر في تهذيب إتحاف الناظر”:

استهل الدكتور عدنان أجانة قراءته الماتعة بكلام قيل قديما بأن كتب الجاحظ تُعَلِّم الأدب أولا والعقل ثانيا، مُشيرا إلى أن كتب الدكتور عبد الرحمن بودرع كذلك تُعَلِّم الأدب أولا والعقل ثانيا، بل وطريقة البحث ثالثا، ومن قرأ الكتاب سيخرج بهذه الفوائد الثلاث.

كما أشار إلى أنه من اللطائف أن الدكتور عبد الرحمن بودرع عندما ختم كتابه “إسعاف الخاطر” كتب في آخر العنوان كلمة قال فيها: «السيرة الذاتية مشروع مستأنف لا ينقطع». وهذا من لطائف الموافقات في هذا الباب.

تناول الدكتور عدنان أجانة في قراءته لمؤلفات الدكتور عبد الرحمن بودرع كتابه الموسوم بـ«إسعاف الخاطر في تهذيب إتحاف الناظر»، وقد قرأه ضمن سياقه من كتب الترجمة الذاتية، وهو سياق حافل بالقضايا النقدية والأدبية، وقد أثار الدكتور عدنان أجانة بعض الإشكالات المتعلقة بفن السيرة الذاتية وأثرها في الكتاب أو ما يظهر من موقف المؤلف منها، وأول إشكال استعرضه هو إشكال التجنيس: فإن موضوع السيرة الذاتية فيه نقاش طويل، هل هو جنس مستقل بنفسه كما نقول: الرواية، ونقول: الشعر؟ أم هو فرع تابع لجنس عادي؟

وكتاب: «إسعاف الخاطر في تهذيب إتحاف الناظر» يشتمل على اثنتي عشرة حلقة، بعضها له علاقة شخصية بالمؤلف، مثل حديثه عن النشأة ومكان الأم وأيام دراسته وملامح شخصيته، وبعضها له علاقة بالمتلقي، كحديثه عن القارئ واستحضار أسئلته وبيان علاقته بالكتاب، وبعضها له علاقة بالمجتمع، مثل حديثه عن مظاهر الحياة المعاصرة وزمن الغربة والزيف وتحليله لبعض المشاهد التي لها علاقة بذلك، وبعضها الآخر له علاقة بقضايا هي مجال أخذ ورد، مثل حديثه عن الدرس اللساني في الجامعة المغربية ومسارها وآفاقها، وفي أثناء ذلك كله حديث عن النفس ومشاعرها وعن رؤيتها للواقع.

الإشكال الثاني: سؤال النمط، لأن السيرة الذاتية على أنواع وتصانيف.

الإشكال الثالث: سؤال الهوية والنشأة، فمن المواضيع النقدية التي تثار في السيرة الذاتية قضية النشأة، والباحثون فيها على مذهبين؛ فبالنسبة لشوقي ضيف وغيره، فهي عنده فن مستحدث عند العرب قلدوا فيه غيرهم من الأمم الأجنبية، بينما سعى آخرون إلى إثبات جذورها في التراث العربي من خلال مجموعة من التراجم الشخصية التي يمكن أن يقف عليها القارئ. وإذا رجعنا إلى «إسعاف الخاطر» نجده يتجاوز هذا الموضوع، حيث نجده في مقدمة الكتاب يحيل على  الجاحظ عندما يقول: «لا يزال الناس بخير ما بقي الأول يتعلم منه الأخير»، كما يذكر أن الحافظ بن حجر ترجم لنفسه كتابا، فهذه الإحالتان تجعلان الكتاب ينتسب إلى هذه الحلقات الطويلة من مَسيرة السيرة الذاتية، وتجعلانه أيضا لَبِنة من لبنات هذا المشروع الضخم الذي يبعث الله في كل جيل من يسجّل أحداثه ويُدَوِّنُ وقائعه ويكونُ شاهدا عليه.

الإشكال الرابع: السيرة الذاتية والفن الأدبي، وقد أخذ الكتاب بحظه من الفن الأدبي جاعلا القارئ يعيش معه في متعة أدبية، يُقَلِّب صفحات الكتاب بين أساليب متنوعة ومضامين مختلفة وقضايا تُناقش وعبارات جزلة محكمة.

وفي حديثه تطرق الدكتور إلى أن من معالم البناء الفني في الكتاب صياغةَ عنوانِهِ كسابقه من عناوين كتب الدكتور عبد الرحمن بودرع على ضرب من الصياغة الفنية المقصودة، حيث أفرغ في قالب السجع، والسجع له أثر على المتلقي يتجلى في الإيقاع الذي يحدثه العنوان، وهو «إسعاف الخاطر في تهذيب إتحاف الناظر»، ذاكرا في ذلك أن أحسن السجع ما جاء عفوا.

الإشكال الخامس: السيرة الذاتية والتجربة، ففي كتاب «إسعاف الخاطر» نجد الدكتور عبد الرحمن بودرع حريصا منذ بداية الكتاب على شرح غرضه وأهميته، وقد ورد في مقدمة الكتاب وتوطئته ألفاظ ترجع إلى هذا الحقل الدلالي نفسه، مثل كلمات «تجارب السنين وحوادث الزمان والنظر في العواقب وتقييد العبر…» إلى غيرها من العبارات، وهذا المعجم غني يجعل القارئ في مطلع الكتاب في سياق تفاعلي مع الكتاب، لأنه يشكل له خطابا مؤسسا على النصيحة والارتباط، وهو أمر مهم بالنسبة للقارئ، لأنه يروي شغفه لمعرفة العواقب والمعالم.

بعد ذلك تطرق الدكتور عدنان أجانة إلى نقطة أخيرة، هي السيرة الذاتية وذاكرة الأمة، وهي تبرز علاقة السير الذاتية بذاكرة الأمة، لأن السيرة الذاتية ذاكرة فرد من أفرادها، وهو شاهد على عصره، وأحداثها تعرض للفرد في نطاق مجتمع وتعرض أعماله متصلة بالحياة العامة أو منعكسة عنها أو متأثرة بها، والسيرة في هذا الوضع تحقق غاية تاريخية، والواقع أن السيرة الذاتية ليست مجرد استعادة للماضي كما جرى، لأن ذلك لن يقود إلا إلى الحديث عن عالم انقضى إلى الأبد، بل هي محاولة للبحث عن الذات من خلال تاريخه.

ومنزلة كتاب السيرة الذاتية عند مؤلفه قبل الناس عامة هي منزلة خاصة؛ لأنها ترجمة لحياته ومرآة لمسيرته وتاريخه الذي ملأ أحداثه وشهد وقائعه وعاش فتراته، وهذه هي المنزلة الخاصة للسير الذاتية، تجعل زمن التأليف فيها ممتدا، لأنه يُلاحَظ في وقائعها وأحداثها النموُّ والتطورُ وتغيرُ الشخصية مع مراحل السنين، كما أنه يُلاحَظ بدقة تأثير الأحداث في الخارج والداخل على نفسية صاحبها. إن إعادة إحياء المشاهد من جديد واستحضار الذكريات ورجع صدى الماضي واستنطاق العهد الغابر كلها تخاطب في المتلقي نزعة الفضول وشوق الاطلاع والعلم، كأن السير الذاتية مرآة ينطبع فيها المستقبل الآتي كما انطبع فيها الماضي الغائب، والكتاب قد نبه إلى هذا المقصد وألحّ عليه، بل اعتبر أن كل كاتب أو سارد أو راوٍ حَرِيٌّ به أن يُحْيِيَ ذاكرته وذاكرة قومه.

 وختم الدكتور عدنان أجانة كلمته بأن مواضيع الكتاب على اختلافها وتنوعها فيها شهادة المؤلف على عصر عاشه وأَلِفَه؛ عاشه في البيت والمدرسة والشارع، فسمع ورأى وعمل، وفرح وحزن وشهد على مكانة الجامعة، فسافر حاجا ومعتمرا، وزائرا ومؤتمرا، وخالط الناس وعاشرهم، وصحب طبقاتهم وخَبر أحوالهم، حياة ملؤها التجارب والوقائع والأحداث، أحب المؤلف أن يشاركنا حلوها ومرها وطريفها وشاقها، وهي رحلة ممتعة جدا تبدأ من مقدمة الكتاب وتنتهي في صفحة الفِهرس، مع جمال الوقف وحسن الإخراج، وهذه دعوة ضمنية إلى قراءة الكتاب والاستمتاع بمزيد من علمٍ وتاريخٍ وتجاربَ وقضايَا.

الكلمة الختامية للدكتور عبد الرحمن بودرع:

وفي ختام هذا اللقاء العلمي الحافل أُعطيَ الكلمةَ الأستاذُ عبد الرحمن بودرع الذي عبّر عن شكره وامتنانه للجميع؛ أساتذة وطلبة ومحاضرين، ولكل من نظم هذا اللقاء العلمي الأكاديمي، وكذلك كل من سيّر وفكّرَ ونظر وأنجَزَ وشارَك، والذي جمع هؤلاء الأحبة الذين حضروا  من باحثين وقراء ومستمعين هو رَحِمُ العلم الذي يجمع بين أهله، وهذه مفخرة من مفاخر العلماء الباحثين الذين يجمعهم هذا المطلب الجليل العزيز الذي هو العلم والتعلم. وذكر الدكتور أن تواصُلَ العلم شرط من شروط استمرار حياة العقل والقلب، كما عبر عن سعادته وسروره باجتماعه في هذا المجلس المبارك للاستفادة فيه من الأساتذة الكرام والباحثين الجادين الذين تفضلوا مشكورين مَجْزِيِّينَ بالإدْلاءِ بأفكارهم التي هي من حُسن ظنهم الكريم.

وفي معرض حديثه ذكر الدكتور عبد الرحمن بودرع أن التجربة العلمية تربطها رؤية علمية متجددة، فإذا توقف الإنسان عن التفكير العلمي وإخلاص العمل لله تعالى في الميدان العلمي فإنه ستتوقف حياته ويصير مجرد مستهلِك، والمشروع الواضح المتجدد لا ينقطع ولا يتوقف، وكذلك القراءة العلمية الأكاديمية للكتب تقليدٌ حَسَنٌ كما يتفضلون بفعله، مستمر ومستأنَف لا ينقطع، وقد أشار إلى أن القراءة العلمية تضيء الطريق للباحثين والطلاب في فهم المسار العلمي وترشد إلى فضائل كثيرة، منها: منهج الكتابة، وشروط الكتابة العلمية.

كما عبر الدكتور عن سعادته وهو ينصت إلى وقع هذه الأسطر التي خطت في أزمنة ما، وإلى وقعها في نفوس القراء والباحثين الذين قرؤوها، مُشيرا إلى أن أهم ما يطبع الكتابة العلمية الرصينة، وسائل البحث ومناهجه ومفاتيحه وأدواته، وعلى رأسها علوم الآلة التي يستهين بها الكثير من الناس في هذا الزمان، وهي رأس الأمر كله لولوج باب المعرفة واقتحام النصوص، ذاكرا أن التجديد الذي يرومه ويقصده هو توسيع مجال التطبيقات ونقد المفاهيم؛ مفاهيم اللغة والبلاغة والنحو، بمعنى أنه لا يمكن أن ننظر إلى ذلك إلا بعد توسيع مجال التطبيقات، لأننا قد غرقنا في المباحث النظرية، حتى إن النظريات أصبحت تتبخر وتنحسر، ونُلْفِي أنفسنا في آخر المطاف لا نمسك شيئا بعدُ، وهذا قد حصل في كثير من العلوم الإنسانية النظرية في الغرب، كما أن كثيرا من النظريات تُتَجاوز تجاوزا كبيرا لأنها لم تؤصل إلا لدراسة الواقعية النصية وغير ذلك.

وذكر الدكتور في معرض حديثه أن التجديد ليس الاكتفاء بترجمة المعارف الجديدة الوافدة ترجمة لذاتها وفي ذاتها، وإن كانت الترجمة مفتاحا من مفاتيح الاطلاع، وإنما يتعين تحريك علوم الآلة ووسائلها تحريكا مستمرا، وهذه الوسائل مبثوثة في علوم العربية، وكذلك الوسائل الوافدة المترجمة ينبغي استنباط الحكمة منها.

وفي آخر كلمته أشار الدكتور عبد الرحمن بودرع أن مركزية النص جبل شاهق لا يُحاط به ولا يُبْلَغُ مُنَاهُ ولا يربطه النظر في علاقات الضمائر أو شبكة الإحالات التي كان فيها الكلام كثير، وبيَّن أنه كلما شعرنا باقترابنا من النص ازداد عنَّا بعدا، وهذا كله لا يكفيه النظر، ولا حتى النظر نفسُه في السياق الداخلي والخارجي، ولكنه نظر مستمر متحرك مستهدَف لا يتوقف إلا ليستأنف السير والنظر، وعلى رأس النصوص كتاب الله تعالى الذي لا تدركه الأفهام والأبصار، ولا يبلغ أحد منتهاه، وما زال العلماء يتنافسون في محاولة الوصول إليه.

وقد ذكر أنه سيخرج كتابٌ جديد له إن شاء الله تعالى عنوانه: «بلاغة التضادّ في بناءالخطاب: قضايا ونماذج»، يحاول أن يختصر فيه تجربة أخرى، ثم يليه كتابٌ آخر عنوانه: «نحوُ النص: قضايا ونماذج».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق