مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقدية

جهود المغاربة في خدمة الفكر الأشعري

   انعقدت يوم الخميس 21 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق ل 25 ماي 2011م على الساعة العاشرة وثلاثين دقيقة ندوة علمية في موضوع “جهود المغاربة في خدمة الفكر الأشعري” وذلك برحاب كلية أصول الدين بتطوان، نظمها مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بتعاون مع ماستر “العقيدة والفكر بالغرب الإسلامي” بجامعة القرويين كلية أصول الدين بتطوان. بمشاركة كل من الأستاذين، الدكتور: محمد  الفقير التمسماني الإدريسي (منسق الماستر) والدكتور: خالد زهري (الباحث المتخصص بالخزانة الحسنية بالرباط) وتنسيق الدكتور: جمال علال البختي (رئيس المركز).
   وقد عرفت الندوة حضورا متميزا، أثثه ثلة من العلماء والأساتذة الأفاضل من داخل كلية أصول الدين وخارجها، بالإضافة إلى الطلبة الباحثين من كل المستويات.
   افتتح اللقاء بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، بعدها أخذ الكلمة الافتتاحية الدكتور جمال علال البختي رئيس مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، حيث شكر عمادة الكلية ومنسق الماستر على تعاونهما لإنجاح أعمال هذه الندوة، ورحب بالحضور، ثم قدم ورقة تعريفية موجزة بالمركز؛ فتحدث عن دواعي التأسيس، وعن المرتكزات التي يشتغل عليها، والدعامات التي يقوم عليها مشروعه، واعتبر تنظيم هذا اللقاء العلمي داخلا في إطار تفعيل تلك الدعامات. وقد عرفت أشغال هذا اللقاء تقديم  مداخلتين علميتين:
    ففي المحاضرة العلمية الأولى: شكر الدكتور خالد زهري مركز أبي الحسن على دعوته الكريمة، ثم قدم ورقته التي انصبت في مجملها عن “مستويات الإبداع في علم الكلام الأشعري لدى المغاربة”، منبها أولا على التداخل والتقاطع اللذين طُبع بهما علم الفقه وعلم الكلام وعلم التصوف في المغرب، هذا التداخل الذي أعطى للمغرب خصوصيته الفكرية والحضارية، وأخرج علماء من المستوى العالي أبدعوا في هذه التخصصات جميعا بروح شاهدة على التقاء وارتباط هذه الثوابت في الفكر الديني المغربي.
   ثم تحدث عن المرحلتين: المرابطية والوطاسية، معتبرا بأن هاتين المرحلتين ظُلمتا كثيراً من طرف الباحثين عموما ومن المستشرقين –ومن حذا حذوهم- خاصة؛ وذلك لأنهم اعتبروا هذه الفترة من تاريخ الفكر المغربي (وخصوصا فكره العقدي الأشعري) فترة مظلمة، والحال أن عرض هذه الدعوى على محك النظر، والبحث عن الشواهد العلمية والوثقية يثبت عكس ذلك. فإذا كان العصر المرابطي قد تميز بظهور متكلمين متميزين وعلى رأسهم الإمام أبو الحجاج الضرير (تـ:520هـ)، وإذا كان عصر الموحدين أنتج علماء أشاعرة بارزين من طينة السلالجي (ت:574هـ) وابن خمير (ت:614هـ)، فإن المرحلة الوطاسية شهدت واحدا من أنبغ علماء الأشاعرة في المشرق والمغرب ألا وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (تـ:895)، وهو من هو علما ومنافحة عن العقدية الأشعرية.
    وبجانب تفنيد هذه الدعوى، عرض الدكتور زهري لدعوى أخرى تعتبر علماء الكلام المغاربة مجرد ناقلين ومكررين لمن سبقهم لا غير، الأمر الذي استدعى وقفة من الباحث في الرد على هذه عليهم تقريرا واعتراضا.
بعدها تكلم عن ورقته الأساسية ألا وهي: “مستويات الإبداع في علم الكلام الأشعري عند المغاربة”، واختزلها في:
1 – الإبداع على مستوى المنهج التعليمي: حيث ركز على جهود المغاربة في خدمة الفكرالأشعري بواسطة التأليف بمناهجه المختلفة: مختصرات- ومطولات –ومتون –ومنظومات-وشروحات- وتحشيات. مؤكدا على أننا لا تجد فقيها مغربيا إلا ووضع عقيدة في علم الكلام، حيث كان القصد من تلك العقائد تجذير الفكر السني الأشعري واستئصال الآثار العقدية الدخيلة.
2 – الإبداع على مستوى تقريب علم الكلام: حيث تحدث فيه عن الجهود التي بذلها العلماء في تقريب كتب أئمة الأشاعرة ك”الإرشاد” وغيره بالشرح والاختصار والنظم، وتبسيط العقائد للطلبة و العوام من الناس.
3 – الإبداع على مستوى الاختيار: حيث قدم اجتهادات علماء الكلام الأشعري المغربي في عرض الآراء الكلامية والترجيح بينها مستندا على أمثلة واختيارات متعددة.
 4 – الإبداع على مستوى الانفتاح: وفيه عرض لانفتاح علماء الكلام المغاربة على الآراء في المذاهب الأخرى، بالموازاة مع الصرامة في التشبث بالاختيار العقدي الأشعري، ومثل لذلك بالامام السنوسي رحمه الله وقوله ( بجواز رؤية الله للمعدوم).
5 – الإبداع على مستوى الإتيان بالجديد: وقد مثل له بإضافات أبي الحجاج بن نموي في خصوص جوانب استدلالية تتعلق ب (قياس الشاهد على الغائب).
    وختم كلمته بما أكد عليه في الافتتاح، بالإشارة إلى أن التداخل بين الكلام الأشعري والفقه المالكي والتصوف الجنيدي خصوصية مغربية وحقيقة حضارية ظل المغاربة أوفياء لها على مر العصور المتعاقبة وإلى الآن.
بعدها أخذ الكلمة منسق اللقاء فشكر المحاضر على عرضه القيم، ثم تولى تقديم الدكتور محمد الفقير التمسماني، فعرف به وبمؤلفاته. وأعطاه الكلمة لتقديم مداخلته المعنونة ب: (العقيدة الأشعرية مادة في التعليم والتربية: الواقع والآفاق). فافتتح الدكتور الفاضل محاضرته بتهنئة نفسه والحضور الكريم ومدينة تطوان على هذا المولود الجديد (=مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية)، معتبرا هذه الندوة (=النشاط الأول للمركز) حفل عقيقة، و(كل مولود مرهون بعقيقته)، داعيا الله أن يبارك فيه وأن ينبته نباتا حسنا.
    بعدها سطر أهداف مداخلته أولا في:
– بيان أهمية الاعتقاد الصحيح في التربية والتعليم.
– الكشف عن المنهج العقدي عند المغاربة.
– إبراز الجهود التي بُذلت في تثبيت المنهج والمحافظة عليه.
     ثم طَرَح جملة من الأسئلة حول: أهمية الموضوع؟ والأشعرية لماذا وكيف؟ وماهي المراحل التي مر بها المنهج العقدي لدى المغاربة؟
كما طرح إشكالات عريضة، تتعلق بكتب الدرس العقدي المعتمدة، ما مدى ارتباطها بالمنهج العقدي الذي أسسه أبو الحسن الأشعري؟ وما مدى قدرة محتوى ومضمون الدرس العقدي المقدم في التعليم (عتيق وأصيل وعمومي) على مواجهة التحديات المعاصر محليا ووطنيا ودوليا؟
   وحول أهمية الموضوع، بيَّن الـمُحاضر أن العقيدة الصحيحة ضرورية للإنسان ضرورة الماء والهواء، وأن التوحيد هو أساس العقيدة، وأن علم التوحيد كان العُدة الأساس في التربية والتعليم في الصدر الأول، وأنه شكل الصدر في كل شيء في الحضارة الإسلامية.
   وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن بناء المنظومة الفكرية المغربية، وأنها بناء: مالكي سلفي أشعري مغربي. ثم وقف عند كل لبنة من هذه اللبنات بالشرح والتحليل، متسائلا بعد ذلك: هل رسم الإمام مالك لنفسه منهجا في العقيدة؟ وجاء الجواب بأن النتيجة التي نخلص إليها بتتبع كتب الإمام مالك -رحمه الله- وما ألف حول آرائه، أنه كان له منهج عقدي واضح المعالم، وأنه حامل لراية الدعوة إلى المنهج الوسطي في كل شيء.
وعن طبيعة العقيدة الأشعرية قرر أنها «منهج وطريقة ومسلك اختاره الإمام أبو الحسن الأشعري، ومبني على ما كان عليه السلف، واختاره أئمتنا وفقهاؤنا وعلماؤنا»، مستدلا على ذلك بما ورد عن الإمام القادري في “حاشيته” المعروفة، وبما ورد عن الإمام اليوسي في “قانون العلم”.
  وفي الحديث عن الجهود التي بذلها المغاربة لإحياء هذا المنهج العقدي وتثبيته وتدعيمه، أكد الدكتور الفاضل على أن الواقع يشهد بتمسك المغاربة بهذه المنهج الأشعري في الأصول، وإن اختلفوا معه في بعض التفاصيل، مؤكدا أيضا على دور الفقهاء في الحفاظ على المنظومة الفكرية بأسسها وبالمنهج العقدي بأبعاده الأربعة، وذلك بما قاموا به من أجل بناء صرح هذه المنظومة، واستنهاض الهمم لحمايتها والدفاع عنها، حيث يشهد لهم تصديهم للدعوات الباطلة والبدع المنحرفة، والتيارات الهدامة، وردهم لكل أنواع التخلف والجهل.
وقد أخذت جهودهم في تثبيت هذا المنهج العقدي صورا ومظاهر عدة منها:
–  تنظيم مسائله المتناثرة.
–  حماية الاعتقادا(=الاختيار) وصيانته.
–  الإبداع ووضع القوانين.
–  إيجاد الحلول للمشكلات والتصورات الجديدة.
   وبذلك ظل الفكر العقدي المغربي، تصورا عقديا سلفيا وسطيا ناصعا، وفكرا مشرقا مستنيرا ومحافظا على وحدة الأمة.
     وعلى المستوى التعليمي والتربوي، أشار –حفظه الله- إلى المنهج التأليفي لدى علماء المالكية الأشاعرة تجلى أولا في عنايتهم بموطأ الإمام مالك –رحمه الله-، حيث أبرز تداخل التربية العقدية في صلب الموضوعات الفقهية، وكذا المباحث الأخلاقية.
     وفي ختام محاضرته تحدث عن الآفاق المتعلقة بالفكر العقدي الأشعري تعليما وتربية، مؤكدا على ضرورة تطوير وتجديد هذا الفكر على عدة مستويات تتعلق بالمنهجية والوسائل.
      بعد ذلك فتح باب التدخلات والأسئلة أمام الأساتذة الأفاضل والطلبة الحضور.
     فتدخل الدكتور أحمد منى (أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان)، متسائلا: إذا كان علماء الكلام الأشاعرة قد وضعوا للنظر شروطا حتى يكون موصلا ومنتجا، وأنهم أوجبوا النظر، فإلى أي حد يمكن أن يتوفر في العامي هذه الشروط حتى تبرأ ذمته؟
     بعدها تدخل الدكتور عبد الله الشارف (أستاذ بنفس الكلية) فتحدث عن ضرورة تطوير المدرسة الكلامية الأشعرية بالاستفادة من الطرق الجدلية، ومن فن المناظرة الحديث لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة في الداخل والخارج.
     ثم تدخل الدكتور حسن الوراكلي (الخبير في الرابطة المحمدية للعلماء)، باسطا وجهة نظره في جزئيات هامة وردت بالمحاضرتين من قبيل موقف المستعربين من المرحلتين المرابطية والوطاسية، كما قام بتسليط الضوء على شخصيات: المنصور بن أبي عامر، والمعتمد بن عباد بالأندلس، ويوسف بن تاشفين بالمغرب، معرجا على دعوى كون المغاربة مجرد ناقلين في علم الكلام، مبينا لجهودهم في تعاملهم مع أهم كتب علم الكلام الأشعري من مثل “الإرشاد” الذي كان المغاربة يتولون تدريسه بالحرم المكي وغيره.
      بعدها تقدم الأستاذ يوسف احنانة (الأستاذ المتخصص في الفكر الأشعري)، فتناول الحديث عن آفاق التطوير والتجديد في علم الكلام الأشعري، مؤكدا على أن الضرورة التاريخية تدعو إلى تحصين الذات المغربية والحفاظ على الثوابت المذهبية للبلاد، وذلك بالتمسك بالعقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف السني؛ باعتبارها ثوابت مذهبية يُجتهد في إطارها من أجل تطوير وبلورة الفكر الديني وتكييفه مع ما يستجد في العالم من إيديولوجيات ومذاهب ومعتقدات وشروط تاريخية واقتصادية، وأن كل تجديد للكلام الأشعري من خارج نسقه وسياقه فهو –في نظره- مرفوض رفضا باتا.
    بعدها قدم مجموعة من الطلبة الباحثين تساؤلات حول قضايا عقدية متنوعة، مست المداخلتان جوانب منها. ثم أخذ المحاضرون الكلمة في للتعقيب على التدخلات والرد على الأسئلة المثارة.     
      وختمت الندوة العلمية في جو علمي تواصلي بين الأساتذة الباحثين والعلماء الأجلاء والطلبة المتابعين.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق