مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

تقرير عن ندوة “ونحن نبني حضارتنا” للمفكر التركي محمد فتح الله كولن

فضيلة العزيزي

نظم ماستر “خصائص الخطاب الشرعي وأهميته في الحوار” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط بتنسيق مع مجلة “حراء” التركية ندوة دولية حول كتاب “ونحن نبني حضارتناللأستاذ محمد فتح الله كولن، وذلك يوم الخميس 25 صفر 1433هـ/الموافق لـ 19 يناير 2012م.

وقد حضر الندوة ثلة من الدكاترة والأساتذة من المغرب والجزائر وتركيا ومصر والأردن، إذ تناولت الندوة أربعة محاور في أربع جلسات علمية.

وبعد تلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم والترحيب بالحضور، ابتدأت الجلسة الافتتاحية، حيث تلا الدكتور وائل بنجلون رئيس جامعة محمد الخامس أكدال كلمة السيد لحسن الداودي وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي بالنيابة عنه واعتبر هذا اللقاء الفكري يصب في دعم العلاقات الثنائية التي تجمع المغرب وتركيا، كما يسعى إلى توسيع معارف الأدباء والمفكرين من كلا البلدين. كما أكدَّ الدكتور عبد الرحيم بنحادة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط عن ثلاث قضايا تهم فكر محمد فتح الله كولن والتي تتلخص في:

 اللغة: حيث حرص هذا المفكر على تعلم اللغة العربية والفارسية والتركية، واعتبرها اللغات الثلاث للإسلام.

 التربية والتعليم: حيث شبّه التعليم بالمجداف، وقال: إن العلم كالمجداف في قارب…إن لم نتقدم به للأمام…عاد بنا للوراء.

التطلع إلى الغد وعدم العودة إلى الوراء وأن الغالبية العظمى من قواعد الشريعة الإسلامية تتعلق بالحياة العامة للناس.

ثم أضاف الأستاذ أحمد بوكوس السيد عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط أن سبب تميُّز محمد فتح الله كولن يرجع إلى نهله من مجموعة من الثقافات المتنوعة من علوم شرعية وفلسفة غربية وعلوم بحتة، كما أن تأثره بـ “بديع الزمان سعيد النورسي” جعله يؤسس حركة فتح الله كولن، وأضاف السيد مصطفى أوزجان رئيس هيئة المتولين لمستشفى سماء ومستشار مجلة حراء، بضرورة الرجوع إلى جذورنا لقراءة الإنسان والكون والحياة لكي نؤسس قراءة معاصرة لذلك، فالمفكر فتح الله كولن لا يبني أفكاره من تلقاء نفسه، وإنما يرجع إلى الجذور الروحية والثقافية للبحث عن حقيقة فلسفة إسلامية تتفاعل مع فلسفات العصر، ويركز المفكر التركي في ذلك على ثلاثة أركان:

الإنسان الكفء. 

الحيوية: أي إنشاء دولة حرة مستقلة.

استثمار الزمان واستثمار قيمته، حيث إن الدول الراقية جمعت بين كل هذه الأركان وقسمت التخصصات والأعمال بين أعضائها، فالتقدم ليس هو امتلاك التكنولوجيا إنما هو الإنسان الكفء الذي يزاوج بين العلوم الدقيقة والكونية، وأكد أن هذا القرن هو قرن الملهمين والملهمات.

وأضاف الأستاذ نوزد صواش المشرف على مجلة حراء أن  كتاب “ونحن نبني حضارتنا” يتكون من مجموعة من المقالات كتبت على مدى عشر سنوات، وأكدَّ أن مجلة “حراء”، نظمت ما يزيد على 35 ندوة ولقاء على صعيد العالم العربي، مشددا على أن الحاجة اليوم ماسة وأكثر من ذي قبل إلى المفكرين من أمثال الأستاذ فتح الله كولن حتى يقودوا المجتمع للخروج من المآزق التي يتخبط فيها.

أما الأستاذ جمال ترك المدير العام لمركز البحوث الأكاديمية والشبكة العنكبوتية فقد عرض شريطا وثائقيا عن الأستاذ فتح الله كولن تحت عنوان:”غربة القرآن”، والذي يدعو إلى تجاوز الزمن والعودة إلى القرآن والتمسك به والنهل من مشاربه وأحكامه.

وقد تمحورت الجلسة الأولى حول “بناء العقل الحضاري وتشكيل السلوك المتمدن في النفوس”، حيث تفضل الدكتور عبد الحميد مدكور من جمهورية مصر العربية بمداخلته القيمة بعنوان: “الحركة والبناء في فكر الأستاذ فتح الله كولن”، ولخَّصها في أن الحركية والبناء مبثوثان في كتاب فتح الله كولن كما تحدث عن الضمير المنفصل “نحن­” الذي تصدَّر عنوان الكتاب، وتحدَّث أيضا عن الجملة الحالية المستقبلية التي تفيد الحركية في إيمان الفرد وعقيدته من أجل بناء الحضارة، كما دعا إلى التخلص من الركود الذي وقعت فيه الأمة والابتعاد عن اجترار الأفكار الجاهزة، وأكدَّ على ضرورة إعداد أجيال قادرة على تحمل الأمانة، ودعا إلى التوجه إلى الأفكار عوض التوجه إلى الأشخاص، تلتها قراءة رائعة لقصيدة “إليك أيها الإنسان” للدكتور عبد الله اجديرة رئيس المجلس العلمي المحلي بالرباط، كما أشارت الدكتورة بشرى البداوي إلى أن أقل ما يقال في المفكر فتح الله كولن أنه ظاهرة عالمية، ومن هنا وجب تحليل جوانب هذه الشخصية، وكذا البحث عن عناصر الأطروحة من خلال “ونحن نبني حضارتنا”، ومعرفة مضامين الرسالة التي يسعى إلى تطبيقها، مؤكدة أن العناصر المؤسسة للحضارة ترتكز على الإيمان ثم المعرفة والمحبة.

ويتحدث محور الجلسة الثانية عن “فلسفة البناء الحضاري ومقوماته عند الأستاذ محمد فتح الله كولن”، وقد ناقشها مجموعة من الأساتذة، حيث أكدت الأستاذة مهدية أمنوح أن فتح الله كولن ليس مفكرا فقط بل هو مؤثر أيضا، وهذا التأثير هو ما لفت انتباه الكثيرين إليه، وأضافت الدكتورة بثينة الغلبزوري أن المصادر الأساسية لميراثنا الثقافي تتمثل في الكلام والفلسفة والأصول والتصوف وكلها مصادر تدور حول القرآن والسنة أصلا التشريع الإسلامي.

وأما الجلسة الثالثة فيتعلق محورها “بالانبعاث الحضاري ومرتكزات الإصلاح عند المفكر الأستاذ فتح الله كولن“، وقد ناقش محاورها مجموعة من الأساتذة حيث تفضل الدكتور سليمان الدقور من الأردن بالحديث عن التكوين الحضاري بين إعداد الفرد وبناء المجتمع، وذلك من خلال ثلاث مكونات:

أولها: الفكرة، وهي الباعث والمحفز ومنها تتشكل الأهداف.

ثانيها: القيادة.

ثالثها: الجندية.

أما معايير هذا التكوين فتتمثل في الإيمان والمحافظة على الذاتية وعدم الانغلاق على النفس والاستفادة من العلوم، أما معادلة الانبعاث الحضاري فرباعية الأطراف:

أولها وأهم أركانها: الإنسان المؤهل.

ثانيها وأقوى أسسها: تشكل دولة مستقلة حرة.

ثالثها وأثمن رؤوس أموالها: الزمن.

رابعها ومحركها ومحفزها وروحها: وهو الدين، أما عن خطوات الانبعاث فتتمثل في اكتشاف حقيقة الإيمان من جديد وبناء الجيل الحاضر. أما وسائل المشروع فتتمثل في التنسيق بين العوالم الداخلية والإلحاح على التعليم والتعلم والاستمرار في التكوين وإعداد الفرد.

وأضاف الدكتور محمد جكيب أن أهم ما يميز الأستاذ فتح الله كولن باعتباره مفكرا مصلحا وعالما هو اهتمامه بمصير الإنسان في كل مكان، وهو ما يعطي لفكره خاصية مهمة وهي خاصية “المنظومة المتكاملة” التي تستهدف الإنسانية في كل أنحاء العالم، ومن أهم المرتكزات التي تقوم عليها رؤية الأستاذ فتح الله للعمران والحضارة والإصلاح فتتمثل في مدخلين أساسيين:

أولهما: مدخل فكري يحاول الانفتاح على فكر حقق مستويات عالية من النضج الفكري والمعرفي بشهادة المهتمين والباحثين والعديد من المنتديات الفكرية والعلمية في العالم كله.

ثانيها: مدخل حركي يمثل المستوى الآخر لهذه “المنظومة المتكاملة” تشهد عليه منزلات الفكر في الواقع والحياة بين أناس يمدونها بالحيوية والفاعلية والإبداع.

 وأما محور الجلسة الرابعة فيتناول “عوامل النهوض الحضاري عند المفكر فتح الله كولن“، والذي ناقشه عدد من الدكاترة، حيث تطرقت الدكتورة سعاد ناصر إلى أن الأسس التي يراها الأستاذ فتح الله كولن فاعلة في الانبعاث الحضاري تتمثل في أساسين عموديين، هما الإيمان والهدف تتفرع عنهما مجموعة من المرتكزات الأفقية كالإنسان والبيئة والكينونة الذاتية والوحدة، تعمل على تهيئة وتربية النماذج الإنسانية المجهزة بالقوى الروحية والمعنوية التي تستطيع اختيار الحق والخير والصحيح ، ويشرفها الله تعالى بوراثة الأرض وبالخلود في الفردوس. وأضاف الدكتور عبد الكريم عكيوي أن قواعد الانبعاث الحضاري عند الأستاذ فتح الله كولن –باعتباره متتبِّعا لأحوال العالم المعاصر، مقارنا بين الماضي والحاضر- تتمثل في:

الانبعاث يقوم على امتزاج العقل والقلب.

التعرف على صوت العصر مع الحفاظ على الأصل والذات.

الاستجابة لمطالب البشر مع رضا الله.

اتقاء جميع أنواع العبودية.

العمل الجماعي والتكامل المعرفي والحس الاجتماعي.

الحذر من هوى النفس وميل العواطف.

عشق العلم وشوق البحث.

رصد شروط النهضة التي مضت في تاريخ الأمة.

التحقق بحقيقة الإسلام والإيمان في الشمول والسعة، والعمل والحركية.

واختتمت الندوة بقراءة الدكتور خالد الصمدي للتوصيات، كما قدِّمت شواهد تقديرية للسادة الأساتذة المشاركين في الندوة بإشراف الدكتور محمد الصالحي نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية المكلف بالدراسات العليا والبحث العلمي والتعاون. 

نشر بتاريخ 23 يناير 2012

      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق