مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

مفهوم الحـقيقـة الصوفية

عن أنس أن النبي ﷺ لقي رجلاً يُقال له حارثة، في بعض سكك المدينة. فقال: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحت مؤمناً حقا، فقال: «إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إِيمانك؟»، فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إِلى عرش ربي، وكأني أنظر إِلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عُوَاءَ أهل النار، فقال: «مؤمنٌ نوّرَ الله قلبه». وفي رواية «عرفت فالزم، مؤمنٌ نوّرَ اللهُ قلبه» رواه البزار في مسنده[1]والبيهقي في الشعب[2]، وله طرق عند ابن المبارك في الزهد[3]، وعبدالرزاق في التفسير[1]، والطبراني في المعجم[4]، وابن منده.

في هذا الحديث إِثبات المجاهدة، والزهد، وجولان الروح في العرش والجنة والنار بطريق التفكير والمشاهدة القلبية، وفيه أيضاً إِثبات الحقيقة، وهو المقصود هنا، قال شارح منازل السائرين: «حقيقة الشيء عند أهل هذا الشأن علاماته الدالة عليه، واستدل بهذا الحديث»[5].

قال الحافظ السيوطي: «ويظهر لي أن أهل هذا الشأن إِنما سمّوا عِلمَهم عِلمَ الحقيقة أخذاً من لفظ الحقيقة في هذا الحديث، وقد ظهر لي أن نسبة علم الحقيقة إِلى علم الشريعة كنسبة علم المعاني والبيان إِلى علم النحو، فهو سره ومبنى عليه، فمن أراد الخوض في علم الحقيقة من غير أن يعلم الشريعة فهو من الجاهلين ولا يحصل على شيء، كما أنّ من أراد الخوض في أسرار عِلم المعاني والبيان من غير أن يُحَكِم النحو فهو يخبط خبط عشواء، وكيف يُدرك أحوال الإِسناد والمُسند إِليه والمُسند ومتعلقات الفعل مَن لم يعرف المبتدأ من الخبر والفاعل من المفعول؟ هذا بيّن لكل أحد، والحقيقة سر الشريعة ولبها الخالص، كما أن المعاني والبيان سر النحو ولطائفه، والتصوف فقه بلا شك، فإن أكثره تكاليف واجبة ومندوبة، ومنها محرمة ومكروهة، وقد نصَّ على أن أبواب التصوف من الفقه جماعة من أهل الأصول، ووافقهم ابن السبكي في جمع الجوامع» [6].

واعلم أن دقائق علم التصوف لو عُرِضَت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان، وكانوا أول قائل بها، وإنما يُنفرهم منها إِيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها. ولهذا قال بعضهم: الحقيقة أحسن ما يُعلم، وأقبح ما يُقال، وأنا أورد لك مثالاً تعرف به صحة ذلك؛ قال في منازل السائرين: «حقيقة التوبة ثلاثة أشياء تمييز التقية من العزة ونسيان الجناية، والتوبة من التوبة أبداً»[7].

فإِن سمع الفقيه هذا اللفظ استغربه جداً، وقال: كيف يُتاب من التوبة؟ وإِنما يتاب من المعاصي، وتقرير معناه: أن العبد إِذا كمل في رجوعه إِلى الله لم يلتفت إِلى أعماله ولم يسكن إِليها توبةً كانت أو غيرها، فيتوب من سكونه إِلى توبته، لأن التوبة –وإِن كانت من كَسْبِ العبد- فهي من خَلقِ الله وتوفيقه، ولو لم يَتُب عليه لما تاب، قال تعالى ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾[8]. فرؤية العبد التوبة من نفسه ذنبٌ يُستغفَرُ منه، بل عليه أن يشهد محض مِنّة الله عليه بها وتوفيقه لها، ويلغي نفسه أصلا عن درجة الاعتبار، وهذا مقام الفناء في التوبة، وهي أول منازل السائرين، ويقاس به مقام الفناء في التوحيد فلا يشهد في توحيده صنعاً، بل محض مِنّة الله عليه به، وتوفيقه له، وهذا المعنى إِذا عُرِض على الفقيه بهذهِ العبارة المألوفة كان أول قائل به، وناصر له»[9].

وقال سُلطان العلماء الإِمام عزّ الدين بن عبد السلام[10] في قواعد الأحكام: «الطريق في إِصلاح القلوب التي تَصلح الأجساد بِصلاحها وتَفسد بِفسادها: تطهيرها من كل ما يباعد عن الله، وتزيينها بكل ما يقرب إِليه، ويزلف لديه من الأحوال والأقوال والأعمال وحسن الآمال، ولزوم الإقبال عليه، والإِصغاء إِليه، والمثول بين يديه، في كل وقتٍ من الأوقات وحالٍ من الأحوال، على حسب الإِمكان من غير أداء إِلى السآمة والمَلَل، ومعرفة ذلك هي المُلَقبَة بِعلم الحقيقة، وليست الحقيقة خارجة عن الشريعة، بل الشريعة طافحةٌ بإِصلاح القلوب بالمعارف والأحوال والعزوم والنيات، وغير ذلك مما ذكرناه من أعمال القلوب، فمعرفة أحكام الظواهر معرفةٌ لِجُلّ الشرع، ومعرفة أحكام البواطن معرفةٌ لِدق الشريعة، ولا ينكر شيئاً منهما إِلا كافر أو فاجر، وقد يتشبه بالقوم من ليس منهم ولا يقاربهم في شيء من الصفات، وهم شرٌ من قُطّاع الطريق، لأنهم يقطعون طريق الذاهبين إِلى الله تعالى».[11]

فتلخص من جميع ما تقدم: أن الحقيقة صلب الشريعة، بل هي لُبُّها وسِرُّها الخالص، وأن ما يُثار حولها من اعتراضات قد تصل إِلى الكفر أحياناً، مرجعه إِلى أمرين: أحدهما: صَوغ معانيها في عبارات غامضة غير مألوفة كما أشار إِليها الحافظ السيوطي، ثانيهما: تَشبّه الدُخلاء بأهل الحقائق كما أشار إِليه عزّ الدين بن عبد السلام، وجعل هؤلاء الدُخلاء شراً من قُطّاع الطريق، وهذا ما حمل رجال العشيرة المحمّدية _وَفَّقَهم اللهُ -على القيام بحملةٍ واسعةٍ لتطهير التصوّف مما أُلصق به من بدعٍ وخرافات، وإِرجاعه إِلى ما كان عليه أيام السلف الصالح من السُموّ الروحي، والتهذيب الخُلقي، وَفَّقَ اللهُ الخُطى، وحَقَقَ الآمال.

الهوامش :

[1] مسند البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، ط. الأولى 1409ﻫ/1988م رقم 6948.

[2] شعب الإيمان: البيهقي، باب في الزهد وقصر الأمل، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، ط. الثانية 2008م، ورد الحديث بثلاث روايات مختلفة في الزيادة والنقصان. أرقام 10590-10591-10592.

[3] كتاب الزهد: عبد الله بن المبارك المروزي، حققه وعلق عليه حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، ط الثالثة 2010، (ص125). والحديث المُستدل به في المتن هو برواية ابن المبارك مع بعض التغيير في لفظ [ذلك] بدل [إيمانك].

[4] تفسير القرآن: عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق مصطفى مسلم محمد، مكتبة الرشد الرياض، ط. الأولى 1410ﻫ/ 1989م. (2/234).

[5] المعجم الكبير: الطبراني، ضبط نصه وخرج أحاديثه أبو محمد الأسيوطي، دار الكتب العلمية، ط الأولى 1428ﻫ/2007م، رقم 3289.

[6] تأييد الحقيقة العلية: السيوطي، (ص18).

[7] المصدر نفسه، (ص19).

[8] منازل السائرين: الهروي، (ص39).

[9] التوبة، الآية 119.

[10] تأييد الحقيقة العلية: السيوطي، (18-19).

[11] هو العز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد السلمي الشافعي، فقيه مشارك في الأصول والعربية والتفسير، تفقه على ابن عساكر، بلغ رتبة الاجتهاد وولي الخطابة بدمشق، توفي سنة 660 هـ، انظر: البداية والنهاية (13/235)، هدية العارفين (1/580)، شذرات الذهب (5/301)، معجم المؤلفين (5/249).

[12] قواعد الأحكام في إصلاح الأنام: عز الدين بن عبد السلام، دار ابن حزم، ط. الأولى 142ﻫ/2003م، (ص 484).

Science

د. طارق العلمي

  • أستاذ باحث في الرابطة المحمدية للعلماء، متخصص في المجال الصوفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق