مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

الندوة الوطنية: “الترجمة في المغرب: تحديات مفاهيمية وإكراهات عملية”

 

بشرى لغزالي

 

 

 

نظمت وحدة الدراسات اللغوية والترجمة التابعة لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة يوم السبت 3 مايو 2014 ندوة وطنية في موضوع: “الترجمة في المغرب: تحديات مفاهيمية وإكراهات عملية”، ألقى خلالها المشاركون مجموعة من المداخلات تعرض واقع الترجمة ووضعها في المغرب وأبرز الإكراهات المطروحة. وتنوعت المجالات التي تطرق إليها المتدخلون في ورقاتهم ما بين مجال التأليف والمجال الديني والقانوني والأدبي ومجال التعليم.

ففي مجال التأليف، قام د. ميمون داودي من جامعة محمد بن عبد الله بفاس بتشخيص واقع التأليف في الترجمة، واشتغال المترجمين كما وكيفا والإكراهات المطروحة في المغرب، من خلال عرض نتائج دراسة تروم تجميع العناوين المترجمة قام بها طلبة ماستر الدراسات اللغوية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة لتقييم العمل الترجمي في ربع قرن (1986-2010). وأظهرت نتائج هذه الدراسة ضعف الإنتاج الترجمي وغياب دراسات علمية إحصائية، وكذا سياسة واضحة للترجمة في المغرب، وعشوائية وسوء تنظير، وغياب المبادرات المؤسساتية. كما بينت أن المواضيع الأدبية استأثرت باهتمام أكبر من المترجمين، على عكس المواضيع القانونية التي كانت أقل المواضيع ترجمة، في حين احتلت المواضيع الدينية نسبة 2.89 في المائة من مجموع الترجمات.

أما في المجال الديني، فقد أسهمْتُ بورقة في موضوع “ترجمة الكتابات النسائية الدينية في المغرب وأهميتها في الحوار الثقافي” من خلال عرض نموذج مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام التابع للرابطة المحمدية للعلماء الذي يتخذ من الترجمة أحد وسائله المعتمدة لتحقيق أهدافه. وقد أبرزت هذه المداخلة مدى أهمية ترجمة هذه الكتابات المهتمة بقضايا المرأة في الإسلام في وقتنا الراهن في ظل انتشار مجموعة من الصور النمطية في الشرق والغرب عن المرأة المسلمة، وإسهام هذه الترجمات في تغيير هذه الصور وتصحيحها.

وعلى المستوى القانوني، أبرزت دة. فاطمة الزهراء علاوي، أستاذة بجامعة المولى إسماعيل بالراشيدية، الإطار القانوني الذي ينظم مهنة التراجمة المقبولين لدى المحاكم، حيث عرضَت مهنة الترجمة القضائية والقانون المنظم لها، وطبيعتها وبعض الإكراهات المطروحة التي تعيق ممارسة هذه المهنة. ومن جهة أخرى، أخذتنا دة. إلهام سته من جامعة محمد الأول بوجدة، عبر مداخلتها في رحلة تاريخية تكشف عن أهمية الترجمة في الحوار الثقافي انطلاقا من عهد النبي (ص) الذي كان يعتمد على زيد بن ثابت الأنصاري ليُترجم له الكتابات التي كان يرسلها الملوك بلغات مختلفة كالفارسية والرومية والحبشية؛ مرورا بعصر الخلفاء المسلمين الذين أولى عدد منهم اهتماما بالترجمة لأسباب مختلفة، منها حاجتهم إلى علوم اليونان والفرس الطبية للاستفادة منها، أو علوم الرياضيات لضبط مواقيت الصلاة وتحديد أشهر الصوم والحج وغيرها. وقد أدت هذه الترجمات إلى تأسيس دور كتب إسلامية مهمة مثل بيت الحكمة ببغداد ومكتبة الزهراء بقرطبة. كما عرجت المتحدثة على “نظرية” الجاحظ لتبين أن نظريات الترجمة الحديثة عند الغرب استلهمت منه ما قاله عن أن الترجمة خيانة-وهو ما يحيل على صعوبة الترجمة-، دون الإشارة إلى فضله عليهم. وأبرزت أيضا خطورة ترجمة النصوص الدينية عند الجاحظ الذي اعتبر الخطأ في الدين أضر من الخطأ في مجالات أخرى كالكيمياء والفلسفة والصناعة. كما تحدثت عن عملية التلاقح بين الفكرين العربي والأوروبي في إسبانيا وطليطلة وصقلية وقرطبة التي أثرت بالإيجاب على حركة الترجمة، وطلاق هذين الفكرين بسبب الحروب الصليبية والصراع المذهبي الذي أجهض حركة الترجمة وأدخل التعايش بين العالمين في نفق مظلم. كما توقفت في ختام ورقتها عند توصيف الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان للنفس الترجمية إذ حدد ضرورة سعي المترجم المغربي إلى الترجمة بهدف الاستفادة من الآخر وليس بغية تعظيمه وتبني فكره دون مسائلة.

أما الجلسة العلمية الثانية، فقد هيمن عليها رصد وضع الترجمة ومشكلاتها في المجال التربوي على مستوى التعليم الثانوي والجامعي الذي تُستخدم فيه الترجمة كوسيلة لتعلم اللغات، باستثناء مداخلة د. عبد الله البوبكري الذي تطرق فيها إلى ترجمة الكتابات الأدبية المغربية إلى الإنجليزية في فترة ما بعد الاستعمار مثل كتابات محمد المرابط، والحاجة الماسة للترجمة والتواصل الثقافي.

واختُتمت الندوة بفتح المجال لمناقشة ما جاء فيها من أفكار وتقديم ملاحظات الحضور من أساتذة وطلبة على ما ورد في المداخلات، ليُسدل الستار على أشغال هذه الندوة التي سعى من خلالها المنظمون إلى رصد وضع الترجمة في المغرب في مجالات مختلفة. ويتبين من خلال تلك المداخلات بأن الترجمة في المغرب لم تحصل بعد على تلك المكانة التي تستحقها ولم تحظ بالاهتمام الكافي والعناية اللازمة- ولاسيما أن الترجمة على مر التاريخ كانت وراء نقلتين تاريخيتين هما النهضة العربية والأوروبية-، باستثناء مبادرات فردية أو بضع مؤسسات تحاول أن ترقى بالترجمة إلى تلك المكانة المرجوة على غرار ما تحاول القيام به وحدة الترجمة التابعة لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، عبر إصدار مجلة متخصصة في الترجمة وعقد ندوات في هذا الموضوع.

وسيتمكن المهتمون بالمواضيع المطروحة في هذه الندوة من الاستفادة منها من خلال كتاب يضم مداخلات المشاركين سيعمل المركز المنظم لهذه الندوة على إصداره قريبا.

 

نشر بتاريخ: 05 / 05 / 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق