مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقدية

أعمال الملتقى الدولي الأول للفكر الأشعري بالمغرب

نظمت الرابطة المحمدية للعلماء (مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية) بالتعاون مع كلية أصول الدين بتطوان بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الإمام أبي ذر الهروي (ت.435هـ) وفي سياق الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس كلية أصول الدين، الملتقى الدولي الأول للفكر الأشعري  في موضوع: (الفكر الأشعري بالمغرب خلال مرحلتي التأسيس والترسيم: المؤثرات المشرقية والخصوصيات المحلية)، وذلك يومي الأربعاء والخميس 19-20 مارس2014م، بكلية أصول الدين – تطوان.

 

 

انطلقت أعمال الملتقى بالجلسة الافتتاحية التي ترأسها الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء “د. أحمد عبادي”، حيث ألقى في البداية عميد كلية أصول الدين بتطوان “محمد الفقير التمسماني” كلمة نوه فيها بالدور الريادي الذي تضطلع به الرابطة المحمدية للعلماء في رعاية أبحاث ومنشورات مركز أبي الحسن الأشعري الهادفة إلى خدمة الفكر الإسلامي والحوار الحضاري، ثم تابع حديثه عن الإنجازات التي حققتها كلية أصول الدين سعيا منها للهدف ذاته، والمتمثلة بالإضافة إلى التكوين تنظيم ندوات في جملة من الورشات الساعية لخدمة البحث العلمي وإحياء التراث، وذلك بالتعاون مع أكثر من مؤسسة وطنية ودولية.

أعقبها كلمة رئاسة جامعة القرويين في شخص نائب الرئيس “د.إدريس اجويل” حيث أكد على أهمية الموضوع المناقش الذي يروم رفع الحجب عن بعض الجوانب الغامضة في تطور الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي، كما نبه على الصبغة الرمزية لهذا الملتقى لكون أبحاثه تجري في رحاب كلية أصول الدين، إحدى روافد جامعة القرويين العريقة، والتي كانت منذ فجر التاريخ مهدا للعلم والعلماء المنافحين عن العقيدة الإسلامية المتمثلة في المذهب الأشعري الذي يعد أحد ثوابت الهوية المغربية، وختم كلمته بالثناء على الجهود الجبارة التي بذلتها اللجنة التنظيمية في سبيل إنجاح أعمال هذا الملتقى.

تلتها كلمة رئيس مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بتطوان “د.جمال علال البختي” متحدثا عن أن القبول الذي حظي به الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي لم يكن وليد العامل السياسي أو عامل الصدفة، كما ظنه البعض تجاوزا وتسامحا، بل لكونه يوافق خصوصية العقلية الدينية المحافظة للمغاربة وميلهم للاتجاه السني الذي حمل هذا الفكر لواء الدفاع عنه  والمنافحة عن تعاليمه، كما أن المغاربة وجدوا فيه القدرة والمرونة اللازمة لمسايرة جميع التحديات الفكرية التي واجهتهم في أحلك فترات تاريخهم، ولمسوا فيه أيضا مراعاته لخصوصياتهم الاجتماعية والعرفية، ومختتما كلمته بالحديث عن تضارب الآراء بخصوص تاريخ دخول المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي، موضحا أن هذا الخلاف يكمن بالأساس في عدم توضيح معنى الدخول لدى أصحاب تلك الآراء، هل يقصد به مجرد معرفة آحاد العلماء بالمذهب الأشعري؟ أم المراد به التأسيس والترسيم والتعميم؟
وخلص إلى أن الجواب عن هذا الإشكال من شأنه رفع قدر كبير من الإشكال، وتوضيح الرؤية في إبداء حكم صحيح بالصواب أو الخطأ على كل تلك الآراء المبداة في الموضوع.
وكانت كلمة الأمين العام للرابطة المحمدية متوجة لهذه الجلسة الافتتاحية وممسكة لها بطيب عقدي روحاني، حيث أثنى فضيلته على مجهودات كل من مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بتطوان، وكلية أصول الدين والتي تصب في بوتقة خدمة فكر الاعتدال  والوسطية والحوار الحضاري، مؤكدا فضيلته على مسألة مهمة، وهي أن الحديث عن المذهب الأشعري تأسيسا وترسيما لا ينبغي أن ينفك عن الخلفية القرآنية المؤسسة له والمتمثلة في مفهوم “الطائفة” الوارد في قوله تعالى:{فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}، وذلك أن النفرة يقول -فضيلة الأمين العام- عرفت منذ القدم باعتبارها دينامية في ثقافة هذه المنطقة، وترسخت بجلاء في الرحلات المتتالية التي قام بها العلماء إلى المشرق والأندلس للاقتباس من أنوار العلوم وجلب كل ما من شأنه نفع ساكنة هذه البلاد، ومن بين الذين حملوا لواء هذه الدينامية  الإمام أبو عمران الفاسي الذي جالس الإمام الباقلاني وأخذ عنه الأنزيمات والآليات اللازمة للعودة والقيام بمهمة الإصلاح الديني في الغرب الإسلامي، ولا أحد يجهل دورهذا الإمام الهام في إنشاء الدولة المرابطية.

ويضيف فضيلته أنه لا يسع الباحث في تفاعل المغاربة مع هذا الفكر إلا أن يقف على قيامهم إزاءه بثلاثة أنواع من التجسير:
–    التجسير بين النص والعقل وجعلهما سائرين في وفاق وانسجام.
–    التجسير بين النص  والسياق الأنثروبولوجي المميز للشخصية المغربية.
–    التجسير بين النص والروح التي تحتاج دوما إلى تأطير النص لصونها من الانزلاقات والشطحات.
فلا يمكن الحديث عن مرحلتي التأسيس والترسيم في غفلة عن هذه الدينامية، ثم أعلن سيادته رسميا ابتداء أعمال هذا الملتقى سائلا من الله التوفيق والتأييد لجميع من شارك وحضر فيه.
لتنطلق بعدها الجلسة العلمية الأولى حول محور:( الأشعرية المغربية والمؤثرات المشرقية) والتي ترأسها: د.محمد التمسماني (عميد كلية أصول الدين). حيث كانت المداخلة الأولى لـ “ذ.يوسف احنانة”، (عضو المجلس العلمي المحلي بمدينة تطوان) بعنوان: (مدرسة القاضي الباقلاني في الغرب الإسلامي)، اختار الباحث في هذه الورقة شخصية مفصلية في تاريخ الفكر الأشعري، ألا وهي شخصية القاضي أبي بكر الباقلاني (ت.403هـ)، التي تختزل شخصية المذهب وتقاطباته في العالم الإسلامي.
مصرحا أن اختيار الحديث عن هذا المفكر الأشعري الفذ، والنظار المبرز، الذي عز نظيره في تاريخ المذهب الأشعري. إن لم نقل في كل تاريخ علم الكلام الإسلامي بعامة، سيعمل على إبراز فكر هذه الشخصية، ومدى إسهامها في تطوير العقيدة الأشعرية، وتثبيت دعائمها الفكرية والمنهجية، وفي نشر هذا المذهب في سائر بقاع العالم الإسلامي، وفي الغرب الإسلامي بخاصة، وفي تكوين مدرسته المميزة له داخل المنظومة الفكرية الأشعرية من خلال مجموعة من الثنائيات.
تلتها مداخلة “د. محمد نصير”(أستاذ مساعد بالتعليم العالي بالجزائر) بعنوان: (دور الباقلاني في تلقين الأسانيد الأشعرية ببلاد المغرب)، حيث عمدت مداخلته إلى تتبع وبناء حلقات السند الأشعري مبرزا  دور الباقلاني في تأسيس سلسلة سند أشعري ببلاد المغرب، ومتطرقا إلى مدى فعالية تلاميذه في استمرار هذه الأسانيد.

ثم كانت مداخلة “د. بدر العمراني” (رئيس مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعين بطنجة) بعنوان: (أبو ذر الهروي (سيرة وأثر)) حيث تعرض لشخصية أبي ذر عبد بن أحمد الهروي (ت.435هـ) مبرزا إسهامه في انتشار وذيوع مذهب أهل السنة عبر منحيين؛ الأول: برواية صحيح البخاري وإقرائه، والثاني:  بنشر علم الكلام الأشعري بين الحجازيين والمغاربة.

 بعدها ألقى “د. محمد البركة”( أستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله الكلية متعددة التخصصات بتازة) مداخلة بعنوان: (الصلات العلمية بين أبي عمران الفاسي والإمام الهروي) جعل فيها دراسته مركزة في نموذج طبيعة الإسهام المتبادل بين علماء المشـرق والمغرب في رؤية جامعة لحجم الأدوار، سعيا منه لتقديم إجابة عن موضوع مركزي هو الفكر الأشعري ببلاد المغرب وسؤال البداية.
ثم كانت مداخلة “د. إدريس الفاسي الفهري”(أستاذ التعليم العالي كلية الشريعة بفاس) والموسومة بـ (تأثير الإمام الجويني(ت.478هـ) في الفكر الأشعري بالمغرب من خلال نظم أبي الحجاج يوسف بن موسى الضرير(522هـ)) رام من خلالها تتبع الأثر الحقيقي لفكر الجويني على الفكر الأشعري بالمغرب، – خصوصا وأن كتاب الإرشاد بقي مادة الدرس العقدي في المغرب مدة ليست باليسيرة بعد أبي الحجاج-، مجيبا عن ما هي دلالة الاضطلاع بنظم الإرشاد في أقصى المغرب عقودا قليلة بعد صدوره في أقصـى الشرق؟ وما مدى استيفاء هذا النظم لمادة الإرشاد؟ وما هي حدود التزام أبي الحجاج في نظمه بمعطيات الإرشاد؟
 وكان ختام هذه الجلسة مداخلة “ذ. الحسين حران”(أستاذ باحث/أكادير) حول موضوع: (تأثير الغزالي في الفكر الكلامي المغربي) حيث حاول الباحث الإجابة على الأسئلة التالية: ما مدى حضور كتابات الغزالي المنطقية (معيار العلم، محك النظر، مقدمة المستصفى) في متن«أسهل الطرق إلى فهم المنطق»؟ وكيف تفاعل الماجري مع كتب الغزالي في المنطق فهما واستيعابا واجتهادا؟ وما مدى إسهام مؤلف الماجري في تقوية الفكر الكلامي المغربي من حيث الاستدلال والحجاج؟.

 أما الجلسة العلمية الثانية: والتي كان محورها (التفاعل المرابطي والموحدي مع الأشعرية) والتي ترأسها “د.عبد المجيد الصغير”(كلية الآداب بالرباط)، فافتتحها بكلمة  اقترح فيها أولا منهجية لتسييرها، ثم شرع في وضع مقدمات تتعلق بأهمية الندوة وموضوعها، مغتنما الفرصة للإشادة والتنويه بجهود مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية التابع للرابطة المحمدية للعلماء بتطوان في وضع اللبنات الأولى للتأريخ لعلم الكلام بالمغرب، داعيا في الوقت نفسه الجامعات المغربية للتعاون معه والانفتاح على أعماله ومنشوراته، بعدها هذا سرد برنامج الجلسة معرِّفا بالسادة المحاضرين وبيان مجال تخصصهم العلمي، ثم أحال الكلمة إلى المتدخلين بالترتيب حسب برنامج الجلسة، فألقى “الأستاذ مصطفى بنسباع”(    أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان) مداخلته التي نبه فيها إلى أهمية المقاربة التراجمية، ملخصا تجربته مع تراجم العديد من أعلام الفكر المغربي من الأندلسيين المرابطين ورد في تراجمهم ما يدل على علاقتهم بالكلام الأشعري، من خلال مصادر محدودة – كالغنية وترتيب المدارك للقاضي عياض، وكتاب الصلة لابن بشكوال- والتي تمت برمجتها بالحاسوب باستعمال برمجية قاعدة بيانات موزعة على عدد من الحقول ثم تحويلها إلى تسع مجموعات كبرى؛ منها: المجال الجغرافي- عصر المتكلمين- الأوصاف السياسية وغيرها..

تلتها مداخلة “د. خالد زهري”(مفهرس للمخطوطات في الخزانة الحسنية (الملكية) بالرباط والذي انصبت مداخلته حول المصادر المغربية الأشعرية في عهد المرابطين، قصد من خلالها دحض دعوى محاربة المرابطين للمذهب الأشعري. مبينا ما يدل على تهافت هذه الدعوى من خلال الإشارة إلى مسائل منها:
– أن المرحلة امتازت بتدريس مصادر مشرقية أشعرية كالتمهيد والإرشاد والعقيدة النظامية.
– احتضان السلطة المرابطية لكبار الأشاعرة كالضرير مثلا.
– تميز أشاعرة المرحلة بالأصالة والإبداع (الضرير نموذجا).
ثم كانت مداخلة “د. أحمد الخاطب” (أستاذ بدار الحديث الحسنية بالرباط) الموسومة بـ(التيار الأشعري في ظل الدولة المرابطية بين السلطتين السياسية والعلمية) هدف من خلالها التصدي لمعالجة وضعية التيار الأشعري في ظل الدولة المرابطية من خلال مقاربة تاريخية قائمة على أساس النقد التاريخي للنصوص مع الاشتغال على كتب التراجم والفهارس والنوازل الفقهية قصد تصحيح الصورة التاريخية والفكرية للدولة المرابطية والإجابة عن إشكال مركزي تمثل في موقف السلطة السياسية والعلمية من المذهب الأشعري..
تلتها مداخلة “د. محمد بنتهيلة”( أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب بأكادير)  بعنوان:( الفكر الأشعري بين المرابطين والموحدين) حيث أشار بدوره في مداخلته إلى تتبع ما نتج عما أثبته مؤرخ الموحدين عبد الواحد المراكشي في كتابه المعجب من قراءات خاطئة لموقف المرابطين من علم الكلام وأشعرية ابن تومرت، مع التأكيد على أنه اطلع على معطيات علمية وتاريخية تطعن في صحة استنتاجه والتي أجملها المحاضر في النقاط التالية:
– تزكية ابن رشد الجد لعقيدة الأشاعرة في جوابه عن سؤال أمير المومنين يوسف ابن تاشفين.
– تبني نخبة من علماء المغرب والأندلس في عهد علي بن يوسف للعقيدة الأشعرية كالضرير وابن العربي.
– تطابق أهم التوجهات الكلامية في عهد المرابطين مع مثيلاتها في عهد الموحدين.
بعدها  كانت مداخلة “د.سعيد بنحمادة” (أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مكناس) بعنوان: (موقف المجتمع والدولة من المذهب الأشعري بالمغرب خلال عصري المرابطين والموحدين) والذي رام في مداخلته الكشف عن موقف المجتمع والدولة من المذهب الأشعري خلال عصري المرابطين والموحدين، داعيا الباحثين في تاريخ الأشعرية إلى مراعاة جملة من التنبيهات واستحضار مجمل السياقات التاريخية.. مع ذكر نماذج لأهمية المنهج التاريخي في مقاربة موضوع الأشعرية.
 ثم تلى “د. يوسف الحزيمري” (باحث بمركز أبي الحسن الأشعري) نيابة عن “د. خالد حسين محمود” (أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المساعد بكلية الآداب، جامعة عين شمس) نص ملخص مداخلته الموسومة بـ:(أشعرية الفقيه أبي عمران الفاسي وأثرها في اتجاهه السياسي) والتي أبرزت أشعرية الفقيه أبي عمران الفاسي وأثرها في اتجاهه السياسي، مشيرة إلى أن أشعرية الرجل كانت وراء تبنيه مبادرة إصلاحية تبتغي تصحيح الأوضاع الاجتماعية المنحرفة عن الجادة، مع إلزام الحكام بالأخذ بمقتضيات الإصلاح والتي توجت بظهور الحركة المرابطية التي مثل أبو عمران فيها دور العقل المدبر والصانع الأكثر نجاعة.. لتنتهي أشغال اليوم الأول من الملتقى.
أما الجلسة العلمية الثالثة والتي كانت يوم الخميس 20 مارس 2014: حول محور(ردود الأفعال العلمية في التعامل مع الأشعرية) فقد ترأسها “د.حمو النقاري” (أستاذ المنطق بجامعة محمد الخامس أكدال- الرباط).

وقد كانت المداخلة الأولى فيها لـ”دة. نزيهة امعاريج” (رئيسة شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب وجدة) بعنوان: (عوامل تأسيس العقيدة الأشعرية بالمغرب وترسيمها: مناقشة للأسباب السنية والنسبية)، هدفت فيها إلى الكشف عن بعض عناصر قوة العقيدة الأشعرية بعامة، والتمكين والقبول لها في بلاد المغرب بخاصة، وأن المذهبية الأشعرية قد سخر لها من عوامل التمكين منذ اللحظات الأولى لبزوغ فجرها على يد مؤسسها الأول الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، وذلك عندما أحاطها بمجموعة من عوامل التيسير والرسوخ، ضمنت لها الحياة والإحياء للضمائر والنفوس والبعث والتجديد للمجتمعات عبر القرون. فالحديث-إذن- عن تلك العوامل هو إنصاف لهذه العقيدة وكشف عن فضلها وعلو مقامها.
تلتها مداخلة “ذة. لطيفة الوردي” (أستاذة باحثة/ القنيطرة) بعنوان: (موقف فقهاء العصر المرابطي من المذهب الأشعري)، حيث أبرزت حقيقة موقف فقهاء العصر المرابطي من المذهب الأشعري من خلال تحليل النصوص التاريخية تحليلا موضوعيا وعلميا، وميزت بين تيار الفقهاء السلفيين المتشدد من علم الكلام الأشعري، والتيار المؤيد والمناصر، وتيار ثالث محايد وموضوعي في تعامله مع المذهب الجديد (الذي يمثله ابن رشد الجد مثلا)، كما أبرزت خلفيات وحيثيات هذه المواقف المعادية للأشعرية لوضعها في إطارها الصحيح، وقارنت طبيعة معارضة الفقهاء للأشعرية بالمغرب بنظيرتها بالمشرق، من حيث نقاط الاتفاق والاختلاف.
 تلتها مداخلة “د. أحمد الصديقي” (أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير شعبة التاريخ) بعنوان: (الخلفية العقدية في عملية إحراق كتاب «الإحياء» زمن المرابطين) حيث تحدث فيها عن أن قضية الإحراق هذه إحدى القضايا الوسيطية الملغزة التي استأثرت باستقطاب أقلام العديد من الباحثين للنبش في خفاياها ومراميها، إلا أن معظم هذه الدراسات عوّلت على ربط العملية بمحاربة المرابطين للتصوف الإشراقي الذي ميز الكتاب، مما جعلها انعكاسا للقراءة «المنغلقة» التي تبنّاها خصومه، فقللوا من قيمة الطابع الوعظي والاجتماعي لخطاب كتاب «الإحياء»، فضلا عن منحاه الأشعري الذي استهوى عددا كبيرا من عامة المغرب والأندلس ممن أُطلق عليهم لقب «الغزالية». الأمر الذي جلاه الباحث في مقاربة موقع هذا المنحى الأشعري للكتاب ضمن الدوافع العامة الكامنة وراء قرار الدولة المرابطية بمعية فقهائها من الحكم بإتلاف كتاب «الإحياء» حرقا، مع محاولة الكشف عن آثار وانعكاسات هذه العملية على ترسيخ العقيدة الأشعرية بالمجتمع المغربي.
 ثم كانت مداخلة “د.مرزوق العمري” (أستاذ التعليم العالي، تخصص: العقيدة الإسلامية والفلسفة، جامعة باتنة، الجزائر)  بعنوان: (سيادة الأشعرية ورد الفعل الفلسفي ـ ابن رشد نموذجا ـ)  حيث تحدث عن أن الأشعرية في المشرق الإسلامي تأسست لتكون خطا وسطا بين تيارين تحكمهما علاقة تنافر، فحظيت بوسطيتها من جهة، وبكونها امتدادا لخط أهل السنة والجماعة من جهة ثانية؛ فحظيت بذلك بالقبول لدى الأمة فانتشرت في معظم الأقطار الإسلامية، وكتبت لها السيادة بوجه خاص في المغرب الإسلامي، إلى أن غدت الأشعرية خصوصية مغاربية إلى جانب المالكية والجنيدية، وقد أدت هذه السيادة وفي مرحلة مبكرة إلى ردود أفعال إزاء هذه المدرسة التي كتب لها هذا الانتشار وهذه السيادة في هذه البلاد، ولعل من أهم ردود الفعل هذه، «رد الفيلسوف أبي الوليد ابن رشد» حيث حاول الدكتور الكشف عن مبرراته وتداعياته التي تأسس عليها. معتبرا في ختام مداخلته أن النقد الرشدي لعلم الكلام نموذج من الكتابة النقدية في الدائرة المعرفة الإسلامية الجديرة بالقراءة وإعادة القراءة للمكانة الكبيرة التي يحتلها ابن رشد بين علماء الإسلام وفلاسفته.
تلتها مداخلة “د. يوسف بنمهدي”(أستاذ باحث/ طنجة) بعنوان: (مبررات الكلام الأشعري بين الفكر والتاريخ، قراءة في موقفي: أبي الوليد ابن رشد وحفيده الفيلسوف) تناول فيها موقف فقهاء ومفكري المغرب والأندلس في القرنين الخامس والسادس، من منهج الأشعرية في تحقيق مسائل أصول الدين والدفاع عنها، مع التركيز على الموقف الوسطي للفقيه أبي الوليد ابن رشد (الجد) (ت520هـ)، وذلك من خلال الوقوف على الفتوى الجوابية التي قدمها ابن رشد لأمير المسلمين علي بن يوسف (500هـ-537هـ)، يبين له فيها تقييمه لعلماء الكلام الطارئين على الدرس العقدي بالمغرب والأندلس… ومن خلال التحليل الفكري والتاريخي والمنهجي لهذه الفتوى الغنية، نقف على الخطوات التي قطعها علم الكلام الأشعري قبل ترسيمه، كما نقف على القنوات التي ساعدت على هذا الترسيم.
وآخر مداخلة ضمن هذا المحور كانت لـ”ذ. محمد بلال أشمل”(باحث في شؤون الفكر المغربي والإسباني بجامعة الأونيد- مدريد، إسبانيا) بعنوان: (نقد أبي الوليد للأشاعرة لدى الرشديات الإسبانية المعاصرة)  حيث مهد الباحث لعرضه بمقدمة عامة عرّف فيها المقصود بالرشديات الإسبانية، ثم استشكل اسمها في علاقته بالاستعراب الإسباني؛ فمضى بعدها إلى رصد نقد أبي الوليد للأشعرية لديها، ثم نظر في سياق عنايتها بهذا النقد، فقوم دلالاته، وقاس أبعاده، وختم كل ذلك بخاتمة استشكل فيها فهمها لحقيقة نقد فيلسوف قرطبة وفقيهها للأشاعرة.
أما الجسلة العلمية الرابعة فقد تمحورت حول موضوع (خصوصيات الدرس الأشعري المغربي في مرحلتي التأسيس والترسيم وامتدادته)، ترأسها د. مصطفى حنفي (رئيس شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس،  بكلية الآداب والعلوم الانسانية – تطوان)، وكانت المداخلة الأولى فيها لـ”د. محمد الهاطي”(أستاذ باحث في مركز الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة التابع للرابطة المحمدية للعلماء)  بعنوان: (تجليات التمثل والتميز في الدرس الأشعري المغربي محاولة في التأصيل)؛ عمد فيها إلى استنطاق بعض المصادر التي أسهمت بشكل ملموس في تَشْكِيل الدرس الأشعري المغربي، وذلك في مصدرين بارزين: أحدهما منظومة «التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد» لأبي الحجاج يوسف الضرير (تـ520هـ) باعتباره نظما يعكس صورة تقريبية عن مستوى الدرس الأشعري المغربي خلال مرحلتي التأسيس والترسيم، وثانيهما «البرهانية في علم الألوهية» المشهورة بـ:«البرهانية» أو «السلالجية» لصاحبها عثمان السلالجي (ت.574هـ).
 تلاه “ذ. وسام رزوق”( أستاذ باحث) بمداخلة بعنوان: (الدرس الأشعري المغربي في مرحلتي التأسيس والترسيم خصوصيات المضمون والمنهج) حيث هدف في مداخلته إلى تقويم وخلخلة كثير من التصورات والأحكام، التي ترسخت في الساحة الفكرية في تحديد الثابت والمتحول في المنهج والمضمون المتعلقين بالفكر الأشعري خلال فترة التأسيس والترسيم، واستقصاء وتشخيص أثر الواقع المغربي بكل حمولته الفكرية والاجتماعية والسياسية في فرض انتقائية تجاه الفكر الأشعري مضمونا ومنهجا من جهة، ومن جهة أخرى مدى عمق التغييرات التي أحدثها هذا الفكر في رؤية الإنسان المغربي للكون وفلسفته في الحياة  لتحمل مسؤولياته والقيام برسالته. وكذا رصد مدى استجابة الدرس الأشعري منهجا ومضمونا لمبادئ أصيلة، هي سمات كل فكر تجديدي حي؛ كالواقعية والانفتاح والوسطية والاعتدال…على نحو يجعله قابلا للانتشار والاستمرار والتطور، وتحقيق وحدة المجتمع واستقراره وتوازنه.

ثم كانت مداخلة “د. عبد القادر بطار” (أستاذ العقيدة والمذاهب الكلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول– وجدة) بعنوان: (دلالة ست وستين عقيدة في التراث العقدي الأشعري المغربي) والتي تحدث فيها عن انتظام العقائد الإيمانية الواجب اعتقادُها إجمالا وتفصيلا في نسق عقدي لا يعدو ركنين من أركان العقائد الإسلامية التي تتضمنها كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فالشطر الأول من تلك الكلمة المشرفة يتناول جانب الإلهيات؛ من حيث ما يجب لله سبحانه وتعالى من صفات الكمال، وما  يجوز في حقه سبحانه وتعالى وما يستحيل، أما الشطر الثاني فيتناول النبوات؛ من حيث ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وعدد هذه العقائد عند أكثر شراح ست وستين عقيدة،  حتى أصبح هذا العدد من مميزات المدرسة الأشعرية المغربية السنية الجماعية.
بعده كانت مداخلة “د. أحمد مونة” (أستاذ المنطق بكلية أصول الدين بتطوان) بعنوان: (طبيعة الاستدلال في متن المختصر في أصول الدين لابن طلحة اليابري (ت523هـ)) حيث كشف في مداخلته عن طبيعة البناء الاستدلالي لمتن أبي طلحة اليابري في مجال الكتابات العقدية الموسوم بـ : «المختصر فيما يلزم علمه ولا يسع أحدا جهله من علم أصول الدين وإجماعاته».وذلك من خلال تعقب الكيفية التي اعتمدها هذا العالم الفذ في التدليل على آرائه ومواقفه العقدية، وطريقته في الحجاج عليها.
تلته مداخلة “ذة.إكرام بولعيش” (أستاذة باحثة بمركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية) الموسومة بـ (عقيدة المرادي: خصوصية فكر وتميز منهج) حيث اعتمد على هذه العقيدة (عقيدة أبي بكر المرادي (ت.489هـ)) للتدليل أولا على انتشار المذهب الأشعري في عهد المرابطين، والكشف ثانيا عن بداية تميز الدرس العقدي الأشعري المبكر، قاصدة التنقيب عن مهاد هذه العقيدة في ثنايا تاريخ العهد المرابطي، ومبرزة العلاقة التلازمية بين  ظهور العقيدة وسيادة التوجه الأشعري في الفكر المرابطي دولة ومجتمعا.
وكانت المداخلة الأخيرة لهذه الجلسة العلمية لـ”ـذ. زهير والحاج” (أستاذ باحث من الحسيمة) بعنوان: (ردود أشاعرة المغرب على الفلاسفة: رد المكلاتي على الفلاسفة في كتاب «لباب العقول») كشف فيها عن مساهمة المتكلمين الأشاعرة بالمنطقة المغاربية في الرد على مقالات الفلاسفة، كما أبرز بعض خصوصيات هذا الفن «الكلامي» من خلال استعراض نماذج من تجارب متكلمين مغاربة ذاع صيتهم وأسهموا أيما إسهام في شتى الحقول المعرفية وخصوصا في الحقل الأصولي، ومنهم أبو الحجاج  يوسف المكلاتي الفاسي (ت.626هـ). كما عرج على التأثيرات المشـرقية في ردوده على المقالات التي خاصم فيها  الفلاسفة، وكذا ما تميز به من جهة المنهج والمواضيع المتجادل حولها.

 

 

 

وتوجت أشغال الملتقى بجلسة ختامية ترأسها “د. توفيق الغلبزوري” (رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة المضيق الفنيدق، وأستاذ بكلية أصول الدين بتطوان) استمع  فيها الحضور إلى كلمات السادة: نائبعميد كلية أصول الدين “د.محمد الشنتوف” باسم الجامعة والكلية، وكلمة رئيس مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بتطوان “د. جمال علال البختي”، وقد ركزت كلماتهم على عبارات الشكر والثناء وإبراز نوعية الأهداف المحققة في هذا الملتقى على مستوى المداخلات والمشاركات أو على مستوى الحضور الوازن أو على مستوى التنظيم والتسيير، ثم قُرئ البيان الختامي الذي ألقاه “د. محمد المعلمي”. متضمنا التوصيات التالية:
1-    طبع العروض المقدمة إلى الملتقى لتعم فوائدها.
2-    الاستمرار في تنظيم هذا الملتقى خلال السنوات القادمة.
3-    انفتاح الملتقى في دوراته المقبلة على باحثين عربا وعجما.
4-    تخصيص ملتقى حول ” الأشعرية والتاريخ”.
5-    ترجمة ملخصات الملتقى إلى اللغات الحية لإبلاغ صداها إلى الباحثين في مراكز البحث الدولية.
6-    مواصلة الاهتمام بأعلام الأشعرية في الغرب الإسلامي.
7-    الاهتمام بموضوع الأشعرية في الدراسات الاستشراقية والاستعرابية.
8-    تعزيز أواصر التعاون بين مركز أبي الحسن الأشعري وكلية أصول الدين بخاصة، والجامعات المغربية بعامة..
9-    إشراك مزيد من طلبة وطالبات الدكتوراه والماستر في الملتقيات القادمة..
10-     الشروع في الإعداد للملتقى الثاني…

وهكذا تمت أشغال هذا الملتقى الدولي الأول للفكر الأشعري بالمغرب والذي ساهم في عروضه ثلة من الباحثين في مجال الفكر والتاريخ للأشعرية بالغرب الإسلامي من داخل المغرب وخارجه، وحضره متتبعون ومهتمون على رأسهم رؤساء المجالس العلمية المحلية لكل من جهة تطوان طنجة، وأساتذة باحثون بكليات متعددة من مختلف المدن المغربية، وكذا أساتذة مهتمون من مؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي، هذا بالإضافة إلى جمهور من طلبة الدكتوراة والماستر والإجازة بعدد من كليات وجامعات المغرب.

وبالموازاة مع أشغال هذا الملتقى، نظمت الرابطة المحمدية للعلماء ومركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بتطوان معرضا لإصداراتهما لاقى استحسانا كبيرا من طرف الزوار والمهتمين.

 

                                 أعده: د. يوسف الحزيمري وذ. منتصر الخطيب
                    (باحثان بمركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق