الرابطة المحمدية للعلماء

مهرجان “طريق الحرير” كما تجلى في الفنون الإسلامية

“طريق الحرير” يختزن أبعادا حضارية وإنسانية تعكس مدى كونية الإسلام وجماليته

يشارك المغرب ضمن مجموعة من الدول تضم كلا من الصين وأوزبكستان والعراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس والإمارات واليمن والأردن، في فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان الفنون الإسلامية المقام في متحف الشارقة للفنون الذي تنظمه إدارة الفنون ودائرة الثقافة والإعلام تحت عنوان “طريق الحرير” ويضم أكثر من 130 فعالية منها المعارض والندوات الدولية وورش العمل (خزف وخط عربي وزخرفة) فضلاً عن الملتقيات الثقافية والمسابقات والدورات والعروض الفنية (أفلام وثائقية).كما يشارك إلى جانب هذه الدول 16 مؤسسة رسمية منها الجامعات والمؤسسات الخاصة كما يشارك في الفعاليات 440 فناناً يعرضون أكثر من 1500 عمل فني.

يشكل المهرجان الذي سيستمر إلى غاية 15 نوفمبر 2008، حدثاً فنيا وثقافيا كبيراً وفضاء لالتقاء الإبداعات الإنسانية في ضيافة الفن الإسلامي الأصيل، وذلك بتنظيم ثمانية معارض، في مختلف مجالات الفنون تعمل على إبراز التجليات الجمالية والحضارية للفنون الإسلامية عبر التاريخ.. الأمر الذي سيتعزز بأعمال الندوة الفكرية تحث عنوان “المنصوص والمبصور: المرسومات الخطية العربية” التي استقطبت إسهام العديد من النقاد والباحثين والمؤرخين الذين تدارسوا مسألة الحروفية وعلاقتها بالهوية والتراث، وتجلياتها في إبداعات الفنانين التشكيليين العرب.

من المعارض المشاركة ضمن هذا الملتقى الفني الكبير معرض “المرئي والمسموع” الذي يضم 146 عملاً فنياً في مجال الخط العربي والزخرفة الإسلامية وأعمال السيراميك والسجاديات، ومعرض الملصق الإيراني وضم 110 عملا في الفن المعاصر مصممة وفق الرؤية المحدثة في التشكيل الغرافيكي، جنباً إلى جنب مع معرض “نور على نور” “للفنان صالحوف بهادر” من أوزبكستان الذي اشتمل على 23 عملاً حرفياً، وهي نماذج من روائع ما تشتمل عليه الفنون الإسلامية في أواسط آسيا دقة وإتقانا.

وتشكل المشاركة الصينية إسهاما متميزا ضمن فعاليات “طريق الحرير” الذي يعود تاريخه حوالي إلى ألفي عام، حيث يبدأ من الصين، وتحديدا من مدينة “جانغان” التي أضحت تسمى “شيان”، وينتهي في روما. ويعتبر “طريق الحرير” طريقاً تجارياً وسياسياً وثقافيا وبالتالي حضاريا بامتياز، حيث عمل على تعزيز التلاقح والتواصل الثقافي والإنساني بين مختلف الأمم والشعوب من الشرق والغرب. وهو يبدأ من وسط الصين ويعبر قارة آسيا إلى قارة أوروبا، كما يربط قارة أفريقيا بقارة أوروبا.

وإليه يرجع الفضل في دخول الإسلام إلى الصين وبالتحديد في عصر سلالة “تانغ” التي حكمت الصين في القرن السابع الميلادي. وللدين الإسلامي 1300 عام من التاريخ في الصين، حيث هاجر العديد من التجار المسلمين إلى الصين واستقروا فيها ومن خلالهم تعرف الصينيون عن الإسلام..

كما بفضله تعرف المسلمون والعرب على الاختراعات الصينية القديمة الأربعة، وهي: الورق، البوصلة، البارود والطباعة، وكذلك تعرف الصينيون على منجزات الحضارتين العربية الإسلامية والغربية من خلال هذا الطريق..
وقد ضم المعرض الصيني مجموعة مصاحف قديمة ومخطوطات نوعية يبلغ عددها 15 مصحفاً ومخطوطاً من بينها القواميس الصينية – العربية. إلى جانب معرض بعنوان “بداية ونهاية الطريق” ويشتمل على 30 صورة فوتوغرافية ملونة للمصور الصيني “محمد باي شيويه يي”، وهي توثق للحياة الإسلامية في الصين من خلال عرضها لصور المساجد ذات الخصوصية المعمارية الصينية، إلى جانب الصور التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين في الصين، وأنماط معيشتهم وممارساتهم للشعائر الدينية. وقد سبق لهذا المصوّر أن التقط مجموعة من الصور تعكس جوانب من الحياة في المجتمع العربي؛ منها “مذكرات سفر إلى مكة”..

ومن الدرر التي زخر بها هذا الملتقى الفني الكبير معرض “جرس الجمل” للفنان “موسى ميو يونغيان” وهو من أشهر الخطاطين الصينيين، الذي استطاع أن يختط لنفسه أسلوبا خاصا في فن الخط سيما تنضيد الأحرف يدوياً وفق تقنية تقوم على جملة متناغمة من التراكيب المفتوحة والمستقيمة، حيث قدم في المعرض 15 عملاً “حروفياً”، تشكلت خلفياتها من الحرير المزخرف بالألوان والنقوش، بينما جاءت الكتابة على مادة من ورق السوان. وقد شكلت آيات منتقاة من القرآن الكريم الموضوع المحوري لكل اللوحات التي جاءت مكتوبة بالحرف الصيني وفق مقاسات طولية توحي بالكثير من الجمال والجلال؛ بحيث تبدو كل لوحة منسدلة كالبساط على الحائط..

 وإلى جانب معرض “حروف وأطياف” تضمنت فعاليات هذا الملتقى الفني الإسلامي معرضا بعنوان “نور الحروف” الذي جاء حافلا بطيف هائل من الألوان التي تتمازج فيها الحروف العربية في سياق تخيلي غاص بالتموجات البصرية، والقيم الجمالية، والأجواء التجريدية الشفافة.

“طريق الحرير” يستبطن جوانب حضارية وإنسانية تعكس مدى كونية الإسلام وعمق انفتاحه وتسامحه وجماليته وغناه؛ إذ لم يمض قرن على سطوع هديه في الجزيرة العربية حتى عم العالم بأنواره..
(عن جريدة الحياة اللندنية ـ بتصرف )

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق