مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

أديب العدوة الأندلسية: ابن مضاء القرطبي

إن كل من يستحضر الأندلس يتذكر وقت شموخها وعزتها، وكل منا يعرف تاريخ ومجد هذه الحاضرة الأندلسية قبل أن تسقط مدينة تلو الأخرى. ومما لا شك فيه أن الأندلس كانت معقل التاريخ والعلم؛ وخير شاهد على عراقتها ذلكم التاريخ الذي لازال مخلدا إلى يومنا هذا من ماثر حية تنبض بعبق أسلافها الذين صنعوا لها مجدها وحضارتها.

ويكفي فخرا أن هذه المدينة أنجبت لنا رجالا عرفوا بعطاءاتهم العلمية والفكرية في وقت كانت فيه الأندلس الحاضن الأول للعلم والعلماء؛ وفي ظل هذه البيئة ظهر العالم اللغوي المرموق ابن مضاء القرطبي الأصل، وهو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء بن مهند بن عمير اللخمي، ولد سنة إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة وخمسمائة، ونشأ منقطعا إلى طلب العلم، عاش في كنف الدولة الموحدية في عهد عبد المومن بن علي فاستقر بها مدرسا لأبنائه وهناك عرفت منزلته العلمية وبرز فضله، ولما ذاع صيته قربه أبو يعقوب يوسف بن عبد المومن إلى مجلسه واختص به، وقد تولى خطة القضاء في مدن سلا وفاس وبجاية وأسند إليه منصب قضاء الجماعة بمراكش، وكان عبد المومن بن علي « مؤثرا لأهل العلم ، محبا لهم، يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده، والجوار بحضرته، ويجري عليهم الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم». وقد كان ابن مضاء كريم الأخلاق حسن اللقاء جميل العشرة، توفي رحمه الله سنة 592 هـ .

جمع ابن مضاء بين علوم متنوعة؛ حيث كان ذاكرا لمسائل الفقه عارفا بأصوله متقدما في علم الكلام، ماهرا في كثير من علوم الأوائل كالطب والهندسة والحساب، حافظا للغات  بصيرا بالنحو، مجتهدا في أحكام العربية. وكان شيوخه من جلة العلماء حيث أكثر عن شريح كما أكثر عن أبي بكر بن العربي، وأبي محمد بن المناصف والقاضي عياض، وتأدب في العربية بابي القاسم عبد الرحمن ابن الرماك الذي درس عليه “كتاب” سيبويه، وروى عنه أبو بكر ابن الشراط ومحمد بن عبد الله القرطبي وأبو محمد البلوي وغيرهم.

ومن أبرز الكتب التي صنفها ابن مضاء كتاب “المشرق” في النحو، وكتاب “تنزيه القران عما لا يليق بالبيان” الذي ناقضه فيه محمد بن خروف ورد عليه بكتاب سماه “تنزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الخطأ والسهو“، والجدير بالذكر أن هذان الكتابان لم يصلا إلينا إنما وصلنا  مؤلفه الثالث “الرد على النحاة” الذي حققه الدكتور شوقي ضيف؛ والكتاب يحتوي على مدخل  وفيه يعرف المحقق بعصر الكتاب والمؤلف، كما يضم بين دفتيه خمسة فصول، كل فصل معنون بعنوان خاص يتضمن عناوين فرعية تندرج ضمنه، وفي ثنايا ذلك نجده يعرض لقضايا الكتاب كل قضية بعنوان مناسب لها، وهي جلها تتعلق بالنحو لما عرف عن الرجل بثورته على النحو ودعوته وطموحه إلى إقامة نحو جديد وفق تصوراته ومذهبه المتبع، فقد كان الرجل فقيها ظاهريا وكان تأثير الفقه الظاهري واضحا عليه.

أما الأسس التي قامت عليها ثورة ابن مضاء في الكتاب فهي كالتالي:

ـ أولا إلغاء نظرية العامل .

ـ ثانيا الإعتراض على تقدير العوامل المحذوفة.

ـ ثالثا إلغاء العلل النحوية.

ـ رابعا الدعوة إلى إلغاء القياس.

ـ خامسا الدعوة إلى إلغاء التمارين غير العملية.

ـ سادسا الدعوة إلى كل ما لا يفيد نطقا.

وفي كل هذه القضايا يقوم ابن مضاء باستعراض أفكاره وآرائه، ويبسط القول في ذلك، مدعما تلك الأفكار والآراء بشواهد لإثبات أو نفي قضية من القضايا التي يعالجها في كتابه.

هاجر الفتوح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق