مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

وجوه الترجيحات(1)

 

يقول الإمام الحافظ أبو بكر بن حازم الهمذاني (ت584هـ) مُبيناً وجوه الترجيح:

“ووجوه الترجيحات كثيرة أنا أذكر معظمها، فمما يرجح به أحد الحديثين على الآخر:

الوجه الأول كثرة العدد في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر، نحو استدلال من ذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر بالأحاديث الواردة في الباب نظرا إلى كثرة العدد؛ لأن حديث الإيجاب رواه نفر من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة وأم حبيبة وبسرة رضي الله عنهم، وأما حديث الرخصة فلا يحفظ من طريق يوازي هذه الطرق أو يقاربها إلا من حديث طلق بن علي اليمامي، وهو حديث فرد في الباب، ولو سلم أن حديث طلق يوازي تلك الأحاديث في الثبوت كان حديث الجماعة أولى أن يكون محفوظا من حديث رجل واحد.   

وقال بعض الكوفيين كثرة الرواة لا تأثير لها في باب الترجيحات؛ لأن طريق كل واحد منهما غلبة الظن، فصار كشهادة الشاهدين مع شهادة الأربعة.

يقال على هذا إن إلحاق الرواية بالشهادة غير ممكن، لأن الرواية وإن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقتها في  أكثر الوجوه، ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال لا تقبل شهادتهن، ولو شهد به رجلان قبلت شهادتها، ومعلوم أن شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين؛ لأن غلبة الظن إنما هي معتبرة في باب الرواية دون الشهادة.

وكذا سوى الشارع بين شهادة إمامين عالمين وشهادة رجلين لم يكونا في منزلتهما، وأما في باب الرواية ترجح رواية الأعلم الأدين على غيره من غير خلاف يعرف في ذلك، فلاح الفرق بينهما.

 

الوجه الثاني أن يكون أحد الراويين أتقن وأحفظ، نحو ما إذا اتفق مالك بن أنس وشعيب بن أبي حمزة في الزهري، فإن شعيبا وإن كان حافظا ثقة غير أنه لا يوازي مالكا في إتقانه وحفظه، ومن اعتبر حديثهما وجد بينهما بونا بعيدا.

الوجه الثالث أن يكون أحد الراويين متفقا على عدالته والآخر مختلفا فيه، فالمصير إلى المتفق عليه أولى، مثاله حديث بسرة  بنت صفوان في مس الذكر مع ما يعارضه من حديث طلق، فحديث بسرة رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير، وليس فيهم إلا من هو عدل صدوق متفق على عدالته، وأما رواة حديث طلق فقد اختلف في عدالتهم، فالمصير إلى حديث بسرة أولى.”

كتاب الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار،

الصفحة:9-10

الطبعة الثانية،

 مطبعة دائرة المعارف العثمانية،

 حيدر آباد، 1359هـ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق