مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

وقفات مع حادثة شق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاةوالسلام على خاتم النبيئين والمرسلين محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.أما بعد:

فقد أنعم الله تعالى على خلقه فأرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، وأيدهم بالمعجزات البينة والبراهين القاطعة الدالة على صدقهم، وصحة نبوَّتهم ورسالتهم، وكان خاتمهم سيد الخلق أجمعين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله للناس كافة، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وكان من جملة الآيات الباهرات التي أيد بها رسوله الكريم «حادثة شق صدره الشريف»المشار إليها في مطلع سورة الشرح ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾([1])على قول بعض أهل التفسير([2])، هذه المعجزة التي وقعت له أكثر من مرة، لينقي قلبه ويطهره من وساوس الشيطان، وحظوظ الدنيا ويهيئه لتحمل الرسالة.

ولتعلق هذه الحادثة بهذه المضغة المهمة أحببت أن أفردها بمقال أذكر فيه بعض الأحاديث الواردة في هذه الحادثة، مع الوقوف على دلالاتها وحكمها، فأقول وبالله التوفيق:

أولا: ما جاء في حادثة شق الصدر من أحاديث:

رويت هذه الحادثة بعدة روايات عن عدد من الصحابة برويات صحيحة؛ كرواية أنس عن أبي ذر الغفاري، ومالك بن صعصعة، وروايات أخرى ضعيفة السند، ولكن يقوي بعضها بعضا أذكر منها:

1-حديث حماد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه…» ([3])

2-حديث ابن اسحاق، قال:  حدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي: أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يارسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه… ([4])

3-حديث حليمة السعدية : قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبي جهم، عن عبد الله      ابن جعفر بن أبي طالب، أو عمن حدثه عنه قال: «كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله التي أرضعته تحدث:  وساق خبرها وفيه: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير  حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته. فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا. قالت: فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقا بطنه، فهما يسوطانه. قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا وجهه . قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك    يا بني؟ قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا فيه  شيئا لا أدري ما هو  قالت: فرجعنا  به  إلى خبائنا »([5]).

4-حديث عتبة بن عبد: قال الإمام أحمد، حدثني حيوة ويزيد بن عبد ربه، قالا: حدثنا بقية، حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، أنه حدثهم، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:« كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادا فقلت: يا أخي فأتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان، كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهذا هو؟ ……» ([6]).

5- حديث أبي ذر قال: «قلت يارسول الله كيف علمت أنك نبي وبما علمت حتى استيقنت قال: أتاني آت وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم هو، هو، قال: فزنه برجل فوزنني فرجحته قال: زنه بعشرة فوزنني فرجحتهم قال: زنه بمائة …» ([7]).

ثانيا: دلالات وحكم معجزة شق صدره الشريف:

قال ابن دحية في معراجه وابن المنير وغيرهما: الصحيح أن شق الصدر مرتان .. مرة في حال الصغر ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء في الانشراح، ومرة عند الإسراء به ليصير حال مثل حال الملائكة، لأنه يراد به العروج إلى مقام المناجاة([8])

وجزم الحافظ ابن حجر أنها وقعت له ثلاث مرات؛مرة قبل البعثة، ومرة عند البعثة، ومرة بعدها، فأما قبل البعثة فلكي تكون إرهاصا للنبوة، وبشيرا بما ينتظر محمد -صلى الله عليه وسلم- من مركز كبير ومقام كريم، وأما عند البعثة فهي زيادة له في إكرامه، ليتلقى ما يوحى إليه بقلب أقوى، وأما بعد البعثة فلكي تكون معجزة تضاف إلى المعجزات الأخرى التي كرم الله بها نبيه -صلى الله عليه وسلم- والتي تؤيد صدقه في دعواه.

قال: «قد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد ولا إنكار في ذلك فقد تواردت الرواية به.وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل حكمة: فالأول أخرج الملك علقة منه وقال: «هذا حظ الشيطان منك» كما عند مسلم، فنشأ في أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان.ثم وقع عند البعثة زيادة في إكرامه، ليتلقى ما يوحى إليه بقلب أقوى.ثم وقع شق الصدر عن إرادة العروج ليتأهب للمناجاة»([9]).

ويبدو أن هذه الحادثة كما في الأحاديث السابقة كانت إعلانا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتهيئته للعصمة، قال ابن عاشور: «وفي حديث شق الصدر: أن جبريل لما استخرج العلقة قال: هذا حظ الشيطان منك؛ يعني: مركز تصرفاته، فيكون الشيطان لا يتوصل إلى شيء يقع في نفس نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بواسطة تدبير شيء يشغل النبي حتى            ينسى …»([10]).

وفي هذا الشق للقلب وإخراج العلقة منه كما في الحديث؛ تهيئة لقلب النبي صلى الله عليه وسلم لتلقي القرآن والقيام بأعباء الدعوة كما قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾([11])

فلا يحل في قلبه إلا التوحيد الخالص، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثماً ولم يسجد لصنم رغم انتشار ذلك في قريش.

ثم إن هذا الشق بمثابة التخلية قبل التحلية أي: تخلية قلبه من كل ما يمنعه من التلقي وتحليته بالقرآن وجميل الخصال تهيئة له لتحمل أعباء الرسالة .

قال د/ البوطي عن الحكمة في ذلك: «يبدو أن الحكمة في ذلك إعلان أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتهييؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية، ليكون ذلك أقرب الى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته. إنها إذن عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين اسماع الناس وأبصارهم»([12])

الخاتمة:

وخير ما نختم به هذا المقال ما ختم به الحافظ ابن حجر مبحثه في شق صدره صلى الله عليه وسلم بكلمة تحدد واجب المسلم تجاه ما ثبت في هذا الصدد قال: «وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم به دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة الإلهية، فلا يستحيل شيء من ذلك»([13]).

********************

هوامش المقال:

([1])سورة الشرح الآية (1).

([2]) انظر تفسير ابن كثير (8 /429).

([3]) تتمة الحديث في صحيح مسلم (1 /86) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات برقم: (259) .

([4]) وتمامه في السيرة النبوية لابن هشام (1 /190-191).

([5]) السيرة النبوية لابن هشام (1 /187-190).

([6]) أخرجه أحمد (29 /195) برقم: (17648).

([7]) أخرجه الدارمي (1 /164-165)، وصححه الألباني  في الصحيحة (7 /922) برقم: (3314).

([8]) الحجة في بيان المحجة إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني  (1 /541).

([9]) فتح الباري (7 /256-257).

([10]) التحرير والتنوير (6 /153).

([11]) سورة  المزمل الآية: (5).

([12]) فقه السيرة (ص: 73).

([13]) فتح الباري (7 /257).

**************

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة:

التحرير والتنوير. محمد الطاهر بن عاشور.مؤسسة التاريخ العربي بيروت. ط1 /1420-2000.

تفسير القرآن العظيم. إسماعيل بن عمر بن كثير .  تحقيق: سامي بن محمد سلامة. دار طيبة. ط2 /1420-1999.

الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة. أبو القاسم اسماعيل ابن محمد التيمي الأصبهاني. تحقيق: محمد بن ربيع بن هادي عمير المدخلي. دار الراية الرياض. ط/ 1419-1999.

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها. محمد ناصر الدين الألباني. مكتبة المعارف الرياض. ط 1415-1995.

سنن الدارمي. أبو محمد عبد الله الدارمي. تحقيق: حسين سليم أسد الداراني. دار المغني السعودية. ط1/ 1421- 2000.

السيرة النبوية. ابن هشام. علق عليها وخرج أحاديثها وصنع فهارسها: عمر عبد السلام تدمري. دار الكتاب العربي. بيروت. ط3 /1410-1990.

صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

فتح الباري شرح صحيح البخاري. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. دار السلام الرياض. ط1/ 1421-2000.

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة. محمد سعيد البوطي. دار الفكر المعاصر بيروت- دار الفكر دمشق. ط10/ 1411-1991.

المسند. أحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة. ط2/ 1420-1999.

*راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور.

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق