مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

نيران العرب (الحلقة الثامنة والأخيرة)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، وبعدُ:

فهذا آخر جزء من الكلام على نيران العرب، وقد تقدّم فيما نُشر قبلَ هذا ما كنا ابتدأناه من أمر هذه النيران، وهو ما أوقدَتْهُ العربُ حقيقةً، ثم ما ذكرَتْ إيقادَه مجازا، وكُلًّا قيل في حقه ما قامت به الحجة عند أصحابه. وأما ما بقي منها، فهي النيران التي يذكرون أن العرب ضربت بها الأمثال في كلامها، وسنذكرها على ما اشترطناه قبلُ في شأنها، قلت:

وَمَا مِنَ النِّيرَانِ يُضْرَبُ الْمَثَلْ === بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِيمَا قَدْ نُقِلْ

فَالزَّحْفَتَيْنِ وَهْيَ نَارُ الْعَرْفَجِ === وَهْيَ الَّتِي تَذْهَبُ عَنْهَا وَتَجِي

نَارُ الْحُبَاحِبِ كَذَا نَارُ الْغَضَى === وَبَعْدَهَا الْحَلْفَاءُ فَاحْفَظْ مَا مَضَى

هذه هي النيران التي نُقلت عنهم ممّا يُضرب به المثل، وفيما يلي بيانُها:

1- نار الزحفتين:

وتُسمّى أيضا نار العرفج كما أُشير إليه في بيت النظم، فيقال: نار الزحفتين، ونار العرفج، وهما سواء. ويُقال لها أيضا: نار أبي سَريع. وأبو سَريع هو العرفج(1)؛ لأنه سريع الاشتعال سريعُ الانطفاء. والعرفج: ضربٌ من النبات سَهلي سريع الاتّقاد، واحدته: عَرفجة(2).

قال الثعالبي: «ونار العرفج أسرع النيران التهاما، وهي نار الزحفتين»(3).

وإنما قيل لها ذلك؛ لأنها تشتعل بسرعة، فيزحف المُصطلي عنها لئلّا تُصيبه، فلا تلبث أن تنطفئ فيزحف إليها، فلا يزال كذلك معها، وإليه الإشارةُ بقولي في بيت النظم:

وَهْيَ الَّتِي تَذْهَبُ عَنْهَا وَتَجِي

يضربون بها المثل في سرعة الاشتعال وسرعة الانطفاء. وقد روى الجاحظ أن مُسلم بن قُتيبة قال لعمر بن عباد بن حصين: واللهِ للسُّؤْدُدُ أسرعُ إليكَ من النار في يَبِيسِ العَرْفَج(4).

2- نار الحُباحب:

يُقال: نار الحُباحب، ويقال: نار أبي الحُباحب. وهذه النار قد اختلفوا في أمرها، ولم أجد من جزم بحقيقتها، قال النُّوَيري: «وهي نار لبخيل كان يوقدها، فإذا استضاء بها إنسان أطفأها»(5). وذكرَ مثلَ ذلك الثعالبي(6).

وأنشدوا فيها قولَ القُطامي(7):

أَلَا إِنَّمَا نِيرَانُ قَيْسٍ إِذَا اشْتَوَوْا === لِطَارِقِ لَيْلٍ مِثْلُ نَارِ الْحُبَاحِبِ

هذا قولٌ فيها، وهي أنها لرجل بخيل. والقول الآخر ما ذهب إليه الأكثرون، وهو أنها النار التي تُورِيها الخيل بسَنَابِكِها، ومنه قوله تعالى: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا}، [العاديات: 2]. وقد ذهب إلى هذا القول الثعالبي والنويري والبغدادي(8)، وجعلوا منه قولَ النابغة الذبياني(9):

تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ === وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ

وقد جعلها بعضهم مثلا لكل نار لا حقيقة لها، قال الجاحظ: «وكل نار تراها العين ولا حقيقة لها عند التماسها فهي نار أبي الحباحب»(10).

وقال المرزوقي في أبي حُباحب: «رجل كان لا يُنتفع به في ماعون ولا في موقد نار، فجعل ناره مثلا لكلّ نار تراها العين ولا حقيقة لها عند التماسها، ونسبت إليه»(11).

أما حقيقة أبي حباحب فقد قال الجاحظ: «ولم أسمع في أبي حباحب نفسه شيئا»(12).

وقد زاد الثعالبي قولا آخر في نار الحباحب غيرَ اللَّذَيْنِ تقدّما، قال: « وقال آخرون: هي طائر أحمر الريش يظهر ما بين المغرب والعشاء، فيخيل للناظر أن في جناحه نارا»(13). ولعله يقصد نار اليَراعة التي ذكروها عَرَضًا في كلامهم عن نيران العرب(14).

3- نار الغَضَى:

قال ابن سيده: «والغضى: شجر معروف، ويقال: إن جمرَه أبقى الجَمر وأحسنه»(15).

وهذه النار مما يُضرب به المثل عند العرب، قال الثعالبي: «يضرب بها المثل في الحرارة؛ لأنها أَحَرُّ نارِ الجَمر. والغضى من بين سائر العيدان لا يصلح إلا للوقود، فكأنه خُلق للنار لا غير»(16).

4- نار الحلفاء:

ذكرها الثعالبي، وعنه النّويري، وهي عند الثعالبي يُضرب بها المثل في سُرعة الإيقاد، وأنشد لها قول الشاعر:

فَمَا ظَنُّكَ بِالْحَلْفَا === إِذَا دَبَّتْ بِهَا النَّارُ

ووقع هذا البيت عند النويري برواية(17):

فَمَا ظَنُّكَ بِالْحَلْفَا === ءِ أَدْنَيْتَُ لَهُ نَارَا

كما أنها يُضرب بها المثل أيضا في سُرعة الانطفاء، يقال: نار الحلفاء سريعة الانطفاء(18).

قال ابن سيده: «والحَلَفُ والحَلْفاءُ، من نَبَات الأغلاث، واحدتها حَلَفَةٌ وحَلِفَةٌ وحَلْفاءُ وحَلْفاةٌ»(19).

ومما يُذكر في الحَلفاء ما ورد في كتب السير والمَغازي من حديث غزوةِ بَدر أن عُتبة بن ربيعة برزَ لعُبيدةَ، فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا الذي في الحَلفاء.

قال ابن منظور: «أراد: أنا الأسدُ؛ لأن مأوى الأسد الآجامُ ومنابت الحَلفاء، وهو نبت معروف»(20).

هذا ما تهيَّأ إعدادُه وتيسر إيراده من جملة القول في نيران العرب في الثلاثة الأنواع مما إلينا نُقل: ما ذُكر حقيقة، وما ذُكر مجازا، وما ضُرب به المثل. وقد ضربتُ عن بعضها الذكرَ صفحا لأجل ما رأيتُ من أنهم لم يذكروها إلا عَرَضًا في كلامهم، أو قياسا على غيرها وليس عليها مَدار الكلام، ومن ذلك: نار الكيّ، ونار الحُمّى ونار الغرام ونار اليَراعة وغيرها، وهذه ذكرتُها في بعض الحواشي إشارةً يسيرة. وما سوى ذلك لم أورده لبعض التدبير، وهو أنهم ذكروها ولم يُمَثِّلوا لها بشيء، إنما يسردونها عند ذكرهم عِدَّةَ النيران التي وصلتهم عن العرب.

والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خير الوَرى، محمدٍ النبيّ المصطفى، وعلى الآل والصحب جميعا إلى يوم الدين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) الحيوان (5/107).

(2) المحكم لابن سيده (2/433).

(3) ثمار القلوب (ص: 247).

(4) الحيوان (5/107).

(5) نهاية الأرب (1/115).

(6) ثمار القلوب (ص: 581).

(7) ديوانه (ص: 50).

(8) ثمار القلوب (ص: 581)، ونهاية الأرب (1/115)، وخزانة الأدب (7/91).

(9) ديوانه (ص: 46). وسلوق: من أرض اليمن كان لها حديد جيّد الطبع، كريم العنصر، حُرّ الجوهر كما عند الجاحظ في الحيوان (1/312). والصفّاح: حجارة عِراض.

(10) الحيوان (4/487).

(11) الأزمنة والأمكنة للمرزوقي (ص: 586).

(12) الحيوان (4/487).

(13) ثمار القلوب (ص: 581).

(14) قال الجاحظ في الحيوان (4/488): «ونار أخرى، وهي شبيهة بنار البرق ونار أبي حباحب، وهي نار اليراعة، واليراعة: طائر صغير إن طار بالنهار كان كبعض الطير، وإن طار بالليل كان كأنه شهاب قذف أو مصباح يطير».

(15) المُحكم (4/461).

(16) ثمار القلوب (ص: 581).

(17) نهاية الأرب (1/115).

(18) ثمار القلوب (ص: 581).

(19) المحكم لابن سيده (2/433).

(20) لسان العرب (مادة: حلف). والحديث في البداية والنهاية لابن كثير (5/97)، وضُبط فيها: الحُلَفاء، كأنه جمع حَليف، وهو خطأ، وشرح ابن منظور يرُدُّه أيضا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والمصادر:

  • القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
  • الأزمنة والأمكنة، لأبي علي المرزوقي، ضبط خليل المنصور، دار الكتب العلمية.
  • البداية والنهاية، لابن كثير، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر.
  • ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، لأبي منصور الثعالبي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف.
  • الحيوان للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل.
  • خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر البغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي.
  • ديوان القُطامي، تحقيق إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب، دار الثقافة-بيروت.
  • ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف.
  • لسان العرب، لابن منظور، دار صادر.
  • المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده الأندلسي، تحقيق حسن هنداوي، دار الكتب العلمية.
  • نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري، تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق