وحدة الإحياءدراسات محكمة

أثر السياق في فهم النص القرآني

تقديم: الخِطابُ القرآنيّ وعلوم الآلة الحديثة، اللّسانيّات نموذجا

يُمكن أن تُسهمَ المناهج اللّسانية الحديثة في فهم نصوص القرآن الكريم فهما متكاملاً يؤدّي إلى وضع النّصّ القرآني في إطاره العامّ الذي نُتِجَ به أوّلَ مرّة، كما يمكن أن تقدم اللسانيات منهجا في الفهم المتكامل هو المنهج السياقي في مستوياته اللغوية المتعددة النحوية والصرفية والمعجمية والبلاغية، التي تُرشد في فهم مراد المتكلّم و مقاصده العليا بقرائن نصّية لفظية ومعنوي، ويضاف إلى السياق اللغوي الدّاخلي سياق آخَر هو سياق الحال أو المقام أو ما يتّصل به من عناصر الحال والزمان والمكان والمتكلم والمخاطب.

ولا شكّ أنّ المنهج السياقي بِبُعديه: البعد اللغوي الدّاخلي والبعد المقامي الخارجي، يقدّم بين يدي فهم النّصّ الشّرعي نَسَقا من العناصر التي تقوّي طريقَ فهمه وتفسيره والاستنباط منه؛ لأن العلم بخلفيات النصوص وبالأسباب التي تكمن وراء نزولها أو ورودها يُورِث العلمَ بالمسبَّبات، وينفي الاحتمالات والظّنون غيرَ المُرادة، ويقطع الطّريق على المقاصد المغرضة التي لم يُرِدها الشّارع الحكيم ولم يَرُمْها، ويُصحّح ما اعوجّ من أساليب التّطبيق، كاقتطاع النّصّ من سياقه والاستدلال به معزولا عن محيطه الذي نزل فيه، هذه الأساليب التي أخرَجت النّصوص عن مقاصدها العليا ودفعت بها إلى وجوه من المعاني والاستنباطات البعيدة التي ظاهرها حقّ وباطنها باطل وجَور.

وسيقف العرضُ عند السّياقِ الدّاخِلِيّ أو البُعدِ اللّغويّ؛ لأنّ النّصَّ المَدروسَ نسيجٌ لُغوِيّ مُتَماسكٌ قبلَ كلِّ شيءٍ، وتقتضي طبيعتُه اللّغويّةُ أن يُشَخَّصَ بالأدواتِ اللّسانِيّةِ التي تُقرِّبُ الفهمَ وتكشِفُ المَعْنى، وعلى رأسِها منهجُ السّياقِ.

تعريف السّياق

السّياق إطار عامّ تنتظم فيه عناصر النّصّ ووحداته اللّغويّة، ومقياس تتّصل بوَساطَتِه الجُمل فيما بينها وتترابط، وبيئة لغوية وتداوليّة ترعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدمها النّصّ للقارئ.

ويضبط السّياق حركات الإحالة بين عناصر النّصّ، فلا يُفهَم معنى كلمة أو جملة إلا بوصلِها بالتي قبلها أو بالتي بعدها داخل إطار السّياق.

وكثيرا ما يَرد الشّبه بين الجُمل والعبارات مع بعض الفوارق التي تميز بينها، ولا نستطيع تفسيرَ تلك الفوارق إلا بالرّجوع إلى السّياق اللّغويّ ولحظِ الفوارق الدّقيقة التي طرأت بين الجمل. فكلّ مَساقٍ للألفاظ يجرّ ضربا من المعنى بجزئياته وتفاصيله.

والسّياق الصّورة الكلّيّة التي تنتظم الصور الجزئيّةَ، ولا يُفهَم كلّ جزء إلا في موقعه من “الكلّ”، وقد أثبت العلم أنّ الصّورةَ الكلّيّة تتكوّن من مجموعة كبيرة من النّقاط الصغيرة أو المتشابهة أو المتباينة، التي تدخل كلها في تركيب الصورة.

هذا وإنّ التّحليل بالسياق يُعدّ وسيلةً من بين وسائل تصنيف المدلولات[1]، لذلك يتعيّن عرض اللّفظ القرآنيّ على موقعه لفهم معناه ودفع المعاني غير المرادة. وللسّياق أنواع كثيرة منها[2]:

ـ السّياق المَكاني ويعني سياق الآية أو الآيات داخل السّورة وموقعها بين السّابق من الآيات واللاحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها بين السّابق من الآيات واللاّحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها من السّورة، وسياق الجملة في موقعها من الآية، فيجب أن تُربَط الآية بالسّياق الذي وردت فيه، ولا تُقطَع عمّا قبلها وما بعدها.

ـ السّياق الزّمنيّ للآيات، أو سياق التّنزيل، ويعني سياق الآية بين الآيات بحسب ترتيب النّزول.

ـ السّياق المَوضوعيّ، ومعناه دراسة الآية أو الآيات التي يجمعها موضوع واحد، سواء أكان الموضوع عامّاً كالقصص القرآنيّ أو الأمثال أو الحِكم الفقهية، أم كان خاصّاً كالقصة المخصوصة بنبيّ من الأنبياء أو حُكم من الأحكام أو غير ذلك، وتتبّع مواقعها في القرآن الكريم كلّه.

ـ السّياق المَقاصديّ ومعناه النّظر إلى الآيات القرآنيّة من خلال مقاصد القرآن الكريم والرؤية القرآنية العامّة للموضوع المُعالَج.

ـ السّياق التّاريخيّ بمعنييه العامّ والخاصّ؛ فالعامّ هو سياق الأحداث التّاريخيّة القديمة التي حكاها القرآن الكريم والمُعاصرة لزمن التّنزيل، والخاصّ هو أسباب النّزول.

ـ السّياق اللّغويّ وهو دِراسةُ النصّ القرآنيّ من خلال علاقاتِ ألفاظِه بعضها ببعض والأدواتِ المستعملة للرّبط بين هذه الألفاظ، وما يترتّب على تلك العلائق من دلالات جزئية و كلّية.

وينبغي تحكيم كلّ هذه الأنواع من السّياق عند إرادة دراسة النّصّ القرآني بمنهج سياقيّ متكامل.

النّصّ القرآني بما هو نصّ لغويّ

يعدّ النّصّ القرآني، بادئ ذي بدء، نصا لغويا منسوجا من جنس لسان العرب، مؤلَّفا من جمل مترابطة تشكّل عناصر ذات دلالات خاصّة بها، وتتضافر هذه العناصر لتؤلّف كلاما يفيد قصدا دلاليا معينا.

وهذه قاعدة ثقافية ثابتة لفهم النص القرآني، واقتضت هذه القاعدة من علماء التفسير الوقوف عند ظاهر اللّفظ باعتباره أساسا لفهم المعنى، ولم يُلتفَت إلى الجوانب التّاريخيّة أو النّفسيّة أو الثّقافيّة إلا في إطار ضيّق وبحذر شديد خشية الوقوع في محظور التفسير بالرأي، وتبيّن أنّ للنّصّ القرآني ثابتا يُلتزَم بالوقوف عنده ومتغيرا يكون عُرضة للاجتهاد والتأويل والفهم المجازي، ولا يجوز أن يحوَّلَ النصّ القرآني إلى ميدان للفهم الظّاهريّ الحرفيّ مطلقا ولا للفهم الباطنيّ الذي من هذا النّصّ كتابا رمزيا لا يُراد منه ظاهره بل يُراد منه فهمُ كلماتِه باعتبارها مصطلحات خاصّةً ذات رموز معينة يستعصي فهمها.

 وقد أساء كلّ واحد من هذين الاتجاهين إلى النّصّ القرآني والمفاهيم القرآنية، لِما يتّصف به من غلوّ فكري و شطط منهجي وبعد عن المنهج الوسط الذي يُحكِّم الأدواتِ الموضوعيةَ في فهم النّصّ كما أنزِلَ وكما أراده منزِله سبحانه وتعالى، وهي دلالاتُ الألفاظ في عهد التّنزيل، وعلومُ القرآن، وقواعدُ الفقه وأصولُه، وعادةُ القرآن الكريم ومنهجُه في الخطاب، وأسلوبُه في التربية والتّعليم والتّقريب، وتحكيمُه في تفسيرِ آياتِه، ثمّ تحكيمُ الحديث النبويّ القطعيّ الثّبوت أو الظّنّيّ الثّبوت الذي ثبتَ بخبر الثّقة، في تفسير القرآن؛ لأن القرآن الكريم مُحتاج إلى كثير من البيان، وهذا فيه علامةُ الكلّيّة، أمّا السّنّة فهي لكثرتها وكثرة مسائلها وتفاصيلها بيان للكتاب. فالسّنّة تفسّر القرآن الكريم وتبيّنه وتوضح معانيه، ولا تحتاج إلى إيضاح من القرآن لأنها واضحة المعاني والعبارات.

النّصّ القرآني في ظلّ السّياق

 جاء القرآن الكريم معرِّفا بالأحكام الشّرعيّة، وجاء تعريفه بهذه الأحكام كلّيّا لا يختصّ بشخص أو حال أو زمان أو شرط أو ركن أو غير ذلك، وجاءت تلك الأحكام الكلّية مستوعبةً كلَّ الظّروف والأحوال والطّاقات، وكلّما أحسن الفقيه وتمكّن من تنزيل تلك الأحكام الكلّية، المجرَّدة من ظروف زمان بعينه أو مكان بعينه، على الوقائع والأقضية، أدرك المقاصد العليا للشريعة.

ويدلّ على صفة الكلّيّة في القرآن الكريم أنّه محتاج إلى كثير من البيان والعرض على المَساقات المختلفة، بحسب ما تسمح به مقاصد الشّريعة، وقد جاءت السّنّة بيانا للكتاب كما قال تعالى: ﴿وأنْزَلْنا إليك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّلَ إليهم ولَعَلَّهُم يَتَفَكَّرون﴾ (النحل: 44).

أ. اللّغة المُتداوَلَة في عصر التّنزيل هي المرجع في التّفسير

ينبغي أن تُعدّ اللّغةُ التي كانت مُتداوَلةً في عصر التّنزيل المَرْجِعَ في تفسيرِ القرآن الكريم واستنباط الأحكام منه، دون الالتفات إلى اللّغة الحادثة[3] وما طرأ عليها في العصور التالية من تطوّر في دلالات الألفاظ، ممّا لا ينبغي تحكيمه في فهم القرآن الكريم، وبعيدا عن الرّواسب الفكريّة التي يحملها المفسِّر فيُسقِطها على القرآن الكريم، بِما يُخرِج النّصّ عن بلاغته وأصالته، ومعنى ذلك أن لغة التنزيل تُرافق سياق التنزيل وتُلازمها[4] ولا تحيد عنها، فلا ينبغي إخراج المصطلح الشّرعي عن مدلوله الأصلي وإلا فسيصير “لفظُ الشّارع غير مُطابقٍ لمسمّاه الأصلي”[5]، “وهذا أمر يوجِبُ الجهلَ بالحقّ والظّلمَ للخَلق”[6].

ب. مُجاوزة مدلول الكلمة إلى تركيب الكلام ومقتضى السّياق

يقتضي منهج التفسير اللغوي السّياقي ألا يقتصر المفسِّر على دلالة الكلمة بل يُجاوزها إلى تركيب الكلام؛ قال المفسّر أبو حيّان النّحويّ الأندلسيّ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه وهَمَّ بِها لَوْلا أن رَّءا بُرْهانَ رَبِّه﴾ (يوسف: 24) «طَوّل المفسِّرون في تفسير هذين “الهَمَّيْنِ“، ونَسب بعضُهم ليوسفَ ما لا يجوزُ نسبتُه لآحاد الفسّاق، والذي أختاره أنّ يوسف عليه السلام لَم يقعْ مِنْه هَمٌّ بِها البَتَّةَ، بل هو مَنفيّ لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارَفْتَ لولا أن عصمَك الله، ولا تقول: إن جواب “لولا” متقدّم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك… بل نقول: إنّ جوابَ “لولا” محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما تقول جمهورُ البصريّين في قول العرب: “أنت ظالم إن فعلت”، ولا يدلّ قوله: “أنت ظالم” على ثبوت الظّلم… والذي رُوِيَ عن السّلَف لا يساعد عليه كلامُ العرب… وقد طهّرْنا كتابَنا هذا… واقتصرنا على ما دلّ عليه لسان العرب ومساقُ الآيات”[7]؛ فقد تبيّن أن المعنى الصّحيح في نفي الهمّ عن يوسف عليه السلام، يبيّنه تركيبُ الكلام كما ورد على أصله، ولا معنى للقول بخروجِه عن ترتيبه.

ج. تتبّع الكلمة القرآنيّة في مواردها المختلفة

وممّا يُعِين على حسن الفهم أن يتتبَّع القارئُ الكلمةَ القرآنيّة في مواردها المختلفة[8] ويستقريها في مواضعها كلِّها، حتّى يتبيّن له السّياق الدّلاليّ الصّحيح الذي وردت فيه، وذلك مثل كلمة “الاجتناب” التي وردت في معرض النّهي عن الخمر؛ فإن الموارد التي وردت عليها الكلمة في القرآن الكريم تفيد اقترانَها بالشرك وما في معناه[9]، ويُستنتَج من ذلك الاقتران أنّ الكلمةَ تفيد التّحريم القطعيّ.

ولقد عدّ العلماءُ مراعاةَ السّياق في فهم القرآن الكريم المنهجَ الأمثل في التّفسير وضابطاً من الضّوابط المهمّة في حسن الفهم والتّأويل، وتجلّت هذه القاعدةُ المنهجية؛ أي المنهج السّياقي، في تفسير القرآن بالقرآن[10]، ودلالة السياق من أعظم القرائن التي تدل على مراد المتكلّم وتُرشِد إلى تبيين المُجمَل وإثبات المعنى المراد دون غيرِه وتخصيص العامّ وتقييد المطلَق، وكلّ قول أو تفسير لا يُؤيّده السّياق فلا عبرةَ به.

فمن ذلك أن قولَه تعالى: ﴿ذُق إنَّكَ أنْتَ العَزيزُ الكَريمُ﴾ (الدخان: 46) إنّما يعني به الذّليلَ الحقيرَ، وأن قولَه تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسي، إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بالسّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبّي، إنَّ رَبِّي غَفورٌ رَّحيمٌ﴾ (يوسف: 53) إنّما هو من قولِ امرأة العزيز  وليس من قول يوسفَ[11]؛ لأنّ السياق يفيد أن كلام يوسف عليه السلام قد انقطع، وابتدأ كلام امرأة العزيز في جُملٍ متّصلة، أمام الملِك.

القِيَم السّياقيّة المُستعمَلة في ربط الكلام بعضِه ببعض: نماذجُ عمليّة

 إنّ المتتبِّع للنصّ القرآني يدرك أن المَساقاتِ فيه تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، ممّا هو معلوم في علم البيان والمعاني[12]، فالضّابط الذي يَلزَم في فهم النص هو الالتفات إلى أول الكلام وآخِره بحسب القضية وما اقتضاه الحالُ فيها، ممّا تُبيِّنُه أسباب النّزول؛ فإنّ علم المعاني والبيان إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال  وأسباب النزول، فأجزاء القضية الواحدة وجُملها متناثرة في السّورة الواحدة أو السّوَر المتعدّدة، ولكنّ بعضَها متعلّق ببعض، فلابدّ من ردّ آخر الكلام على أوله وأوّله على آخره لفهم مقاصد الشّارع مقرونا بمعرفة أحوال نزوله، أمّا إذا تفرّق النّظر في الأجزاء بسبب الجهل بأسباب التنزيل فلا يُتوصَّل إلى إدراك المقاصد على الوجه المراد، ويوقِع هذا الجهل في الشُّبَه ويورِد النّصوص الظّاهرة مَوردَ الإجمال فيقع الاختلاف والنّزاع[13].

فلابدّ إذاً من مراعاة أوّل الكلام وآخِره، وربط ذلك كلّه بأحوال نزوله، لبيان المعنى المراد، و تُدرَكُ علاقاتُ الكلام بعضِه ببعض بمعرفة أساليب النّصّ القرآني، ومن هذه الأساليب أسلوبُ الرّدّ والتّعقيب، وأسلوب الحوار، وغير ذلك…

ـ أثر السياق في تفسير الائتلاف والاختلاف بين الآيات

في القرآن الكريم آيات كثيرة تكرّرت فيها كلمات أو جُمل من جهات متعدّدة، واختلفت من جهات أخرى، والسّياق اللّغوي من العلامات المائزة التي تَرفع إشكال اللَّبس، وهو ما عُرِفَ بعِلم المُتشابه. والمُتشابه هو إيراد القصّة الواحدة في صورٍ شتّى وفواصلَ مختلفة، ويكثرُ في إيراد القِصص والأنباء، وحكمتُه التّصرّف في الكلام وإتيانُه على ضُروبٍ ليُعلِمهم عجزَهم عن جميع ذلك[14].

ومن الشّواهد على ورود التّشاكُل بين الآيات مع الاختلاف اليسير:

أ. قولُه تعالى: ﴿الحَمْدُ لله[15]، اقترَن بهذا المقطع أكثرُ من آية في أكثر من سورة، وكلّ هذه السّور متساوية في استقلالها بأنفُسها وامتياز بعضها عن بعض، ومع ذلك فقد خُصّت كلُّ آية منها بورودها مَتلوّةً بصفات من صفاته تعالى؛ ففي الفاتحة: ﴿اَلْحَمْدُ لله رَبِّ العالَمينَ﴾ وفي الأنعام: ﴿الحَمْدُ لله الذي خَلَقَ السَّماواتِ والاَرْضَ وجَعَلَ الظُّلَماتِ والنّورَ﴾، وفي الكهف: ﴿الحَمْدُ لله الذي أنْزَلَ على عَبْدِه الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَه عِوَجاً﴾، وفي سبأ: ﴿الحَمْدُ لله الذي لهُ ما في السَّماواتِ وما في الاَرْضِ”، وفي فاطر: “الحَمْدُ لله فاطِرِ السَّماواتِ والاَرْضِ﴾.

فظهر أن الحمدَ واحد، ولكنّه خُصِّصَ بصفات معيَّنة لمناسبة سياقية تفرضها في تلك السّورة دون غيرها:

فأمّا الحمد في الفاتحة فقد اقترن بصفاتٍ عليّة هي “رب العالمين” و”الرحمن الرحيم” و”مالك يوم الدين”، وهي صفات تقطع الدّعاوى وتُظهرُ الحقائقَ وتُبرز إلى العيانِ ما كان خبرا.ً

وأمّا الحمد في الأنعام فيُناسب ما وقع في السّورة من الإشارة إلى مَن عَبَدَ الأنوارَ  وجعل الشّرَّ من الظّلمة، وأنّ الله هو خالق السّماوات والأرض وهي الأجرام التي ينشأ عنها الظّلمات والنّور وليست مُستحِقّةً لأن تكون معبودة كما زعم قومُ إبراهيم عليه  السّلام، من ألوهيّة الكواكب والشّمس والقمر، فكان إسنادُ خلق السّماوات والأرض لله عزّ وجلّ مناسبا لسياق المعنى، فوضح التّناسب والتّلازم.

وما قيل في الفاتحة يُقال في الكهف وسبأ، من وضوح التّناسب لِما جاء فيهما في موضعه الوارد فيه، ناهيك عمّا ورد في خواتم الآيات والسّور من المعاني المناسبة للمؤمنين عند خواتم أعمالهم وانقضاء أمورهم، نحو قولِه تعالى: ﴿والحمد لله ربّ العالمين﴾ (الصافات: 182).

ب. وقَولُه تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: 34)، وقَوْلُه: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبَا هذِه الشَّجَرَةَ﴾ (الأعراف: 18) عَطف الفعلَ المسندَ إلى المثنّى “كُلا” على المسند إلى المفرد “اسكنْ” في الآيتين معا، وفرّقَ في أداة العطفِ فعَطَف في الأوّل بالواو وفي الثّاني بالفاء؛ وإنما كان العطف بالفاء لِما يوجد من معنى تعلُّقِ الثّاني بالأول كتعلُّق الجواب بالشّرط، وأنّ وجودَ الأكل متعلِّق بدخول الجنّة لِلُّزوم والسُّكنى، فكأنّه قال: ادخُل ساكناً، على غِرارِ قوله: ﴿قالَ اخرُج منها مذْءومًا مَّدْحوراً﴾ (الأعراف: 17).

أسلوب المُحاورات وعلاقة الحوار بالسياق

الحِوار فعل تواصليّ بين متكلّم ومتلقّ، ويتحقّق في موقف سياقي وفضاء ثقافي واجتماعي، والقرآن الكريم هو الكلمة الفاصلة بين الحق والباطل، وجاء الحوار فيه لبيان الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفِه[16]، وهو مليءٌ بنماذِجَ كثيرةٍ من أساليب الحوار المتنوّعة التي أرشد الله عزّ وجلّ نبيَّه صلّى الله عليه وسلّم لاتّباعِها في مسيرتِه العمليّة والدّعويّة، وقد بنى من الحوارِ قاعدةً كبرى تطبع علاقاتِه كلَّها، واتّخذها وسيلةً لنشر المعرفة المؤدّية إلى الحقّ: ﴿وَمَنْ اَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقالَ إنَّني مِنَ المُسْلِمينَ﴾ (فصلت: 32)، ﴿اُدْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

ومن تتبَّعَ مجاريَ الحكايات في القرآن الكريم عرف مداخلها وما هو منها حقٌّ وما هو منها باطل، والمحاوراتُ داخلةٌ في هذا الباب؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ (المنافقون: 1)، فهذه حكاية ممزوجةُ الحقِّ بالباطل، ظاهرها حقّ وباطنها كذبٌ من حيث كان إخبارا عن المُعتقَد وهو غير مُطابق؛ فقد صحّح القولَ بقولِه: “واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُه” إبطالاً لِما قصدوا فيه.

وممّا جرى تصحيحُه قولُه تعالى: ﴿ومنْهُم الذينَ يُوذونَ النَّبِيء وَيَقولونَ هُوَ أُذنٌ﴾ (التوبة: 61)؛ أي يسمع الحقَّ والباطل، فردَّ عليهم فيما هو باطل وأحقَّ الحَقَّ فقالَ: “قُلْ أُذنُ خَيْرٍ لَكُمْ”، ولمّا قصدوا الأذيّةَ بذلك الكلام ردّ الله تعالى عليهم: ﴿والذينَ يُوذونَ رَسولَ الله لَهُمْ عَذابٌ اَليمٌ﴾.

فأنت ترى أنّ الحوار موجَّه وهادف لإثبات الحقّ، وعمَلِيٌّ يقوم على تفريغ موقف الحوار من الأفكار الجاهزة المتحكِّمة، وهو المبدأ الذي تنصّ عليه الآية: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أو في ضَلالٍ مُّبينٍ﴾ (سبإ: 24).

فالحوار أسلوب لغويّ من الأساليب السّياقيّة، يصل المتحاورين بموضوع الكلام وصلاً عمليّا مباشرا ويُرسِّخه في أذهانهم ترسيخا؛ لأنه ضربٌ من الإثارة التي تستتبع الانتباه. وقد ساق القرآن الكريم آيات كثيرة تعالج قضية العقيدة بأسلوب الحوار، على لسان بعض الأنبياء الذين حَرَصوا على إثارة أسئلة تنبّه أقوامَهم على انحراف مُعتقَدهم، من ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والاَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقولُنَّ الله، فأنّى يُوفَكونَ﴾ (العنكبوت: 61)، فالآية تشير إلى أنّ مُساءلتَهم عن قدرةِ الله وخَلْقِه وتسخيره أسلوب يفتح المجالَ للحوارِ والإقرار بقدرة الله، ويفتح الأعين على ضلال تصوّرِهم للألوهيّة. ومثل هذه الآية في أسلوب الحوار بالمُساءلة كثير في القرآن الكريم.

وهناك نوع من الأسئلة التي تُثار مع الأنبياء ولكنّها غير مناسبة لسياق المرحلة ومقتضيات الدّعوة، فجاءت محاورة النبي صلى الله عليه و سلم لقومه صرفاً لهم عن مثل هذه المواضيع التي تَخرُج عن السّياق العمليّ الجديد، وتذكّر بالمواضيع المناسبة، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْئلونَكَ عَنِ الرّوحِ، قُلِ الرّوحُ مِنْ اَمْرِ رَبّي وما أوتيتُمْ مِّنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً﴾ (الإسراء: 85) فالسياق العمليّ الجديد ليس في السؤال عن الروح، ولكن في الإعداد لها. وقد تكرّر هذا الأسلوب كثيرا وفيه صرف للسائل إلى ما ينبغي أن يصرفَ إليه همَّه.

اخْتِلاف مَعاني الألفاظ المعجميّة لاختلاف السّياق

قد يكون للدّالّ أكثرُ من مدلول، ويتحدّد المدلول وفقَ السياق اللّغويّ، ويرى بعض اللغويين الغربيين أنّ للكلمة أكثرَ من معنى سواء أكان هذا المعنى حقيقيا تصريحيّا أم كان مجازيا إيمائيا، وذلك بالنظر إلى التّداعيات الدلالية التي يمكن أن تُحدِثها الكلمة في أثناء الاستعمال، فأي كلمة قد تستدعي قيما اجتماعية وثقافية أو انفعالية، تعكس صورة قائلها   وتحدّد بعض ملامحه النفسية[17]، ولا يمكن استخراج المدلول المقصود من بين المدلولات المحتمَلة إلا بعرض الكلمة على السياق وإخراجها من عُزلتها المُفترَضة والكشف عمّا تتلفّع به من الحالات النفسية والظّلال الدّلاليّة والتّجارب البشرية والرّصيد التّاريخي الطويل.

ولقد وردت في القرآن الكريم أفعال كثيرة تتّخِذ معاني مختلفةً بحسب مواقعها من السياق، فليس مَعنى الكلِمة المعجمِيُّ هو المعنى الرّئيس، كما درج على تقريرِه اللّغويّون وعلى تصوّرِه علماءُ المعجم، عندما بنوا معاجِمَهم على وحدة محدَّدة هي الكلمة، ولكنّ لكلّ كلمة معانِيَ شتّى، عالِقةً بها، والسياق هو الذي يستدعي المعنى المناسب من بين تلك المعاني الكثيرة. إنّ الكلمةَ مَعِينٌ من الدّلالات التي لا تنضُب، ولا ينبغي استئصالُها من مساقاتها والادّعاء أنّ لها معنى رئيساً ومعانِيَ فرعيّةً، وسأورِدُ بعضَ الشَّواهدِ والأمثلةِ على سبيلِ التّطبيق:

ـ ومن هذه الكلمات الأفعالُ التي سمّاها النّحاةُ نواسخَ، فحدّوها حدّاً وعَدّوها عدّاً، ولكنّهم تركوا منها أفعالا أخرى مثل فعل “أتى”، فهو فعل تامّ ولكنّه قد يأتي في سياق النواسخ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿اِذْهَبوا بِقَميصي هذا فألْقوهُ عَلى وَجْهِ أبي يَاتِ بَصيراً﴾ (يوسف: 93)، فقد ورد هذا الفعل هنا بمعنى “صارَ” أو “انقلب”، وهو استعمال خاص في هذا الموضع، مختلف عن المعنى المُتداوَل المشهور عند أصحاب اللغة، وهو معنى المجيء، وقد ورد هذا المعنى في الآية نفسِها: ﴿اِذْهَبوا بِقَميصي هذا فألقوهُ عَلى وَجْه أبي يَاتِ بَصيراً واتوني بِأهْلِكُمْ أجْمَعينَ﴾ (يوسف: 93)، فقد جاء فعل “أتى” في الآية الواحدة مرَّتَيْن بمعنيَيْن مُختلِفين، والسّياقُ يميز بين المعنيين.

ـ ومن هذه الكلمات فعلُ “صار” الذي يأتي ناقصا ويأتي تامّاً بمعنى “رجع” نحو قولِه تعالى: ﴿ألا إلى الله تَصيرُ الأمورُ﴾ (الشورى: 50).

ـ وجاء فعلُ “ارتدّ” بمعنى الارتداد وبمعنى “صار”، نحو قولِه تعالى: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً﴾ (يوسف: 96).

والأفعالُ التي ورَدَت بأكثرَ من معنى واحدٍ في القرآنِ الكريم كثيرةٌ جدّاً، وكذا الأسماء وحروفُ الجرّ.

التّعدُّد والاحتمالُ في معاني النّصّ القرآني بحسب معطيات السّياق

قد يتعدّد المعنى من خلال ما يفيده السياق اللغوي للآيات، ويقود هذا التّعدّد إلى تعدّد في الإعراب. ومن أمثلة الاحتمال والتعدد قولُه تعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ فَتَكونا مِنَ الظّالِمينَ، فأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فأخْرَجَهُما مِمّا كانا فيه﴾ (البقرة: 34-35). يَحتمِل الضّمير “ها” في قولِه “وكُلا مِنْها” إعرابَيْنِ اثنيْنِ بحسب المعنى الذي يُفيده السّياق اللّغوي؛ أحدُهما عَود الضّميرِ على أقرب مذكورٍ وهو الشّجرة، فيكون المعنى: فَحَمَلَهُما الشّيطان على الزّلّة بِسببِها، وتكونُ “عنْ” تُفيد معنى السّببيّة[18].

والثّاني عَوْدُه على “الجنة” لأنّها أول مذكور[19]، وقيل إن الضميرَ عائد على غيرِ مذكورٍ يُفهم من المعنى الحاصل من السياق، وهو معنى “الطّاعة”، بدليل قولِه تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا﴾، والمعنى: أطيعاني بِعدم قربان هذه الشجرة، فعاد الضّمير على معنى الطّاعة المُتحصِّل من السّياق[20]، وقيل أيضا إن الضمير يعود على الحالة التي كانوا عليها من التّفكُّه ورغد العيش، بدليل قولِه تعالى: ﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً﴾.

التّقديمُ والتّأخير والسياق

التّقديم والتّأخير باب من العلم في البلاغة يَتعلّق بتقديم لفظ على آخر وتحويلِه عن مكانِه الأصلي، وسنّة من سنن العرب في كلامها، وسبيل “إلى نقل المعاني في ألفاظِها إلى المخاطَبين كما هي مُرتَّبة في ذهن المتكلّم حسب أهمّيّتها”[21].

وهو لا يُخرِج الشيءَ المُقدَّم من تأخير أو المُؤخَّر من تقديم عن حُكمِه الإعرابي الذي كان له في الأصل، ولكنّه قد يُخرجه عن حكمه البلاغي الذي كان له إلى حكم آخَر اقتضاه المعنى.

ولهذا الباب البلاغي أهمية بالغة؛ إذ لا يتمّ تقديم كلام على نية التأخير أو تأخيره على نيّة التّقديم عبثا، بل لبواعثَ موجبةٍ تُخرج الكلام في صورة أبلغ وأفصحَ.

وقد درس علماء البلاغةِ والنّحو والتّفسير التّقديمَ والتّأخيرَ في كتاب الله تعالى، وقدّموا نماذجَ عَمليّةً تُفيد قيمة هذا البابِ البلاغيّةَ والدّلاليةَ، منها قولُه تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُم، إنّ قتْلَهُم كان خِطْئاً كَبيراً﴾ (الإسراء: 31﴾؛ أي خَوْفَ إقْتارٍ وفَقْرٍ، في حالةٍ، وهو إخبار عن العرب؛ لأنهم كانوا يَئِدون البناتِ خشيةَ العار، وربما قتلوا بعض الذّكور خشية الافتقار والعَيْلَة، فوعظهم الله في ذلك وأخبرهم أنّ رزقهم ورزقَ أولادهم على الله. فالآية الكريمة دالّة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، خلافا لِما كان عليه أهل الجاهلية من عدم إيراث البناتِ ومِن قتلهِنّ، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾؛ أي خوفَ أن تَفتقِروا في ثاني الحالِ، ولهذا قدّم الاهتمامَ برزقهنّ فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُمْ﴾.

أمّا في سورة الأنعام فنجد قولَه تعالى: ﴿ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ مِّنْ إمْلاقٍ﴾ (الأنعام: 152)، فقد قدّم رزقَ الوالِد على الولد، وهو خطاب للفقراء المقِلّين؛ أي لا تقتلوهم من فقرٍ بكم؛ فحسُن “نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ”؛ أي نرزقكُم ما يزولُ به إملاقكم، ثمّ قال: “وإيّاهم”؛ أي نرزقكم جميعا، خلافا للآية السّابقة التي قدّم فيها رزق الولَد على رزق الوالد؛ لأنها خطاب للأغنياء أي خشية فقر يحصل لكم بسببهم[22]، والخشية إنما تكون ممّا لم يقع، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم لأن رزقَهم حاصل؛ فكان أهمَّ فقدَّم الوعدَ برزق الأولاد على الوعد برزقهم[23].

والخلاصة في الفرق بين الآيتين أن الباعثَ على القتل في قوله «مِنْ إمْلاقٍ» الإملاقُ النّاجِزُ، والباعث على القتل في قولِه: “خشيَةَ إمْلاقٍ” الإملاقُ المُتوَقَّع[24]، وهذا الفرق بين الآيتين إنما هو فرق بين معنيين سبَّبَهما تقديم اللفظ أو تأخيرُه.

أثرُ السّياقِ في بيانِ مقاصدِ التّنزيل ودفع شُبهة التّأويل

يقع كثير من النّاس في الوهم و الخطأ عندما يعمدون إلى تفسير بعض الآيات بالظّاهر تفسيرا يتعارضُ وحقيقةَ ما أنزِلت بسببه، فمن ذلك تفسيرهم للفظ “التّهلُكة” في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقوا بِأيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 194) باقتِحامِ ميادينِ القتالِ ومنازلةِ العدوّ، ومن ذلك ما رُوِيَ عن المغيرة[25]؛ قال: بعث عُمرُ بن الخطّابِ جيشا فحاصروا أهلَ حصن وتقدّم رجل من بجيلةَ فقاتل فقُتِل فأكثر النّاس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التّهلكة، فبلغ ذلك عُمرَ، رضي الله عنه، فقال: كذَبوا، أليس الله، عزّ وجلّ، يقول: ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَه ابْتِغاءَ مَرْضاةِ الله، والله رَءوفٌ بِالعِبادِ﴾ (البقرة: 205)، فأنت ترى كيف أنّ عُمرَ، رضي الله عنه، صحّح ما علِق بأذهان النّاس من معنى هذه الآية، وذلك بوضعها في سياقها، وأعطاهم أنموذجا قويا ونهجا سليما في فهم معاني الآيات.

لقد وردت هذه الآية في سياق معين لا ينبغي عزلها عنه والاستدلال بها على ظاهر اللفظ؛ فإن الاستدلال بها مُقتبَسَةً من القرآن الكريم إخراجٌ لها من سياقها الذي وردت فيه وإكراه لها على إفادة معنى لا تعنيه؛ فقد وردت مسبوقةً بآيات في القتال وعدمِ إمساك اليد عن الإنفاق؛ لأن الإمساك هو منتهى التّهلُكة؛ قال الله تعالى: ﴿وقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ ويَكونَ الدّينُ لله، فإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلاّ عَلى الظّالِمينَ، الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ، واتَّقوا الله واعْلَموا أنَّ الله مَعَ المُتَّقينَ، وأنْفِقوا في سَبيلِ الله ولا تُلْقوا بِأيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنوا، إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنينَ﴾ (البقرة: 192-194). ففيه الأمر بالإنفاق في سبيل الله أي في طريقه الذي أمَرَ أنْ يُسْلَك فيه على عدوّه من المشركين لجِهادهِم؛ فإن الله يُعوِّضُ المُنْفِقين أجرا ويرزقهم عاجلا، فإن تركوا النفقةَ عرَّضوا الجهاد للخطر؛ لأنه يحتاج إلى تجهيز بالمال والعتاد، ولذلك سُمّي البخلُ هلاكا وتهلُكةً، وهو في الأصل انتهاءُ الشيء إلى الفساد، ثمّ يأمر الله الأمّةَ بالمزيد من البذل والعطاء: “وأحْسِنوا إنّ الله يُحِبُّ المُحْسِنينَ”.

المُناسبة بين آيات القرآن الكريم

معرفةُ المناسبات بين الآيات مظهر من مظاهر مراعاة السّياق في الفهم و التفسير، وهو موضوع ألّف فيه العلماء، وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها مرتبطا ببعض حتّى يصير التّأليفُ كحالِ البناء المُحكَم المتلائم الأجزاء وقد قلّ اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقّتِه، وممّن أكثر منه الإمام فخر الدّين الرازي، وقال في تفسيره: أكثرُ لطائف القرآن مُودَعَةٌ في التّرتيبات والرّوابط.

 هذا ويُشترَط في حسن ارتباط الكلام أن يقعَ في أمر متّحد مُرتبط أوّله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يُشترَط فيه ارتباط أحدهما بالآخَر، ومَن ربط ذلك فهو متكلِّف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يُصان عنه حُسن الحديث فضلا عن أحسنه[26]. وأما القول بأنه لا يُطلَب للآيات الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة، فالجواب عنه أن نزول الآيات على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحِكمة ترتيبا، وسوره مرتّبة بالتوقيف. والذي ينبغي في كل آية أن يُبحَث عن كونِها مكمِّلةً لما قبلها أو مستقلّة، ثُم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها، ففي ذلك عِلم جَمٌّ، وهكذا في السور يُطلب وجه اتِّصالها بما قبلها وما سيقت له[27].

ومن أنواع ارتباط الآيات بعضِها ببعض تعلُّق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامِه بذاته، وهذا النّوع واضح، ونوع تكون فيه الآية الثانية للأولى على جهة التّأكيد والتفسير أو الاعتراض والتشديد، وهذا القسم واضح أيضا، ونوع آخر لا يظهر فيه ارتباط الآية بالأخرى بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وأنها خِلاف النوع المبدوء به، ومثال ذلك:

ـ أن تكون الجملة معطوفةً على ما قبلها بحرف من حروف العطف المُشرِك في الحُكم، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الاَرْضِ وما يَخْرُج مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فيها﴾ (الحديد: 4) وقولِه: ﴿واللهُ يَقْبِضُ ويَبْصطُ وإليْه تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 243)، وفائدة العطف جعلُها كالنّظيرَيْن والشّريكينِ.

وكقولِه تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُم ألاّ تُشْرِكوا به شَيْئاً، وبالوالِدَيْنِ إحْساناً، ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ مِّنْ إمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإيّاهُمْ﴾ (الأنعام: 152)؛ عَقَّب، سُبحانَه وتَعالى، التّكليف المتعلِّق بالوالدين بالتّكليف المتعلقِ بالأولاد لكمال المناسبة[28].

ـ وقد تكون العلاقة بينهما علاقةَ تضادٍّ، وهذا كمناسبة ذِكر الرّحمة بعد ذِكر العذاب، والرغبة بعد الرهبة، وعادةُ القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها عدا ووعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سَبَق، ثم يذكر آيات التوحيد والتّنزيه ليُعلَم عظمُ الآمر والنّاهي، والقرآن الكريم مليء بهذا المقابل.

ـ وقد تأتي الجملة معطوفةً على ما قبلَها ويُشكِل وجه الارتباط، فتحتاج إلى شرح وتأويل، لاستكشاف سياق الجمع بين الجملتين، ومن صور ذلك قولُه تعالى: ﴿يسْئلونَكَ عَنِ الاَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَواقيتُ للنّاسِ والحَجِّ، وليسَ البِرُّ بأنْ تاتوا البُيوتَ مِنْ ظُهورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى، واتوا البُيوتَ مِنْ اَبْوابِها، واتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحونَ﴾ (البقرة: 188) فقد يُقال: أيُّ رابطٍ بين أحكام الأهلّة وبين حُكم إتيان البيوت؟ وجه اتّصالِه بِما قبله أنهم سألوا عن الأمْرين، وأنهم لَمّا سألوا عمّا لا يعنيهم ولا يتعلّق بعلم النّبوّة، وتركوا السّؤال عمّا يعنيهم ويختص بعلم النّبوّة، فإنه، عليه الصلاة والسلام، مبعوث لبيان الشرائع لا لبيان حقائق الأشياء، عَقّبَ بإجابتِهم عمّا سألوا تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا مثلَ ذلك ويهتمّوا بالعلم به، وإما على سبيل الاستعارة التمثيليّة بأن يكون قد شبّه حالَهم في سؤالِهم عمّا لا يهمّ وتركِ المهمّ بحال مَن ترك الباب وأتى مِن غير الطّريق، للتّنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال، والمعنى: وليس البر بأن تعكِسوا مسائلَكم ولكنّ البر مَن اتّقى ذلك ولم يجترئ على مثلِه، وآتوا البيوت من أبوابها؛ إذ ليس في العدول بِرّ فباشِروا الأمور من وجوهها واتّقوا الله في تغيير أحكامِه والاعتراض على أفعاله لعلكم تفلحون، ويجوز أن يكون الجامع بينهما أن الأول قولٌ لا ينبغي والثّاني فعلٌ لا ينبغي[29].

وهناك مظهر آخر من مظاهر المناسبة بين الآيات: وهو مناسبة صدر السورة أو أوائل الجمل لِما يعقبها من كلام، أو ما يمكن أن يُدعى بالاستهلال أو الافتتاح، حيث يكون الكلام المُستهَلّ به ذا أهمّيّة وعناية وتركيز، مما يؤثّر في أجزاء الكلام اللاحق، ويستحق بذلك التقديمَ والاستهلال؛ وقد ذكر العلماءُ الحكمةَ في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح وافتتاح سورة الكهف بالتحميد؛ أن التسبيح حيث جاء مُقدَّم على التحميد؛ يُقالُ: سبحان الله والحمد لله، وأن سورة الإسراء افتُتِحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدّالّة على صدق النبوّة والرسالة، والتّسبيحُ تنزيهٌ لله تعالى عمّا صدر عن الكفّار من تكذيبٍ بشأن الإسراء تكذيبَ عنادٍ، فنزَّه نفسَه قبل الإخبار بهذا الذي كذّبوه. وأما سورة الكهف فإنه لمّا احتَبَس الوحي وأرجف الكفّار بسبب ذلك أنزلَها الله ردّاً عليهم وأنه لم يقطع نِعمَه عن نبيّه، صلى الله عليه وسلم، بل أتمّ عليه بإنزالِ الكتاب، فناسب افتتاحَها بالحمد على هذه النّعمة[30].

وأما سورة سبأ فلمّا تضمنت ما منح الله سبحانَه داودَ عليه السلام من تسخيرِ الجبال والطّير والرّيح وإلانَةِ الحديد ناسب ذلك ما به افتتحت السورة من أن الكُلَّ مُلكُه وخَلقُه، فهو المسخِّر لها والمتصرِّف في الكلِّ بما شاء، فقال تعالى في أول السورة: ﴿الحَمْدُ لله الذي لَه ما في السّماواتِ وما في الاَرضِ وله الحَمْدُ في الاَخِرَةِ﴾ (سبإ: 1)، فالارتباط واضح بين افتتاح كلٍّ من هذه السور وبما يليها من موضوع السورة والقضايا التي تعالجها.

المناسبة الصوتية لسياق الكلام، وأثرها في بيان المعنى

لا شكّ أن اللغة العربية من أدق اللغات احتفاظا بالمعاني الفِطريّة للحروف، أي بحركة الإنسان الأول في الإشارة إلى المعاني؛ ذلك أن كثيرا من الحروف لها دلالة في ذاتها قبل أن تقترن بغيرها من الحروف؛ فمن ذلك دلالات النداء والتعجب والتأوّه والأنين والإشارة والتنبيه وغير ذلك من المعاني التي تدعو إليها معاناة الحياة الفطرية الأولى[31]؛ فالنداء يعتمد على أصوات الحلق المقذوفة من الجوف مُطلَقَةً في الهواء لتبلُغَ بالصوت أقصى ما يُطيقه تدافُع النّفَس، وكذلك الإشارةُ والتّنبيه يتطلَّبان من صاحِبَيهِما إرسال الصوت خارجا من الحلق إلى المُشار إليه أو المُنبَّه، وهكذا في أكثر الحروف المجرَّدة: فالهمزة الممدودة هي الصدى الصوتي الذي يراد به التنبيه والإشارة والنداء، وحروف النداء تعتمد على الهمزة، أما الياء الممدودة فهي تسهيل لمجرى الهمزة وتليين لها، وتأتي الهمزة للدلالة على الاستفهام والتعجُّبِ من طريق الاستفهام، وتثبُتُ الهمزة في أول التعجب كقولِك: “ما أكرمه” و”هو أكرم من فلان”، ويشترك مع الهمزةِ حرفُ الهاء، واحتفظت العربيّةُ بالهمزة في أكثر حروف الاستفهام نحو أين وأنّى. وأما الهاء فأكثر مَوْرِدها على التنبيه والدلالة والإشارة، مثلما وقعت في أسماء الإشارة “هذا وهذه وهؤلاء” وما كان نحوَهنّ، وفي ضمائر الرفع المنفصلة التي تدلّ على الغيبة نحو “هو وهي وهما وهم وهنّ”، التي فيها معنى الإشارة إلى الغائبين.

هذا، وقد ذكر العلماء والباحثون لكل جمهور من حروف العربية مجرىً ودرباً تتفرع منه شُعَبُه ويسهل معه الإبانة عن الأصوات وحكايتها وأسمائها، التي جعلتها اللغةُ لها في أعمال الإنسان والحيوان والجماد[32].

وإذا توالت الأصوات، مع ما في كلّ صوت من معنى فِطريّ غُفْلٍ ساذَج نشأ معه بغير صنعة، أعطت سِياقاً صوتيا مركَّبا ذا دلالة مركَّبة، ويعدّ السياق الصوتي في الآيات القرآنية مظهرا من مظاهر السياق اللغوي؛ فقد اعتنى القرآن الكريم باختيار الأصوات الدقيقة المناسبة للأحوال الدلالية المختلفة؛ لأن للأصوات والحروفِ حرارةً وتوهّجا يضيء المعنى المراد؛ فكانت كل كلمة بما تتألف به من أصوات، مُناسِبةً لصورتها الذّهنيّة؛ فما كان يستلذّه السّمعُ ويستميلُ النّفْسَ فحظّه من الأصوات الرّقّة والعذوبة، وما كان يُخيفها ويُزعجها فحظّه من الأصوات الشّدّة، وهذا التّناسب الصّوتي بين اللّفظ والمعنى وسيلة سياقية من وسائل تنبيه مشاعر الإنسان الباطنة واستثارة المعاني النفسية المناسِبة للموقف الخارجي.

أ. الصَّوتُ والمَعْنى: دراسة تطبيقية

وإنّ للصوت القرآني[33]، إذا ما نُطق به فصيحا بصفاته ومن مخرجه المناسب[34]، صدى دلاليا يُشيع جوّاً خاصّاً من المعاني وحقلا دلاليا مخصوصا:

ـ دلالة الفزع والأصوات المناسبة لها: “صَرَخَ” و”اصْطَرَخَ”: استعمل القرآن الكريم للدلالةِ على الفزع ألفاظا معيّنة ذات أصوات مخصوصة، منها مادّة “صرخ” التي اشتقت منها كلمات مثل الصرخة، وهي الصّيحة الشّديدة عند الفزع أو المصيبة، والصراخ الصوت الشديد[35]، وما يُرافق الصراخَ من الاستغاثة اليائسة التي لا تجد أذُنا صاغية، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخونَ فيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ (فاطر: 37)؛ أي يستغيثون بشدّة وعويل وصوت مرتفع.

ولأصواتِ هذه المادّة إيقاعٌ شديد؛ فالصاد من حروف الاستعلاء والإطباق، والطّاء كذلك، وتواليهما في الآية يُقوّي معنى المصيبة الواقعة بهم، والخاء حرف حلقي جافٌّ غليظ يكون معه الاستعلاء والتّرفّع ويُفيد التّكرُّه والاستبشاعَ والتّأوّه[36]. وقد وردت موادُّ لغوية توالى فيها الصاد والخاء مثل الصّخِّ وهو الضّرب بالحديد على الحديد، والعصا الصلبة على شيء مُصمَت، وصخُّ الصّخرة وصخيخها صوتها إذا ضربتَها بحجر أو غيرِه، والصّاخّة القيامة.

أما الصّرخة فهي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة، والاستصراخُ الاستغاثة، واصطرخ القوم وتصارخوا واستصرخوا استغاثوا، والإصراخ هو الإغاثة وتلبية الصّارخ، وقوله تعالى: “ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ وما أنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ” تعني التبرُّؤَ المتناهي والإحباط التّامّ والصوت المُجلجل في الدّفع، فلا يُغني بعضهم عن بعض شيئا، ولا يُنجي أحدُهم الآخر من عذاب الله، فلا الشيطان بمغيثهم ولا هم بمُغيثيه، والصريخ في اللغة يعني المغيث والمستغيث معا، فهو من الأضداد؛ قال تعالى: “فَلا صَريخَ لَهُم ولا هُمْ يُنْقذونَ”، فيا له من موقف خاسر وجهد بائر، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة، ولا إجارة ممّا وقعوا فيه.

ـ دلالة المُخاصمة والعناد والأخذ والرّدّ، والأصوات المناسبة لها

مادّة “شكس” في قولِه تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ﴾ (الزمر: 28) والشُّركاء المتشاكسون هم العَسِرون المختلفون الذين لا يتّفقون والتّشاكُس معنى يُفيد النّزاعَ المستمرّ بين المتشاكسين وعدمَ استقرارِهم على وضع مُعيّن ولا تَقوى لفظةُ “المتخاصمين” أن تدلّ عليه؛ لأن أصوات التّشاكس وهي الشّين والسّين تُفيد مُجتمِعةً متعاقبةً، معنى التضايُق والتّضادّ[37]، ثمّ أضيف إليها الميم والتاء والألف، فارتفعت حدّة الجدال بين المتجادلين.

ب. التّنغيم والمعنى: دراسة تطبيقيّة

التّنغيمُ تنوّع صوتيّ يتراوح بين الارتفاع والانخفاض في أثناء النطق، ينظّم علاقة الأصوات المتتالية فتؤلِّف هذه المنظومة الصوتية إطارا صوتيا لأداء الجملة[38]، ويُعدّ التنغيم ظاهرة موقعيةً سياقيّة وقرينةً من قرائن التّعليق اللّفظيّة في السياق[39]، والجمل العربية تقع في صيغٍ وموازينَ تنغيميّةٍ هي هيئات من الأنساق النغمية، كالهيئة التنغيمية لجملة الإثبات أو جملة النفي أو الاستفهام أو التعجب أو الإنكار أو الندبة أو التفجع، فلكل جملةٍ هيئةٌ تنغيميةٌ خاصة بها، ويدخل في الجملة كلُّ حروفها وعناصرها الصوتية، وتؤلِّف هذه العناصر كلّها منحى تنغيميا للجملة يُعينُ على الكشف عن معناها ويستطيع السامع أن يَفهم مراد المتكلّم استنادا إلى التّنغيم.

هذا، وإنّ للقرآن الكريم أغراضا في السياق الصوتي للآيات أو التنغيم المصاحب لأدائها، منها التنبيه والوعد والوعيد والنهي، ووصف الجنة والنار والرّدُّ على الكفار والمشركين ومحاورةُ أهل الكتاب… وليس من المناسب أن تُقرأ هذه الأغراض كلُّها بتنغيم واحد، بل يكون لها بحسب كلٍّ فهمٍ حالٌ. وقد تحدّث الزركشي (توفي 794ﻫ) في كتابه “البرهان” عن وجوه المخاطبات في القرآن، قال: “فمَن أراد أن يقرأ القرآن بكمال التّرتيل فلْيَقْرَأه على منازِلِه؛ فإن كان يقرأ تهديدا لفَظَ به لفظَ المتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيمٍ لَفَظَ به على التعظيم”[40].

وينبغي للقارئ إذا أراد أن يُحسن تلاوة القرآن الكريم أن يستعين على ذلك «بأن تكون تلاوتُه على معاني الكلام وشهادةِ وصف المتكلّم من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والإنذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن، وفي مثل هذا قال تعالى: ﴿الذينَ ءَاتَيْناهُمْ الكِتابَ يَتْلونَه حَقَّ تِلاوَتِهِ أولئِكَ يُومِنونَ بِه[41]. فمن منازل القراءة أنّ التنغيم الباكي مناسب لآيات الاستغفار والتوبة، والتنغيم الحاضَّ المُحرِّضَ مناسب لآيات القتال، وكلّ ضرب من التنغيم يجب أن يُرافق المعنى الذي يناسبُه ويُظهِره، ليَجعَل المقروء مستقرا في ذهن السامع وقلبه.

ج. الوقف والمعنى: دراسة تطبيقية

يتصل الوقف في القرآن الكريم بالمعنى والسياق اتصالا وثيقا، وممن أفرد له تأليفا خاصا أبو بكر الأنباري (توفي 328) صاحبُ كتاب: “إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل”؛ فقد ربط الوقفَ بالمعنى وبالفهم للقرآن، قال في ذلك: “ومِن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه وغريبِه معرفةُ الوقف والابتداء فيه؛ فينبغي للقارئ أن يعرف الوقفَ التّامّ والوقفَ الكافي الذي ليس بتامّ والوقفَ القبيحَ الذي ليس بتامّ ولا كافٍ”[42].

ومن الأمثلة التي ذكَرها: “أنه لا يتمّ الوقف على المضاف دون ما أضيف إليه، ولا على المنعوت دون النعت، ولا على المرفوع دون الرافع”[43]، وبالجملة فإنه لا يجوز الفصل بين المتلازمين بالوقف على أولهما.

وممّن أدرك أهمية الوقف واتّصاله بالمعنى الحافظُ ابنُ الجزري الدّمشقي (توفي 833ﻫ)، فقد فصّل القولَ في أنواع الوقف، وردّ على مَن تكلَّف الوقف في بعض المواضع تعسُّفاً، وبيَّن أنه ينبغي تَحَرّي المعنى الأتمّ والوقفِ الأوجَه، كالوقف على قوله تعالى: ﴿ولا يحْزنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ (يونس: 65) والابتداء بعدَه بقولِه: ﴿إنّ العزّةَ لله جميعا﴾ (يونس: 65)، فالوقف الذي يُراعى فيه المعنى يكون على الكلمة التي يتمّ بها معنى ما قبلها ولا تتعلق بما بعدها لفظا ولا معنى، وغالبا ما يكون في أواخر الآيات ونهاية القصص وأواخر السور، مثلما أنّ الابتداء بما له تعلق بما قبلَه يفسد المعنى، وذلك لشدّة تعلّقه بالسابق؛ والمثال على ذلك أنه لا يُبتَدأ بقوله تعالى: ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُومِنين﴾ (الأعراف: 132) وقوله: ﴿اتّخذ الله ولدا﴾ (البقرة: 115)، وقوله: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (المائدة: 20).

يتبين في آخر المطاف أن فهم القرآن الكريم وتفسيره لا يتمّ إلا في ظل السياق العام بنوعيه الداخلي والخارجي، ولا يحصل هذا الفهم ولا ذلك التفسير إلا بمعاينة تطبيقية للآيات بمنهج كشّاف يكشف تفاصيل المعاني المحيطة بالآية، ويسهم في بناء الصورة العامة للمعنى.

هذا، وقد استُعرِضَ في هذا البحث طرُقٌ وأمثلةٌ وإجراءات تطبيقية لكيفية تحكيم منهج السياق في فهم القرآن وتفسيره، وهو منهج لساني لغوي يُسهم في استخراج كوامن الآيات وبيان مقاصد الخطاب، سواء تعلقت هذه الإجراءات التطبيقية بالأصوات أو الكلمات المعجمية والصرفية أو العبارات التركيبية أو النصوص الطويلة.

فالمنهج اللّساني الحديث يُقدّم في فهم نصوص القرآن الكريم فهما متكاملاً يؤدّي إلى وضع النّصّ القرآني في إطاره العامّ الذي نتج به أوّل مرّة، ويمكن أن تقدم اللسانيات منهجا في الفهم المتكامل هو المنهج السياقي في مستوياته اللغوية المتعددة النحوية والصرفية والمعجمية والبلاغية، التي تُرشد في فهم مراد المتكلّم ومقاصده العليا بقرائن نصّية لفظية ومعنوية، ويضاف إلى السياق اللغوي الدّاخلي سياق آخَر هو سياق الحال أو المقام أو ما يتّصل به من عناصر الحال والزمان والمكان والمتكلم والمخاطب.

الهوامش


[1] . توصَّل علماءُ الدّلالة في العصر الحديث إلى تصنيف المدلولات بالاعتماد على عدّة طرق: الطريقة الشكلية أو الاشتقاق الصرفي، والطّريقة السّياقيّة، والطّريقة الموضِعِيّة (تصنيف المدلولات بحسب موضع المتكلّم وموقفه)، والحقول الدّلاليّة (القَرابة الدّلاليّة بين المدلولات)، والتَّحليل بالمُؤلِّفات التي تتألّف منها الكلمة. انظر في تفصيل هذِه الطّرق: موريس أبو ناضر، “مدخل إلى عِلم الدّلالة الألسنيّ” مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، ع: 18-19، مارس 1982م.

[2] . انظر بسط الموضوع في كتاب عبد الرحمن بودرع: “منهج السّياق في فهم النّصّ” كتاب الأمة، ع: 111، (المحرّم1427ﻫ/فبراير2006م).

[3] . انظر في تفصيل الكلام عن هذا الشّرط كِتابَ: “محاسن التأويل” محمّد جمال الدّين القاسمي (ت.1332ﻫ) تح. محمّد فؤاد عبد الباقي، ط2، بيروت: دار الفكر، (1398ﻫ/1978م)، 1/236.

[4] . انظر أمثلة من الكلمات التي لها مدلولات جديدة غير مدلولاتها التي كانت لها في العصر الأول، في كتاب يوسف القرضاوي: “كيف نتعامل مع القرآن العظيم” ص232.

[5] . أحمد بن تيمية، “مجموع فتاوى ابن تيمية” جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم، ط: المكتب التّعليمي السّعودي بالمغرب، الرّباط: مكتبة المعارف، 35/395.

[6] . المرجِع نفسُه، 35/395.

[7] . أبو حيان محمّد بن يوسف، “البحر المحيط” بعناية مجموعة من العلماء منهم زهير جعيد وصدقي محمد جميل، دار الفكر للطّباعة، ط1، (1412ﻫ/1992م)، 6/258، 9/146، 1/536، 4/139، 415.

[8] . “كيف نتعامل مع القرآن العظيم”، م، س، ص236.

[9] . انظر: الحجّ: 30، النّحل: 36، الزّمر: 17، النّساء: 31، الشّورى: 37، النّجم: 32.

[10] . أبو عبد الله بدر الدّين الزّركشي، “البُرهان في علوم القرآن” تح. محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار المعرفة، 1391ﻫ، 2/175.

[11] . أبو الفداء إسماعيل بن كثير، “تَفسير ابن كثير”، بيروت: دار الفكر، 1401ﻫ، 2/482.

[12] . انظر التّفصيل في “الموافقات”، 3/313.

[13] . وممّا يتّصل بمفهوم النّصّ عند العلماء العرب مفهومُ “القصد”، وهو غاية المتكلّم من الخطاب والفائدة التي يرجو إبلاغها للمخاطَب، فلا نصَّ من دون “قصد”، وهذا المفهوم اهتمّ به اللسانيون والفلاسفة المعاصرون حين تحدّثوا عن مفهوم “المقصدية” (Intentionnalité) في كلام المتكلّم، ومنهم ج. ل. أوستين (Austin) و تلميذه ج. سيرل (Searl) في «نظرية الأفعال الكلامية» التي تندرج في إطار العلاقات التّداوليّة. انظر: أبو محمّد مسعود صحراوي، “المنهج السياقي و دوره في فهم النص وتحديد دلالات الألفاظ”، الحلقة (1) مقالة منشورة على موقع: www.chihab.net.

[14] . انظر في تعريف المتشابه “البُرهان في علوم القرآن”، م، س، 1/1152.

[15] . ورد هذا المقطعُ في ثلاث وعشرين آيةً أوّلُها الفاتحة.

[16] . هناك مراجعُ عَرضت للحوار في القرآن الكريم من حيثُ الأساليب والقواعد والمعطيات العمليّة، وبَحَثت الموضوع من جوانبِه الفكريّة ونماذجِه التّطبيقيّة الواقعيّة، من أهمِّها كتابُ محمّد حسين فضل الله:  “الحِوار في القرآن، قواعده، أساليبه، معطياته” بيروت: الدّار الإسلاميّة، ط1، (1399ﻫ/1979م)، واتّخذ الكِتابُ منحىً فكريّاً وعقليّا و موضوعيا، تاركا العناصرَ اللّغويّة والجماليّةَ لمؤلَّفاتٍ أخرى.

[17] . بيير كيرو، “علم الدّلالة”، ترجمة: منذر عياشي، دمشق: دار طلاس، 1988م، ص61. وانظر: منقور عبد الجليل، “علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي”، دمشق: منشورات اتّحاد كتّاب العرب، 2001م.

[18] . انظر: البَحْر المحيط، تح. عادل أحمد عبد الموجود وعليّ محمّد معوّض وآخَرين،  بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، (1413ﻫ/1993م-1416ﻫ/1995م)، 1/314.

[19] . المصدر نفسُه.

[20] . المصدر نفسُه.

[21] . رشيد بلحبيب، ضوابِط التّقديم والتأخير وحِفظ المراتب في النّحو العربي: المُقدِّمة، الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب، وجدة، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 1998م.

[22] . الإتقان في علوم القرآن، م، س، 2/308.

[23] . البرهان في علوم القرآن، م، س، 3/285.

[24] . التَفسير أبي السُّعود، 5/169.

[25] . تفسير الطّبري، 2/321.

[26] . انظر التفصيل في: “البرهان في علوم القرآن”، م، س، 1/40-43.

[27] . المرجع نفسه، 1/40-43.

[28] . أبو الفضل محمد الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 8/54.

[29] . تفسير البيضاوي، بيروت: دار الفكر، (1416-1996م)، 1/475. محمد أبو السعود، إرشاد العقل السّليم إلى مزايا القرآن الكريم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1/203. روح المعاني، م، س، 2/74.

[30] . البرهان في علوم القرآن، م، س، 1/39.

[31] . انظر الرأي الوجيه الذي ذكره الأستاذ محمود محمد شاكر عن دلالة الحروف على المعاني دلالة فطرية تُفهَم من مجرد التصويت بها: جمهرة مقالات الأستاذ محمود شاكر: جمع وتقديم: عادل سليمان جمال، القاهرة: نشر مكتبة الخانجي، الشركة الدولية للطباعة، ط1، 2003م، 2/717-724.

[32] . يُنظَرُ في هذا البابِ ما ذكره سيبويه عن المصدر الذي على بناء الفَعَلان (مثل النَّزَوان والقَفَزان والنَّقَزان)، فهو بناء يحكي زَعْزَعةً في البدن واهتزازا متصاعدا، ومثلُه الغَلَيان والخَطَران واللّمَعان لأنّه اضطراب وتحرّك، واللَّهَبان والوَهَجانُ؛ لأنّه تحرُّك الحَرّ  وتَثَوُّرُه (الكتاب: بولاق، القاهرة، 2/218،) وعَقَدَ أبو الفتح بن جنّي بابا عن حكاية الأصوات لِمعانيها، هو بابُ إمْساس الألفاظ أشباهَ المعاني، أورد فيه أمثلةً عن تلك المصادر الرباعية التي قوبِل فيها توالي حركات الأفعال بتوالي حركات المثال (الخصائص: تح. محمّد عليّ النّجّار، بيروت: دار الهدى للطباعة والنشر، ط2، 2/152-168)، بل سجّل لنا ابنُ جنّي رأيَ فريق من العلماء يقول: إنّ أصل اللّغات كلّها إنّما هو من المسموعات كدويّ الرّيح وحنين الرّعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس، ثُمّ وُلِدت اللّغات عن ذلك فيما بعدُ (الخصائص، م، س، 1/46-47).

[33] . انظر في تعريف الصّوت ومخارج الأصوات وصفاتها، كتابَ إبراهيم أنيس: الأصوات اللّغوية، نشر القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1979م، ص111.

[34] . فائدة هذا الشرط هو التنبيه على أن الأصوات الفصيحة التي نزل بها القرآن الكريم وتجلَّت في القراءات المتواترة، ينبغي أن يُحتفَظَ بها عند قراءة القرآن شرطا في صحة الأداء، وإلا فإن النطق الحديث الشّائع بيننا لا يصلح أن يُتّخَذَ وسيلة صوتية لقراءة القرآن الكريم؛ وذلك لأن مخارج الأصوات اليوم قد انتقلت من حال إلى حال أخرى مخالفة، فقد انتقلت الضّاد دالاً، ولم يعد المتكلّم يميز بين الظّاء والزّاي، أو بين الثّاء والسّين، في بعض أقطار البلاد العربية، ولا بين الصاد والسين، ولم يعد كثير من الناطقين يميزون بين الأصوات المتقاربة مَخارِجَ وصِفاتٍ، وقد عُرِفَ هذا الانتقال الصوتي منذ عهد سيبويه الذي قسّم الحروف إلى حروف مستحسنة وأخرى مستهجنة رديئة (الكتاب: تح. محمد عبد السلام هارون، 4/431،).

[35] . لسان العرب: مادة “صرخ”، 3/33.

[36] . انظر ما نقله ابنُ منظور عن اللّغويين بخصوص الخاء (لسان العرب، م، س، 3/3).

[37] . لسان العرب، م، س، 6/113.

[38] . انظر بتصرف: أحمد نوزاد، المنهج الوصفي في كتاب سيبويه، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، ط1، 1996م، ص206-261.

[39] . تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، الدار البيضاء: دار الثقافة، (1421ﻫ/2001م)، 226 و308.

[40] . البرهان في علوم القرآن، م، س، 1/450.

[41] . المرجع نفسه، 2/181، ثُمّ ما قاله د. يوسف القرضاوي في الموضوع، في كتاب: كَيف نتعامل مع القرآن العظيم، م، س، 178.

[42] . إيضاح الوقف والابتداء، تح. محيي الدّين عبد الرحمن رمضان، دمشق: مطبوعات مجمع اللغة العربية، (1391ﻫ/1971م)، 1/108.

[43] . المرجع نفسه، 1/116.

Science

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق