مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث

تقرير عن المُلْتَقَى الأول للباحثين في تحقيق التراث في موضوع: تحقيق النص التراثي بين المنهج والتطبيق

مايو 18, 2022

احتضنت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة، فعاليات المُلْتَقَى الأول للباحثين في تحقيق التراث الذي نظمه مختبر علوم الأديان بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، بتنسيق مع مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء يوم الخميس 28 شعبان 1443هـ موافق 31 مارس 2022م.

وتأتي مشاركة المركز في هذا المُلْتَقَى استمرارا للدورات العلمية والأيام التكوينية التي دأب المركز على عقدها استقلالا أو بالتعاون والتنسيق مع مختلف وحدات البحث والتكوين في مختلف الجامعات المغربية ذات الاهتمام المشترك.

افتُتِحَ المُلْتَقَى بجلسة افتتاحية ترأسها وتولى تسييرها مدير مختبر علوم الأديان بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة الأستاذ الدكتور محمد بوطربوش، وقد استهلت بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تلتها كلمات ترحيبية في التعريف بالملتقى والأهداف العلمية المتوخّاة منه، وتولّى إلقاءها كل من السيد عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل الأستاذ الدكتور جمال الكركوري، والسيدة ممثلة مختبر علوم الأديان بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية الأستاذة الدكتورة مريم أيت أحمد، وبعدهم ألقى الدكتور جمال القديم كلمة باسم مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء، ثم كلمة ختامية لمدير مختبر علوم الأديان الدكتور محمد بوطربوش.

خُصّصَت الجلسة الصباحية ـ التي أُسْنِدَ تسييرها للدكتور عزيز أبو الشرع الأستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة ـ  لِمُحَاضَرَةٍ افتتاحية ألقاها ضيف شرف هذا الملتقى فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد شوقي بنبين ـ مدير الخزانة الحسنية المولوية بالرباط ـ تناول فيها موضوع: إسهام المستشرقين في تحقيق كتب التراث العربي، وقد ميّز فيها فضيلته بين ثلاثة مراحل مرَّ منها الاستشراق، وهي: المرحلة اللاّهوتيّة، والمرحلة السياسية الامْبِّرْيَالِيّة، والمرحلة العلمية الإبِّسْتِمُولُوجِيّة، وذكر أنَّ عدم التمييز بين هذه المراحل يَضُرُّ بالفكر العربي.

وأما من حيث جهود المستشرقين في خدمة التراث العربي، فقد لخّصها في جملة من الأمور أهمها:

  1. الصيانة: ذكر المحاضر أنَّ الغرب بدأ بجمع كتب التراث العربي منذ القرن 16م، فتجمَّع لديهم تراث كبير في مختلف خزائن أوربا، وأصبح الغرب يملك من التراث أكثر ممَّا يملكه أصحاب التراث الأصليِّين، غير أنهم كانوا أحرص الناس على حِفظه وصيانته.
  2. الفهرسة: أشار المحاضر إلى عناية المستشرقين بفهرسة كتب التراث، ومن أمثلة ذلك أسرة آل السمعاني، وهي أسرة لبنانية مسيحية كُلِّفَتْ بفهرسة المخطوطات العربية برُوما، وكذلك مكتبة الإسكوريال، الذي قام بفهرستها ميخائيل الغزيري(ت1794م)، وهو مستشرق لبناني، وغير ذلك من المخطوطات التي فهرسها مستشرقون.
  3. الترجمة: ذكر المحاضر أن المستشرقين كانوا يحققون كتب التراث ويترجمونها إلى اللغة اللاَّتينية، حتى إنَّ بعض النصوص ضاعت أصولها، وبقيت ترجمتها، وخلال القرن 18م أصبحوا ينقلونها إلى لغتهم الوطنية.
  4. طباعة الكتب: نبَّه المحاضر في هذا الصدد إلى أنَّ المستشرقين سبقوا إلى طباعة القرآن الكريم بالحرف العربي، ومن الكتب الأولى التي طبعوها كتاب الآجرومية في النحو.
  5. وأفاد الأستاذ الدكتور أحمد شوقي بنبين بأن المستشرقين أنشأوا دائرة المعارف الإسلامية: التي اشتغل بها عدد كبير من المستشرقين.
  6. وأنهم أنشأوا الجمعيات العلمية: وكان ذلك في أواخر القرن 18م، والهدف منها إصدار دوريات علمية تنشر الأبحاث التي تعنى بالتراث الإسلامي، مثل: الجمعية الآسيوية في فرنسا، والجمعية الشرقية الألمانية بألمانيا، نُشرت فيها أبحاث وحُقِّقت فيها كتب تراثية.
  7. التحقيق العلمي للمخطوطات: بيَّن فضيلة الأستاذ المحاضر أنَّ التعريف المتداول لمصطلح التحقيق، وهو إخراج النَّص على صورة قريبة من التي وضعها مؤلفه الأصلي، وهو من وضع غربي إستشراقي، كما ذكر أنَّ أول بحث وضع في علم التحقيق، كان من تأليف المستشرق الألماني برجستراسر، وهو الكتاب الأول لمن أراد تعلم صنعة التحقيق.

وختم فضيلته محاضرته بالدعوة إلى تأسيس مركز علمي على مستوى العالم العربي يعنى بترجمة ما كتبه المستشرقون وترجمته إلى اللغة العربية.

وتضمنت الجلسة المسائية محاضرتين، وكانت بتسيير الدكتور مولاي عبد الصمد الكلموسي، الأستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة، قدم المحاضرة الأولى الدكتور جمال القديم ـ الباحث المؤهل والمدير المساعد بملحقة مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالدار البيضاء التابعة للرابطة المحمدية للعلماء ـ بعنوان: التجربة المغربية في تحقيق النصوص المخطوطة: أعلام وقضايا، بدأها بتقسيم عناية المغاربة بالتراث إلى ثلاثة مستويات:

الأول: التعريف بذخائر التراث، والدلالة على مواضعها، والتعريف بخزائن المخطوطات المغربية، وما تحتويه من النوادر، عبر الأعمال الببليوغرافية والفهرسة والتكشيف: ومن الرواد في هذا المجال: العلامة محمد إبراهيم الكتاني، والعلامة الفقيه محمد بن عبد الهادي المنوني.

والثاني: تحقيق نفائس نصوص التراث المغربي، ودراستها ونشرها: وذكر طائفة من أسماء الأعلام الذين برزوا في هذا الجانب مثل: محمد بن تاويت الطنجي، وعبد الله كنون، ومحمد الفاسي، وعبد الوهاب بنمصور، ومحمد حجي، وسعيد أعراب، وعبد السلام الهراس، وعبد الهادي التازي، وعبد الله المرابط الترغي، ومحمد بنشريفة رحمهم الله.

والثالث: التأريخ للكتاب العربي المخطوط، وما يُحيط به من قضايا النساخة والتملكات والوقفيات، والفهرسة، وغيرها، ورائد هذا العلم في هذا العصر العلامة الدكتور أحمد شوقي بنبين حفظه الله.

وتناول المحور الأول من المداخلة: بعض الأعلام الذين برزوا في ميدان تحقيق المخطوطات والعناية بها، وذكر أسماء بعض مؤلفاتهم، ومن جملة من ذكر: العلامة محمد بن عبد الهادي المنوني(ت1420هـ/1999م)، والعالم البحاثة المحقق محمد بن تاويت الطنجي(ت1394هـ/1974م)، والعلامة الموسوعي محمد الفاسي(1412هـ/1991م)، والعلامة المحقق محمد حجي (1423هـ/2003م)، والعالم البحاثة المحقق سعيد أحمد أعراب(ت1424هـ/2003م)،  والعلامة عميد الأدب الأندلسي محمد بنشريفة(1440هـ/2018م)، ثم العلامة خبير علم الكوديكولوجيا الدكتور أحمد شوقي بنبين حفظه الله.

وتناول في المحور الثاني بعض قضايا التحقيق في تراث بعض الأعلام المغاربة.

واختار عَلَمَيْنِ اثنين تميّزا بدقة المنهج وقوّة التحليل، هما العلامة محمد بن تاويت الطنجي، ومحمد بنشريفة.

ومن القضايا التي تناولها في تراث ابن تاويت الطنجي: نَفَسُهُ في استيفاء البحث عن النسخ ودراستها وتصنيفها إلى أصول وفروع عنها، وذلك من خلال تحقيقه لكتاب: التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، لابن خلدون، وكذا تحقيقه لكتاب المقدمة لابن خلدون أيضا.

وأما العلامة محمد بنشريفة، فقد تحدث المحاضر عن براعته في صياغة فنّ التراجم، وتميّزت طريقته بمنهجه التحليلي الذي يجمع بين جمالية الأسلوب وغزارة المادة العلمية التي يقدمها، وقدرته على تجميع المعطيات المختلفة والتأليف بينها.

والقضية الثانية: معالجته النسخة الوحيدة في التحقيق، ودور الدُّربة والمِرَاس في التغلب على بعض المشاكل التي قد تكون فيها.

وختم كلمته بالتنبيه إلى أنَّ الباحث الجيد هو الذي يستفيد من هذه المناهج ويأخذ من كل واحد أفضل ما عنده حتى يُحَصِّلَ أدوات المعرفة ومَلَكَةَ البحث.

وأما المحاضرة الثانية فقدمها الدكتور طارق طاطمي الأستاذ المؤهل بمؤسسة دار الحديث الحسنية، وهي بعنوان: عنوان الكتاب وصحة نسبته إلى مصنفه، وطرق الاستفادة من الوسائل التقنية والرقمية في تحقيق النصوص التراثية.

وقد قسّم محاضرته إلى قسمين:

الأول: تحدّث فيه عن الطرق الداخلية لإثبات العنوان الصحيح للكتاب، وذكر منها: الوصول إلى  نسخة المؤلف التي عليها عنوان الكتاب، أو أن يُسَمِّيَ المؤلف عنوان الكتاب في مقدمته، أو أن يُسَمِّيَهُ في متن الكتاب، وهذا نادر جدا، أو يَرِدَ العنوان على نسخة خطية معتمدة من قبل أحد العلماء، أو أن يُسَمِّيَ المصنف كتابه في كتاب آخر له، ويُحِيلَ عليه فيه، أو أن يُسَمَّى الكتاب في خاتمته.

والقسم الثاني سمّاه الطرق النقلية الخارجية، وذكر منها: الاستعانة بكتب البرامج والفهارس ومعاجم الشيوخ، واستيعاب النظر في ترجمة مؤلف الكتاب المحقق خصوصا التي أُلِّفَت في ترجمته وحده إن وجدت، ومنها الاطلاع على المكتبة الإسلامية، وكذلك الرجوع إلى البحوث المتخصصة في موارد مؤلف معين في كتبه، وسؤال أهل العلم والتجربة، ومنها الاعتماد على الوسائل الحديثة والبرامج الحاسوبية.

وختم محاضرته بذكر أسماء بعض المواقع التي تهتم بالمخطوطات مثل: مجموعة المخطوطات الإسلامية، وموقع الكتاب دار، وموقع الرق المنشور، وغيرها.

ثم بعدها مباشرة تمّ الالتحاق بالورشات التطبيقية التي توزعت إلى ثلاث ورشات، وتولى تأطيرها الدكتور طارق طاطمي، والباحثان بالخزانة الحسنية: الدكتور محمد سعيد حنشي، والدكتور عبد العالي لمدبر.

وبهذه الورشات اختتم هذا الملتقى الذي استفاد منه جمهور الطلبة والباحثين المشاركين فيه فوائد جمّة، مما كان له الأثر الطيب في نفوسهم، والله من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق